أحد أسباب الثورة الفرنسية التي ساهمت بتغيير تاريخ البشرية في العصر الحديث كان يتمثل في ارتفاع أسعار السلع الغذائية. لا سيما وأن هذا الارتفاع في الأسعار صاحَبَه انخفاض موازٍ في سعر الإنسان، حتى صارت قيمته أرخص من كيس الخبز!

وحين وصل إلى مسامع ملكة فرنسا آنذاك «ماري أنطوانيت» زوجة الملك «لويس السادس عشر»، أنّ الشّعب الجائع لا يجد خبزًا يأكله! أصدرت فرمانًا أميريًا يمنع النّاس من أن تجوع مجانًا. إذ لم يكن يُسمح لأيّ مواطن أن يقوم بأيّ شيءٍ دون ثمن.. حتى لو كان الجوع! الكاتبة «أونا ميكيلفنا» أثارت هذه القضية فى مقالها الذى يُذكرنا بأهم أسباب الثورة الفرنسية.

مثل الثورات العربية.. كيف أدار الأمراء الثورة المضادة في أوروبا

أشارت الكاتبة في مستهل مقالها إلى ما لاحظه الكاتب الفرنسي «فولتير» ذات مرة من أن سكان باريس لم يكونوا يطلبون شيئًا سوى «أوبرا كوميدية وخبز أبيض».

لكن الخبز الأبيض لعب أيضًا دورًا أسود، بحسب الكاتبة، في التاريخ الفرنسي، وخصوصًا في فصول الثورة الفرنسية. فعندما اقتحم الباريسيون سجن الباستيل في  14 يوليو 1789 لم يكونوا يبحثون عن الأسلحة فحسب، بل كانوا يبحثون عن المزيد من الحبوب لصنع الخبز.

نقطة الوميض في التاريخ الفرنسي

تقول الكاتبة إنه «من الواضح أن الثورة الفرنسية كانت ناتجة عن عدد من المآسي الأكثر تعقيدًا من سعر الخبز، ولكن نقص الخبز لعب دورًا كبيرًا في تأجيج الغضب تجاه الحكومة الملكية. كان رد ماري أنطوانيت عند سماعها أن رعاياها ليس لديهم خبز: «إذا لم يكن هناك خبز للفقراء.. فليأكلوا الجاتوه!»، وبينما كان ذلك الرد مُلفقًا تمامًا، لكنه يُجسد كيف يمكن أن يصبح الخبز نقطة الوميض في التاريخ الفرنسي».

Embed from Getty Images

رجعت الكاتبة بالذاكرة إلى الوراء قليلًا، وقالت إنه فى عام  1529 أدت قلة محاصيل الحبوب إلى إثارة أعمال شغب في مدينة ليون الفرنسية. وخلال ما يسمى جراندي ريبين أي «الثورة العظيمة»، قام الآلاف بأعمال شغب ودمروا منازل المواطنين الأثرياء، وفي نهاية المطاف قاموا بنهب الحبوب من صومعة الحبوب المحلية وبذروها فى الشوارع.

وبنفس الطريقة، ساءت الأمور في القرن الثامن عشر. ففي عقد الستينيات من ذلك القرن، كان الفيزيوقراطيون ينصحون الملك، وهم مجموعة من الاقتصاديين الذين يعتقدون أن ثروة الأمم مشتقة أساسًا من مقدار تنمية الأراضي الزراعية وارتفاع ثمن المنتجات الزراعية.

من خلال تلك الاستشارة تمكن الملك من إزالة القيود تجاه تجارة الحبوب المحلية وإدراج نوع من التجارة الحرة.

وأردفت الكاتبة قائلة أن هذه التجارة الحرة لم تنجح. وفي أواخر أبريل ومايو 1775، أشعل نقص الغذاء وارتفاع الأسعار الغضب الشعبي في مدن وقرى باريس. وتم تسجيل أكثر من 300 حملة شغب هدفها نهب الحبوب في فترة تزيد قليلاً عن ثلاثة أسابيع. وأصبحت الموجة السائدة للاحتجاج الشعبي معروفة باسم «ثورة الدقيق». قام المشاغبون خلالها بغزو «فرساي» قبل انتشارهم في «باريس» وخارجها باتجاه الريف.

زادت حدة المشاكل في العقد الثامن من القرن الثامن عشر بسبب مجموعة من العوامل. حيث حدثت زيادة كبيرة في عدد السكان – فقد ارتفع عدد سكان فرنسا بما يتراوح بين 5 و6 مليون شخص في عام 1789 مقارنة بعام 1720 – دون زيادة مماثلة مع إنتاج الحبوب المحلية.

كان معظم الفرنسيين يرفضون تناول أي طعام بعيد عن النظام الغذائي المتبع ذلك الوقت والذي كان يقوم على الحبوب، وهو ما كان يمثل مشكلة رئيسية. فبسبب ذلك النظام الغذائي القديم كان الخبز يُمثل ما بين 60 إلى 80 في المائة من ميزانية عائل الأسرة، لذا فإن أي ارتفاع بسيط في أسعار الحبوب سيؤدي حتمًا إلى حدوث اضطرابات.

ثورة الدقيق

وترى الكاتبة أن كل شيء كان يدفع باتجاه أن تكون هذه الفترة في فرنسا عصيبة، بعدما بات نقص الخبز شيئًا فظيعًا. وخرجت المحاسبات في كل لحظة من مناطق الشغب والاضطرابات، وسط مطالبات للجيش بالحفاظ على أمن وسلامة الأسواق.

ونظرًا لأن الملك مُطالب بضرورة ضمان توفير المواد الغذائية لرعاياه، فقد أطلق عليه لقب «صانع الخبز الأول بالمملكة».

وادَعى وزير المالية آنذاك جاك نيكر، لإظهار التضامن مع الشعب الذي يفتقر إلى القمح، أن الملك لويس السادس عشر يأكل من خبز الطبقة الفقيرة الذي يتكون من مزيج من القمح وحبوب الجاودار، وليس من خبز المانش، وهو عبارة عن خبز أبيض يتم تحضيرة من خلال غربلة الدقيق الكامل لإزالة الشوائب الموجودة بالقمح.

لكن هذه التدابير لم تكن كافية، وتم استغلال مشكلة نقص الخبز، أو عدم وجوده، كسلاح من قبل العقول الثورية. وتمت المؤامرة في عام 1789 لإثارة العصيان ضد الملك، الذي يُزعم أنه اقترح عدة مقترحات لمحاولة منع اندلاع الثورة، إلا أنه بعد فترة قصيرة هوجم «الباستيل» بعنف.

مشاكل الخبز لم تنته بانتهاء الثورة

وتختم الكاتبة مقالها بأنه ربما ساعد الخبز في اندلاع الثورة الفرنسية، لكن الثورة نفسها لم تضع حدًا لمعاناة الفرنسيين من مشكلة نقص الخبز. ففي 29 أغسطس 1789، وبعد يومين فقط من إعلان حقوق الإنسان، قامت الجمعية التأسيسية بإلغاء القيود التنظيمية على أسواق الحبوب المحلية. وأثارت هذه الخطوة مخاوف بشأن التخزين والتصدير.

وفي 21 أكتوبر 1789، اتُهم خباز يُدعى «دينيس فرانسوا» بإخفاء الخبز ومنع بيعه باعتبار ذلك جزءًا من مؤامرة لحرمان الناس منه. وعلى الرغم من تبرئته فى المحكمة، إلا أن الجمهور جر «فرانسوا» إلى ساحة جريف، وشنقوه وقطعوا رأسه وجعلوا زوجته الحامل تُقبل شفتيه الدامية.

هنا نتذكر نصيحة تورجوت، المستشار الاقتصادى للملك لويس السادس عشر، حين قال له ذات مرة «لا تعبث بالخبز».

الثورات تحقق أهدافها بعد 100 عام.. مقارنة بين ثورة يناير والثورة الفرنسية

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات