بعد تأكدنا من أن الرضاعة الطبيعية تساعد الأطفال في مقاومة الأمراض والعدوى، هل نحن بصدد تأكيد جديد من أنها تزيد مستوى ذكاء الأطفال؟!

لفترة طويلة أظهرت الدراسات أن الرضاعة الطبيعية لها تأثير إيجابي على مستوى ذكاء الطفل مستقبلًا، وقدرته على الكسب؛ لكن لم يَتسن لنا معرفة ما إذا كانت تلك المكتشفات حقيقية أم لا. ببساطة يرجع السبب أن تلك الدراسات كانت تُجرى على مدى قصير أو في مجتمعاتٍ ذات دخلٍ مالي مرتفع حيث الأمهات أثرياء متعلماتٍ مثقفاتٍ، وبالتالي ترضِعن أطفالهن طبيعيًّا بمعدلٍ أكثر من نظرائِهن من الطبقات الأقل اجتماعيًّا واقتصاديًّا.

بمعنى آخر، لم يكن واضحًا ما إذا كانت الرضاعة الطبيعية في حد ذاتها سببًا في ارتفاع مستوى الذكاء، أم هناك أسباب أُخرى مثل بعض المزايا التي تصاحب الأوضاع الاجتماعية الاقتصادية المرتفعة.

مؤخرًا، نشرت مجلة لانسيت الطبية دراسة كبيرة أُجريت حديثًا في بيلوتاس بالبرازيل، وكشفت الدراسة أنه من الممكن حقيقةً أن يكون لبن الأم هو السبب في زيادة مستوى الذكاء.

إلى أي مدى يرتبط مستوى الذكاء بالرضاعة الطبيعية؟

بتتبع الأطفال منذ الولادة، وُجِدَ أن الرضاعة الطبيعية مرتبطة بمستوى الذكاء المرتفع.

بتتبع ما يقرب من 3500 طفل حديث الولادة وحتى سن الـ30، دَرَسَ الباحثون مدى ارتباط طول فترة الرضاعة الطبيعية بمستوى الذكاء عند البلوغ والتحصيل العلمي والدخل الاقتصادي.

وجدوا أنه كلمّا زادت مدة الرضاعة الطبيعية، زاد أداء الطفل على كل المقاييس؛ سواء نمط الحياة أو معدلات الذكاء.

فعلى سبيل المثال، وجدوا أن هناك فارق أربع نقاط في نتائج اختبارات الذكاء عند عمر الـ30 بين الأفراد الذين تم إرضاعهم طبيعيًّا لمدة لم تتجاوز الشهر عندما كانوا أطفال وأولئك الذين تم إرضاعهم طبيعيًّا لأكثر من عام. مع العلم أن تلك الأربع نقاط تمثل ربع الانحراف المعياري في منحنى معدل الذكاء.

على المستوى الدراسي، أُولئك الذين رضعوا طبيعيًّا لفترات أطول أنهوا سنة إضافية من تعليمهم مقارنةً بأولئك الذين لم يرضعوا طبيعيًّا، إضافةً إلى أنهم يحصلون على 341 ريالًا برازيليًّا شهريًّا أكثر من نظرائهم في سن الـ30، أي بزيادة تعادل ثلث متوسط دخل من رضعوا طبيعيًّا لأقل من شهرٍ واحدٍ.

تستحق تلك النتائج الاهتمام لسبب بسيط، إذ إنه بخلاف الوضع في الولايات المتحدة الأمريكية، في البرازيل تتساوى نسبة الأمهات اللاتي يرضعن أطفالهن طبيعيًّا في كافة الفئات الاجتماعية والاقتصادية.

لم تكن دراسة لانسيت الأولى في اكتشاف التأثير المستمر للرضاعة الطبيعية على معدل الذكاء، فقد نشرت مجلة جاما الطبية – مجلة الجمعية الطبية الأمريكية- دراسة دنماركية وجدت أن العلاقة بين طول مدة الرضاعة الطبيعية والذكاء إيجابية وذات مدلول إحصائي. لكن هذا البحث هو أول دراسة طويلة المدى تثبت نفس التأثير الذي أظهرته نتائج أبحاث أُجرِيَت في الدول النامية والتي أظهرت نفس المعدلات عبر كل شرائح المجتمع.

وكما يقول د.مايكل كريمر الأستاذ بجامعة ماكجيل والذي قام بدراسة الرضاعة الطبيعية “عادةً ما يساورنا القلق بشأن العوامل الخارجية المربكة إذا ما نظرنا للنساء صاحبات المراكز الاجتماعية والاقتصادية العليا على أنهم يرضعن أطفالهن طبيعيًّا لفترات أطول، لكنها ليست الحال في البرازيل أو دول نامية أخرى”.

علاوة على ذلك، يقول د.كريمر إن هناك دراسات أُخرى قصيرة المدى أُجريَت في بيلوتاس والفلبين أظهرت نفس النتائج. كذلك، أجرى د.كريمر تجربة عشوائية على 1700 طفل رضيع في بيلروس، وأظهرت نتائجها أن للرضاعة الطبيعية تأثير إيجابي على التطور المعرفي.

ومع ذلك، ربما تكون هناك متغيرات أخرى لم يحتسبها العلماء. فمعظم الدراسات قائمة على الملاحظة والرصد وليس التجربة، إلا أنها جميعًا تؤكد وجود صلة بين هاتين الظاهرتين – ارتفاع معدل الذكاء والرضاعة الطبيعية لفترات أطول- لكنها أيضًا ليست علاقة سببية، إذ لم تجزم بأن أحدهما سبب في حدوث الآخر. بينما تلك الدراسة الأخيرة وهي دراسة عالية المستوى، بالتأكيد تُعزز العلاقة بين الاثنين والتي رفضتها دراسات أخرى.

المرأة الأمريكية، الأقل إرضاعًًا

توصي منظمة الصحة العالمية بإرضاع الأطفال طبيعيًّا حصريًّا (أي من لبن الأم فقط) للأشهر الستة الأولى. وبعد ذلك تنصح باستمرار الرضاعة الطبيعية لمدة عام ونصف، لكن بشكل جزئي إضافة إلى غذاء الأطفال الرضع. ففي الإجمال، وفقًا لمنظمة الصحة العالمية ينبغي إرضاع الأطفال عامين كاملين. وتنصح الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال بالرضاعة الطبيعية على الأقل عام كامل.

في أمريكا يرتبط الثراء والعرق بفترة الرضاعة الطبيعية

على الرغم من ذلك، في الولايات المتحدة الأمريكية، متوسط مدة الرضاعة الطبيعية هي ثلاثة أشهر فقط. فالمعدلات الاعتيادية  في أمريكا أقل من بلادٍ أخرى عندما يتعلق الأمر بنسبة الأطفال الذين يتم إرضاعهم طبيعيًّا، وهناك أسباب متنوعة اجتماعية وثقافية من بينها: التفضيلات الشخصية وافتقار الثقافة والتعليم المتعلق بالرضاعة الطبيعية، واكتساح التسويق للرضعات الصناعية الأسواق، وقِصَر مدة إجازة الحمل والإرضاع، إضافة إلى حقيقة لا يمكن إغفالها أن العديد من النساء يجدن الرضاعة الطبيعية صعبة للغاية مع العمل بوظيفة خارج المنزل.

الفوائد الصحية للرضاعة الطبيعية

لفترة طويلة، قامت المنظمات الصحية بالترويج للرضاعة الطبيعية، إذ كشف العلم أن لها العديد من الفوائد الصحية والاجتماعية.

أحد الفوائد الصحية بلا منازع هي أن الرضاعة الطبيعية تساعد في الحماية من مجموعة كبيرة من الأمراض بما في ذلك التهابات الأذن والحلق والتهابات الجيوب الأنفية. إضافة إلى أنها تحمي من الالتهاب الرئوي والإسهال واللذين يتسببان في موت عدد كبير من الأطفال على مستوى العالم. حليب الأم يحتوي على العديد من الهرمونات والبكتيريا والخلايا؛ وكما يوضح د. كريمر أنه يحتوي على أجسام مضادة لا توجد في الرضعات الصناعية. وأظهرت الدراسات أنها تحارب التهابات الجهاز الهضمي والجهاز التنفسي عند الأطفال أيضًا. ويضيف د.كريمر “ما يحتويه لبن الأم، يحمي من دخول البكتيريا، بل ويقتلها على الفور. الأمر يشبه المضادات الحيوية ولكنها ليست مضادات حيوية”.

أما عن علاقة الرضاعة الطبيعية ومرض السكر، يقول د.كريمر إن الأدلة عليها أكثر تشويشًا وإثارة للجدل مثلها مثل علاقتها بأمراض القلب وارتفاع ضغط الدم والسمنة والربو، وذلك بعد قيامه بفحص كافة الأدلة والدراسات بهذا الشأن قبل تقديمه بحث ونقد عن الرضاعة الطبيعية لمؤسسة كوكرين وهي منظمة غير حكومية مستقلة وغير ربحية، تعمل من أجل تنظيم معلومات الأبحاث العلمية الطبية بشكل منهجي حسب مبادئ الطب المسند بالدليل.

كلما طالت فترة الرضاعة الطبيعية وكانت حصرية على لبن الأم، كان أفضل، وفقًا لأحدث دراسات مجلة لانسيت. ويبدو أيضًا أن لبن الأم يعزز مستوى الذكاء. لكن، السبب في ذلك بالتحديد ليس واضحًا حتى الآن. يقول د.كريمر: “ربما يكون السبب هو الاتصال الجسدي والعاطفي بين الأم والطفل. وربما يكون السبب أن الرضاعة الطبيعية تستغرق وقتًا أطول عن الرضاعة الصناعية، مما يمنح الأم وقتًا أطول في كل مرة رضاعة لتتحدث إلى طفلها، فتتاح فرصة أكبر للتواصل اللفظي، ويكتسب الطفل اللغة أسرع. أو ربما يكون السبب أحد مكونات لبن الأم والذي لم يكتشف بعد”.

هناك أيضًا احتمال أن يعود الارتباط بين لبن الأم والذكاء لعوامل أخرى، ففي الدراسات الرصدية، من المستحيل على الباحثين أن يستبعدوا جميع المتغيرات التي قد تثير اللبس. فالفترة بين الرضاعة وحتى سن الثلاثين تعتبر فترة طويلة بما يكفي لتدخل العديد من التأثيرات المحتملة الأخرى.

ومع ذلك، يوصي د.كريمر الأمهات بمحاولة كل ما في وسعهن، فلبن الأم المعبأ في زجاجات لإرضاع الطفل لاحقًا يظل أفضل من الرضعات الصناعية، فذلك الأخير لا يحتوي على الأجسام المضادة كلبن الأم. ويلخص الأمر ببساطة بقوله: “كلما كانت الرضاعة حصرية على لبن الأم ولفترة أطول، كان ذلك أفضل”.

 

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد