في حين تبذل الولايات المتحدة أقصى ما تستطيع لمكافحة وباء فيروس كورونا المستجد، اختصت الحكومة الأمريكية الكيانات الدينية والكنيسة بمعاملة خاصة.

يتناول أستاذا القانون في جامعة فيرجينيا، ميكا شوارتزمان وريتشارد شراجر، وأستاذ القانون في جامعة كورنيل، نيلسون تيبي، في هذا المقال الذي نشرته مجلة «ذي أتلانتك» الأمريكية ما حظيت به الكيانات الدينية من مزايا من إدارة الرئيس الأمريكي.

في ظل مواجهة جائحة كورونا، بينما «من المفترض أن يمنع الفصل بين الكنيسة والدولة أي محاباة على أساس الدين في الولايات المتحدة». 

خلال القرن المنصرم، فسرت المحكمة العليا ما ورد في بند التأسيس من التعديل الأول لدستور الولايات المتحدة بأنه «لا يُمكن للحكومة الأمريكية إقرار قوانين تساعد دينًا بعينه، أو وجميع الأديان، أو تميّز دينًا على آخر». بموجب هذا المبدأ، لا يُسمَح للحكومة الأمريكية منح امتيازات خاصة للمنظمات الدينية بخلاف تلك التي تقدمها للكيانات غير الدينية التي في مثل وضعها. 

دولي

منذ 5 شهور
مترجم: طفرة جديدة في أعداد إصابات كورونا في أمريكا.. فما السبب؟

بيدَ أن الأشهر القليلة الماضية شهدت انهيارًا شبه كامل لهذا المبدأ، على الأقل فيما يتعلق بتمويل الحكومة للكيانات الدينية؛ إذ موّلَت الحكومة الأمريكية الكنائس ودور العبادة الأخرى، في إطار «برنامج حماية المدفوعات» الذي خصّص إعانات بمبلغ 669 مليار دولار لدعم الأعمال التجارية الصغيرة أثناء جائحة كورونا. 

هذا البرنامج غير مسبوق فيما يتعلق بحجم الأموال التي يخصصها، والطبيعة الدينية للأنشطة التي يدعمها، بما فيها دفع رواتب رجال الدين المدعومين من الحكومة، كما يوضح المقال الذي يأتي باعتباره جزءًا من مشروع «معركة الدستور» بالتعاون مع مركز الدستور الوطني الأمريكي. 

ولم يحظَ هذا التمويل للمؤسسات الدينية باهتمام كبير – كما أوضح كتاب المقال في صحيفة نيويورك تايمز مؤخرًا – ويرجع ذلك جزئيًا للشعور بأن الكنائس، حالها كحال بقية المؤسسات، تضررت من أوامر الحكومة بالإغلاق، ووجب تعويضها مثل الشركات والمنظمات غير الربحية، مقابل التزامها بقيود الصحة العامة. باختصار، يعتقد البعض بضرورة عدم التفرقة في معاملة الكنائس فيما يخص تمويل «برنامج حماية المدفوعات».

تنازل عن القواعد لدعم المنظمات الدينية

يستدرك كتاب المقال: لكن المنظمات الدينية وغير الدينية لم يُتعامل معها على قدم المساواة في إطار هذا البرنامج، بل بالعكس حصلت إدارة الأعمال التجارية الصغيرة على إعفاء خاص من قواعد الأهلية الخاصة بها، والموضوعة لضمان تقديم هذا النوع من الدعم للشركات الصغيرة وغير الربحية فقط، والتي تُعرف بأنها تضم أقل من 500 عامل.

Embed from Getty Images

سعيًا إلى تحقيق هذا الهدف، تمنع إحدى هذه القواعد دعم المنظمات التابعة للكيانات الأكبر حجمًا، لكن إدارة الأعمال التجارية الصغيرة تنازلت عن هذه القاعدة لصالح المنظمات الدينية غير الربحية. نتيجة لذلك، استلمت العديد من المنظمات الدينية مئات الملايين وربما المليارات من الدولارات مستفيدة من قروض هذا البرنامج على الرغم من ارتباطها بكيانات أكبر تضم أكثر من 500 عامل.

ويُقارن المقال حال الكنائس بغيرها من المؤسسات غير الدينية قائلًا: إن المؤسسات العلمانية غير الهادفة للربح – مثل (نادي الفتيان والفتيات، وجمعية الشبان المسيحيين، ومنظمة جودويل الاجتماعية) – والتي ربما تمتلك منشآت تابعة مماثلة، غير مؤهلة للإعفاء نفسه الذي حظيت به الكنائس.

وربما تُستبعد هذه المنظمات غير الدينية بالكامل من الاستفادة من قروض برنامج حماية المدفوعات، وربما تُحجم العديد من فروعها عن التقديم للحصول على المساعدة الفيدرالية؛ لأنهم يخشون من عدم أهليتهم، بينما تقدمت منظمات أخرى وتلقت الدعم المالي. 

في الوقت الحالي، تُواجه هذه المنظمات غير الربحية الكبيرة مخاطر قانونية لا تتعرض لها الكيانات الدينية؛ وبالتالي فإن تطبيق إدارة الأعمال التجارية الصغيرة على هذا النحو يمنح الأفضلية للمنظمات الدينية على نظيرتها غير الدينية. 

سيتجلى مدى هذا التفاوت بوضوح أكبر – بحسب المقال – عندما تكشف إدارة الأعمال التجارية الصغيرة تفاصيل أكثر عن قروض برنامج حماية المدفوعات والمستفيدين منه، وهو ما تعهدت بفعله الآن، بعكس رفضها السابق للإفصاح عن هذه المعلومات. 

مطالبة منظمات غير دينية بإعادة القروض

في الوقت الحالي، يتبدى تفضيل إدارة الأعمال التجارية الصغيرة للمنظمات الدينية في حالة جمعية تنظيم الأسرة المعروفة باسم «الأبوة المخطط لها»، إذ طلب 38 مركزًا محليًا للأبوة المخطط لها – عند إتاحة تمويل برنامج حماية المدفوعات – قروضًا فيدرالية قيمتها 80 مليون دولار تقريبًا واستلمتها بالفعل، إلا أن إدارة الأعمال التجارية الصغيرة تطالبهم الآن بإعادة الأموال المستلمة، مُدعية أن هذه المراكز المحلية غير مؤهلة للحصول على الدعم لأنها تدار بواسطة منظمة وطنية وهي «الاتحاد الأمريكي للأبوة المخطط لها». 

ويُشير المقال إلى انضمام 27 عضوًا تحت قيادة توم كوتون وميتش ماكونيل من الجمهوريين في مجلس الشيوخ الأمريكي إلى هذا الادعاء، مطالبين المدعي العام وليام بار بالتحقيق مع جمعية «الأبوة المخطط لها»، مقترحين أن تُفرض على المنشآت التابعة لها عقوبات مدنية وجنائية لالتماسهم قروضًا بطريقة احتيالية.

بينما طالب السناتور ماركو روبيو، رئيس لجنة مجلس الشيوخ المشرفة على برنامج إدارة الأعمال التجارية الصغيرة، بإلغاء قروض برنامج حماية المدفوعات للفروع التابعة لجمعية «الأبوة المخطط لها» والتحقيق فيها لارتكابها مخالفات.

وردًا على ذلك، اتهم النواب الديمقراطيون في مجلس الشيوخ إدارة الأعمال التجارية الصغيرة باستهداف جمعية «الأبوة المخطط» لها لتحقيق أهداف حزبية وأيديولوجية، بينما أصدرت الجمعية بيانًا يقول «إن منشآته المحلية تستوفي شروط استحقاقها لتمويل إدارة الأعمال التجارية الصغيرة».

يعلق كتاب المقال قائلين: «يُعد هذا التراشق المتبادل بين النواب الجمهوريين والديمقراطيين أحدث تكرار للنزاع السياسي حول الإجهاض، فكثيرًا ما سعى المحافظون إلى وقف تمويل جمعية «الأبوة المخطط لها» بسبب دعمها للحقوق الإنجابية للمرأة، بما في ذلك الإجهاض، بينما يدافع الليبراليون والتقدميون عن الاتحاد، لذا فإن دوافع الجمهوريين لاستهداف هذه الجمعية ليست لغزًا.

ويلفت المقال إلى أن الجمهوريين وأعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي، المشرفين على إدارة الأعمال التجارية الصغيرة، يدعمون موقفًا يتعارض مع الدستور الأمريكي، الذي يمنع الحكومة من تقديم دعم خاص للمنظمات الدينية، من خلال تفضيلها الكيانات الدينية على المنظمات غير الدينية غير الهادفة للربح. 

سياسية تمييزية تهدد بقلب الدستور الأمريكي رأسًا على عقب

ربما يعتقد المرء أن الفصل بين الكنيسة والدولة سيحرم الكنائس من قروض برنامج حماية المدفوعات لتمويل رواتب رجال الدين، لكن حتى المحكمة العليا انحرفت عن مبدأ الفصل؛ من خلال السماح بالتمويل العام للمنظمات الدينية في البداية، وهي تسير الآن أكثر فأكثر نحو حتمية المعاملة بالتساوي، وهذه السياسة التي تفضل الكيانات الدينية ستقلب ما ورد في الدستور رأسًا على عقب. 

Embed from Getty Images

ويُظهر تطبيق إدارة الأعمال التجارية الصغيرة لتمويل برنامج حماية المدفوعات كيفية تحول المعاملة بالتساوي إلى هذا التفضيل والانحياز؛ إذ ادعت إدارة ترامب ضرورة تلقي الكنائس تمويلًا فيدراليًا بالتساوي مع المنظمات غير الدينية غير الربحية، لكن تنازل البرنامج عن قواعد الانتساب للكيانات الدينية يؤدي إلى تمييزها على نطاق واسع وليس معاملتها بالتساوي، بحسب المقال.

الأكثر من ذلك، أن بعض الكيانات الدينية التي ربما تواجه الاستبعاد من التمويل بموجب قواعد الانتساب المحايدة للبرنامج، قد تتلقى دعمًا فيدراليًا بمليارات الدولارات، بينما يكون نصيب منظمات غير دينية مثل جمعية تنظيم الأسرة من هذا الدعم لا شيء.

لماذا ينبغي التعامل مع المنظمات غير الدينية غير الربحية بأسلوب مختلف؟

إن تنازل إدارة الأعمال التجارية الصغيرة عن قواعدها الخاصة من أجل الكيانات الدينية، مبني على زعمٍ بأنها ستزيد من أعباء المجموعات الملتزمة دينيا بالأشكال الهرمية للمنظمة، واعتقادٍ بأن إعفاءها للمنظمات الدينية مصرح به بموجب قانون استعادة الحرية الدينية، والذي يمنع الحكومة من فرض أعباء على كبيرة الدين، وربما بموجب بند التأسيس في التعديل الأول، الذي فُسر باعتباره يحد من تدخل الحكومة في القرارات الداخلية للكيانات الدينية. 

العالم والاقتصاد

منذ 10 شهور
مترجم: هل الرأسمالية والمسيحية متوافقتان حقًّا؟

وشكّك كتاب المقال في هذه المزاعم قائلين: إن قواعد الانتساب المحايدة، التي تُقلل من أعداد المستفيدين من القروض، لا توفر الحماية بموجب قانون استعادة الحرية الدينية، أو تتيح التدخل في القرار الداخلي للكيانات الدينية، لكن مع افتراض وجود هذه المخاطر فيمكن التخلص منها بإعفاء كافة المنظمات غير الربحية من قواعد الانتساب. 

منح الكيانات الدينية وحرمان غيرها.. ماذا يقول القضاء؟

لكن ما لا يمكن تبريره – بحسب المقال – هو تقبّل تكييف الكيانات الدينية لتمكينها من الحصول على التمويل الفيدرالي مع حرمان المنظمات غير الدينية المشابهة، والمثقلة بنفس لوائح الصحة العامة المتعلقة بالأوبئة. 

وذكر المقال أن التطبيق غير المتكافئ من إدارة الأعمال التجارية الصغيرة لقواعدها يتعارض مع الدستور الأمريكي، مستشهدًا بقضية مجلة تكساس الشهرية ضد مقاطعة بولوك بولاية تكساس عام 1989، إذ قضت المحكمة العليا أنه لا يُمكنها إعفاء المنشورات الدينية من ضريبة المبيعات بينما تفرضها على المنشورات غير الدينية. 

وقتئذ كتب القاضي هاري بلاكمون: «إن الدولة لا يمكن أن تُعفي هؤلاء الذين ينشرون الإنجيل من الضريبة، بينما لا تفعل ذلك مع هؤلاء الذين يدعون إلى الكفر بالدين»، إلا أن إدارة الأعمال التجارية الصغيرة فعلت الشيء نفسه، على حد قول كتاب المقال.

وأكدت المحكمة العليا مؤخرًا على أهمية المساواة في التعامل مع المنظمات الدينية وغير الدينية عند تقديم المزايا العامة. بينما كتب القاضي بريت كافانو الشهر الماضي رأيًا مخالفًا، في أول قرار تصدره المحكمة العليا بشأن الكنائس خلال فترة تفشي كوفيد 19، قائلًا: «ترغب الكنيسة ورعاياها ببساطة أن يُعَاملوا بمثل ما تُعَامل به المنظمات العلمانية المماثلة». 

مخاطر الكيل بمكيالين في تطبيق قواعد التمويل العام

ويرى كتاب المقال أن مؤسسات تنظيم الأسرة تستند إلى أسس دستورية لعدم الاستجابة لمطالب إعادة قروض «برنامج حماية المدفوعات». وإذا كانت الكيانات الدينية الصغيرة غير الربحية مؤهلة لاستلام تمويل برنامج حماية المدفوعات، برغم أنها تابعة لمنظمات وطنية كبيرة، فينبغي أن تُطبق هذه القواعد على المنظمات غير الدينية غير الهادفة للربح مثل جمعية تنظيم الأسرة.

Embed from Getty Images

يتابع المقال: من غير المقبول أن تطبق مجموعتان من قواعد التمويل، إحداها تقدم مليارات الدولارات إلى التجمعات الدينية المحلية، وأخرى تحرم المنظمات غير الدينية من الدعم نفسه. وإذا كانت هذه القواعد دستورية، على الرغم من أنها تسمح بتقديم دعم مالي مباشر للكنائس أكثر من أي وقت مضى في التاريخ الأمريكي، فإن بند التأسيس في التعديل الأول يفقد معناه.

ويختتم الكتاب الثلاثة مقالهم المنشور في مجلة «ذي أتلانتك» الأمريكية بتأييد الرأي القائل بأن الحكومة لا يُمكنها انتقاء المنظمات الدينية لمنحها امتيازات خاصة. أما إذا انهار هذا المبدأ، فإن البلاد لن تشهد فحسب تهاوي مبدأ فصل الكنيسة عن الدولة بشأن التمويل العام، بل سيُعد ذلك تقويضًا للتعهد بالمعاملة المتساوية، وبدلًا من ذلك سيوجد نظام يُفضل المنظمات الدينية على غيرها.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد