تتراوح التنبؤات حول الأثر الاقتصادي لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست) بدون صفقة من «كارثية» إلى «صفقة لا بأس بها». بل أشار بعض الاقتصاديين الهامشيين في الواقع إلى أنه حتى الخروج بدون صفقة سيعزز الاقتصاد البريطاني، وفي حين لا يوجد تحليل موثوق يدعم هذا الرأي، فهناك حالة غموض كبيرة، خاصة على المدى القصير.

هكذا استهلت صحيفة «الإندبندنت» البريطانية مقالًا تحت عنوان «لقد بحثتُ في كيفية تأثير بريكست بدون صفقة على اقتصادنا.. هذا هو الجواب في الوقت الحاضر ولعدة عقود في المستقبل»، يسرد فيه الكاتب جوناثان بورتس، أحد كبار الباحثين في مركز أبحاث «المملكة المتحدة في أوروبا المتغيرة» وأستاذ الاقتصاد والسياسة العامة في كلية كينجز بلندن، توقعاته بشأن التأثيرات الكبيرة على صناعة السيارات، والمستحضرات الصيدلانية، والكيماويات، والأغذية، لكنه يلفت إلى أن  الضرر الحقيقي سيظهر أثره بشكل أكبر في المستقبل.

ومع ذلك، يشير الباحث إلى أن «هذا لا يعني أن الاقتصاد ليس لديه شيء مفيد ليقوله، أو أنه لا يوجد إجماع بين الاقتصاديين الموثوق بهم حول العواقب المحتملة».

«واشنطن بوست»: ماذا سيحدث في بريطانيا؟ 4 خيارات صعبة أمام منافسي بوريس جونسون

انخفاض العملة والأجور.. أبرز تداعيات بريكست المتوقعة

يوضح المقال الآثار والتداعيات المترتبة على الخروج بدون صفقة، وأن فرض الحواجز الجمركية وغير الجمركية بين المملكة المتحدة وشريكها التجاري الأكبر (الاتحاد الأوروبي) سيكون بمثابة صدمة كبيرة لاقتصاد المملكة المتحدة.

يقول الباحث: «يمكننا أيضًا تحديد القطاعات -صناعة السيارات، والمستحضرات الصيدلانية، والكيماويات، والأغذية الناتجة من الزراعة، وما إلى ذلك، التي من المحتمل أن تكون الأكثر تضررًا، على الرغم من أننا لا نستطيع التنبؤ بمدى خطورة أي اضطرابات إضافية وتأخيرات في الموانئ الرئيسة».

وأضاف أنه يمكن أن نكون على يقين معقول من أن بعض الأشياء لن تحدث؛ فلن ينهار النظام المالي، ولن تنهار سوق الأسهم، ولن ترتفع أسعار الفائدة. ويمكن أن تستجيب السياسة – وهو الأمر الأرجح في جميع الأحوال – تبعًا لذلك، فمن المحتمل أن تزيد الحكومة من الإنفاق وربما تخفِّض الضرائب، بينما سيخفض بنك إنجلترا – إذا لزم الأمر – أسعار الفائدة».

لكن السؤال الأكبر الذي يطرح نفسه على المدى القصير هو ما سيحدث لثقة رجال الأعمال والمستهلكين، أي «الأرواح الحيوانية» (المصطلح الذي استخدمه جون ماينارد كينز في كتابه الصادر عام 1936 «النظرية العامة للتوظيف والفائدة والمال» لوصف الغرائز والميول والعواطف التي تؤثر ظاهريًا على السلوك البشري وتوجيهه، والتي يمكن قياسها من حيث – على سبيل المثال – ثقة المستهلك).

لقد افترضت توقعات ما قبل الاستفتاء أن التصويت لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي سيمثِّل ضربة كبيرة ودائمة للاقتصاد؛ وهو ما يبطئ من إنفاق المستهلك والاستثمار التجاري. وفي الواقع، حين اتضح أنه لن يحدث تغيير يُذكَر على المدى القصير، عادت الثقة بسرعة. وإذا أصبح «بريكست» حقيقة واقعية، هل ستكون هذه المرة مختلفة؟

من المحتمل أن يعتمد ذلك على مدى حدة الانقطاع الفوري للتجارة، وكذلك على التطورات السياسية وتصورات الجمهور. لا يوجد اقتصاديون – أو أي أشخاص آخرين – يمكنهم التنبؤ بهذه الأمور بشكل موثوق، بحسب الباحث. وخلاصة القول هي: أن التأثير الفوري للخروج بدون صفقة سيكون بمثابة صدمة كبيرة للاقتصاد. وسيمثِّل الركود احتماليةً كبيرةً، لكن يظل مدى عمقه وشدته غير مؤكدَين.

وأردف الباحث جوناثان بورتس قائلًا: «ومع ذلك، سوق يتكيَّف اقتصاد المملكة المتحدة في النهاية – بطريقة أو بأخرى – مع الواقع الجديد للحياة خارج الاتحاد الأوروبي. وهنا قدر أكبر من اليقين بشأن الأثر الاقتصادي لبريكسيت. وعلى المستوى الأساسي، فإن مغادرة الاتحاد الأوروبي ستجعل المملكة المتحدة أكثر فقرًا؛ لأنها سوف تزيد من صعوبة قيام الشركات والمستهلكين في المملكة المتحدة بأعمال تجارية مع الدول الأوروبية، علاوة على تقليص حركة العمالة بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي».

وأضاف: «وستكون تكلفة مغادرة الاتحاد الأوروبي بدون صفقة أكبر من تكلفة المغادرة بصفقة تسمح لنا بالبقاء في الاتحاد الجمركي للاتحاد الأوروبي أو في السوق الموحدة. ولن تتحمل المملكة المتحدة هذه التكاليف وحدها، حيث سيخسر الاتحاد الأوروبي أيضًا من بريكست، لكن التكاليف ستكون أصغر مقارنةً بحجم اقتصاده؛ لأننا نعتمد بشكل أكبر على التجارة مع الدول الأعضاء الـ27 في الاتحاد الأوروبي، وليس العكس».

وتابع الباحث: «لقد حلل بحثنا السابق الآثار طويلة الأجل للتجارة مع الاتحاد الأوروبي بموجب قواعد منظمة التجارة العالمية. ووجدنا أنه بعد مرور 10 سنوات، سيؤدي البريكست واتّباع قواعد منظمة التجارة العالمية إلى انخفاض دخل الفرد في المملكة المتحدة بنسبة تتراوح بين 3.5% و8.7%».

وأضاف: «أسفرت عملية النمذجة الحكومية عن نتائج مماثلة (النمذجة عبارة عن مجموعة أدوات تزوّد واضعي السياسات والخطط والمحللين الاقتصاديين وصانعي القرار بمعلومات وبيانات مهمة جدًا حول المدخلات المقترحة والنتائج والعوائد المتوقعة من الخطط والسياسات والقوانين والقرارات التي سيُجرى تطبيقها)».

ويلفت الكاتب إلى أن التوقعات تُعتبر غير مؤكدة، وهنا، بالإضافة إلى الشكوك الطبيعية الملازمة للنمذجة الاقتصادية طويلة الأجل، توجد توقعات إضافية حول السياسة المستقبلية. على سبيل المثال، أشارت كلٌ من حكومتي المملكة المتحدة والولايات المتحدة إلى نواياهما للتفاوض على صفقة تجارية سريعة.

لكن – حتى بصرف النظر عن المصاعب السياسية – من المرجح أن تكون أية فوائد صغيرة نسبيًا؛ إذ يمثل الاتحاد الأوروبي حوالي نصف تجارة المملكة المتحدة، أي أكثر من ثلاثة أضعاف ما في الولايات المتحدة.

وتعمل اتفاقيات التجارة الحرة القياسية على تقليل الحواجز التجارية بشكل أقل مما تفعله من أجل التكامل العميق الذي يمثِّل السمة المميزة للسوق الموحدة للاتحاد الأوروبي.

ضرر قد يصبح دائمًا

وذكر تحليل أجرته الحكومة البريطانية أنه حتى مع الافتراضات المتفائلة بشأن عدد الصفقات التي يمكن إبرامها خلال العقد المقبل، فإن التأثير سيكون ضئيلًا للغاية، يمكن للصفقات التجارية الجديدة – بشكل عام – أن تعزز الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تتراوح بين 0.2% و0.7% من الناتج المحلي الإجمالي على المدى الطويل.

ومن الممكن أيضًا إجراء تغييرات سياسية أخرى للتخفيف من الآثار السلبية لبريكست، وتفتح مغادرة تيريزا ماي منصبها كرئيس وزراء للبلاد الطريق إلى سياسة هجرة أكثر ليبرالية من تلك المقترحة في «الورقة البيضاء للهجرة» (نظام هجرة بريطاني جديد قائم على المهارات وسوف يبدأ العمل به بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي)، والتي يمكن أن تعزز الأداء الاقتصادي؛ على الرغم من أن وزيرة الداخلية الجديدة بريتي باتيل أشارت إلى عزمها على اتباع سياسة تقييدية نسبية، والتي سيكون لها تأثير معاكس.

ورأى الباحث جوناثان بورتس أن مقترحات «الورقة البيضاء» من شأنها أن تقلّص الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تصل إلى 1.8% على مدى 10 سنوات.

ومن المتصور أن خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي – وخاصة الأثر الاقتصادي لبريكست بدون صفقة – قد يوفر الزخم للحكومة لمعالجة بعض القضايا الأطول أجلًا، مثل عدم وجود استثمارات عامة في البنية التحتية، وقلة توافر التدريب والمهارات، والتي أسفرت عن أداء إنتاجية ضعيف في المملكة المتحدة.

ويختم المقال بالقول إنه رغم ذلك لا يوجد أدنى شك – عمومًا – في أنه بصرف النظر عن أي شيء آخر قد يحدث على مدى العقد المقبل، فإن خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي بدون صفقة سيمثِّل عائقًا دائمًا للنمو الاقتصادي في المملكة المتحدة لسنوات قادمة.

الجيش البريطاني بعد «البريكست».. كيف ستغيب الشمس عن الإمبراطورية العظمى؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد