كتبت إيما جي ويلز، وهي مؤرخة للشؤون الكنسية والمعمارية في جامعة يورك، مقالًا في مجلة «هستوري إكسترا» حول ما يثار من توجه الكنيسة الكاثوليكية إلى السماح للكهنة بالزواج، فقضية العفة تعود إلى قرون ولم تحسم إلى الآن، على الرغم من أنه لا يوجد نص يمنع ذلك، بحسب المقال. 

ووسط نقاش كنسيّ مستمر حول ما إذا كان يتعين التخفيف من قاعدة عدم السماح للرجال المتزوجين بأن يصبحوا كهنة، ومع دعوة كنيسة إنجلترا للمسيحيين في النقابات المدنية، سواء المثلية أو السوية، إلى التعفف والبعد عن الجنس، تنظر الكاتبة في تاريخ العزوبة بالكنيسة المسيحية.

وتستهل الكاتبة مقالها بقولها: «في مشهد لابد أن الجميع أدرك مغزاه في فيلم «الباباوان» The Two Popes، من إنتاج شركة «نيتفليكس»، تبرز المواجهة بين «البابا فرانسيس» الحالي، وسلفه «البابا بنديكت السادس عشر»، في جميع أنحاء العالم. النقطة البابوية الشائكة هي: العلاقات الجنسية للكهنة أو (عدم وجودها). 

في كتابه المقبل، «من أعماق قلوبنا» From the Depths of Our Hearts، يصدر البابا الفخري ومؤلفه المشارك، الكاردينال روبرت سارة (أول بابا متقاعد يتخلى عن منصبه منذ أكثر من 600 عام، ومن ثم لقب «بالمتقاعد») تحذيرًا ضد تخفيف قواعد الكهنوت الكاثوليكي في الوقت الذي يندر فيه وجود الكهنة في بعض مناطق أمريكا الجنوبية النائية».

على الرغم من أن البعض يشير إلى أن «البابا فرانسيس» ألمح إلى قبوله بزواج القساوسة، إلا أن النقاش حول تقليد العزوبة في الكنيسة المسيحية ليس بالأمر الجديد. غير أن الأهمية الإخبارية للموضوع تكشف مجمل مضمونه.

استمرت قضية الحفاظ على ما أطلق عليه «البابا بولس السادس» «الجوهرة الثمينة» – بالمعنى الكهنوتي وليس الملكي – لعدة قرون. وهناك الكثير من الأساطير حول ما يدعي البابا السابق أنه تقليد «ضروري» مستمر منذ قرون، لكن لم تكن هناك أبدًا أحكام ملزمة وصارمة توجب عزوبة القساوسة، ومن هنا جاءت التعقيدات التي لا تزال قائمة حتى يومنا هذا وتثير تساؤلات عديدة: هل كان ارتكاب خطيئة الجنس الكبرى على الدوام هي تذكرة ذهاب بدون عودة للخدمة الكهنوتية في مكان غير موجود؟ أو هل قامت الكنيسة الحديثة بإغلاق الباب بإحكام شديد فيما يتعلق بالجنس؟

ما هي العفة المقدسة؟

تقول المؤرخة الكنسية إنه «في الخلفية لا يوجد رادع في حد ذاته يمنع ذلك، لكن كونك كاهنًا مرسومًا ليس بالأمر السهل. إذ يجب أن تتخلى عن زوجتك وذريتك وإشباعك الجنسي من أجل علاقة مع الله وحده، لذلك فمن المتوقع منك أن تقدم أكبر تضحية بالنفس في اتباع المثال (المزعوم) للمسيح بالعفة. والأساس المنطقي عملي بقدر ما هو رمزي: بدون تشتت، ستكون قادرًا على تقديم أعظم أداء يمكن تقديمه – أي تكرس نفسك تمامًا للمجتمع المسيحي بأكمله، وهو أرفع رسالة – وهي ليس مهمة بسيطة. غير أن عروسك المزعجة الوحيدة هي المسيح» بحسب تعبيرها.

متى طُلب من الكهنة للمرة الأولى الامتناع عن ممارسة الجنس؟

تجيب الكاتبة: أولًا هل القضية تتعلق بالكتاب المقدس؟ بالنسبة للبعض توجد سابقة لذلك في العهد الجديد. غير أن يسوع لم يربط حقيقة بين الخدمة الكهنوتية والعزوبة، بدعوة أتباعه لمرافقته في كونه «خصيًا» (بالمعنى المجازي، بالطبع) من أجل مملكة السماء، كانت الحياة بدون زواج صالحة – ولكن تطوعًا، وليس إلزامًا.

كذلك اعتقد بول، الحواري الأكثر نفوذًا في الحركة المسيحية المبكرة، أن الزواج يجب أن يكون تنازلًا، على الرغم من أنه أوصى «بالبقاء عزبًا كما أفعل». لكنه اقترح، «إذا لم يكن (المرء) قادرًا على ممارسة ضبط النفس فعليه بالزواج». وكان بطرس، أول بابا للفاتيكان في الكنيسة الكاثوليكية، متزوجًا، لكنه تباهى أنه بعد ذلك «ترك كل شيء وتبع» المسيح. الادعاءات بأن عفة رجال الدين – امتناع الرجال المتزوجين السابقين – تعود في أصولها إلى الحواريين، هي ببساطة وعلى هذا النحو وهمية.

Embed from Getty Images

في الواقع لم يكن هناك أمر مكتوب يطلب من القساوسة العفة كما يبدو حتى أوائل القرن الرابع، عندما أصر مجلس الفيرا على أن «الأساقفة والقساوسة.. والشمامسة وجميع رجال الدين الآخرين» يجب أن «يمتنعوا تمامًا عن زوجاتهم.. ولا يكون لديهم أطفال». 

لم يكن الرجال المتزوجون الذين رُسموا قساوسة يمثلون مشكلة، لكنهم أُجبروا على توديع زوجاتهم مسبقًا لدعم التمسك بالامتناع عن الجنس وتقديمه على العزوبة. وبعد عقدين من الزمان طالب الأساقفة في مجلس نيقية للإمبراطور قسطنطين بالمثل بممارسة العزوبة المستمرة لمعالجة الانشقاق (على الرغم من أن هذا الأمر رُفض) حيث نبع الطلب من المفهوم السائد للجنس وأثره على القس المضحي. 

الانشقاق الكبير

بعد ستة قرون في طور التكوين عاد الجدل للظهور في النصف الثاني من القرن الحادي عشر، ولكن لا يزال مثيرًا للاختلاف ولم تجمع الآراء على رأي واحد. هذه المرة غرقت حياة الكهنة الخاصة في مسألة صغيرة تعرف الآن باسم الانشقاق الكبير: عندما برز الفصل النهائي بين الكنيسة المسيحية الشرقية ومقرها القسطنطينية، وكنيسة روما الغربية في عام 1054، وهو الزواج الكهنوتي (والذي أقرته الكنيسة الشرقية)، في قائمة الدعاوى الكنسية المثيرة للخلاف.

وللتخلص من الانشقاق والاعتقاد بأن رجال الدين المتزوجين من الكنيسة الأرثوذكسية بعيدون عن التقاليد، أصدر «البابا جريجوري السابع» مرسومًا يحثهم على الهروب من براثن زوجاتهم أو فقدان وظائفهم. غير أن الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية اعترضت على هذا الوضع. مرة أخرى كان الامتناع عن ممارسة الجنس بعد الرسامة هي القضية المثيرة للخلاف، حيث إن كون الكاهن عازبًا هو أمر لم يفرض أبدًا رسميا من قبل الكنيسة الكاثوليكية.

فساد الكنيسة والنظرة إلى النساء

عندما برزت وقائع البابوية الفاسدة في القرنين العاشر والحادي عشر جاء الصراع مع الإصلاح – وألقي بالعزوبة في منطقة رمادية. دان مجلس لاتران الأول (1123) الكهنة والشمامسة ومساعديهم الذين يعيشون مع زوجات أو ربما بصورة غير مفاجئة محظيات. وفي المجلس الثاني بعد مرور 16 عامًا أعيد التأكيد على قانون العفة الكهنوتية، وليس العزوبة، حيث أصبح الزواج بعد الترسيم باطلًا. إن محاولة «هنري الأول» الاستعلائية لضمان قيام رجال الدين الإنجليز بالامتثال للقاعدة الجديدة بفرض ضرائب على الجناة (بالرغم من أن الكثير من القساوسة المتزوجين كانوا يعملون لديه) جاءت بنتائج عكسية عندما ظهر أن عددًا قليلًا جدًا منهم يستحق أجره.

بالنسبة لرجال الدين في العصور الوسطى في فترة الإصلاح الديني مع تزايد الصراع بين جسم الذكر العازب والجنس، أصبحت النساء الآن على خط النار. ينظر إليها على أنها «شيطان جنسي (succubi)» وقد يتأثر القساوسة بهؤلاء «الفاتنات الجنسيات» المتربصات لسرقة نقائهم، «والمال والممتلكات… (و) أيضًا… السمعة الطيبة والشرف»، كما ورد في مواعظ رئيس الشمامسة جيرالد الويلزي. 

Embed from Getty Images

البعد عن الزواج والوقوع في الخطيئة

بحلول القرن الثالث عشر كان الرجال المتزوجون الذين جرى ترسيمهم قساوسة مشهدًا نادرًا.. لماذا؟. كل ذلك كان بسبب خطيئة أخرى خطيرة وهي الزنا. لكن ليس للسبب الذي قد تتوقعه. جعل اللاهوتيون مثل هيو أوف سانت فيكتور الزواج سرًا مقدسًا، لذلك كان من غير المرغوب فيه أن يترك الرجل زوجته لكي يتم ترسيمه كقس. والآن بدلًا عن أنثى أخرى، كان الغش مع الله – وحتى ذلك تسبب في انتشار الشائعات.  

وعندما جاء عصر الإصلاح، لم تكن القضية قد استقرت بعد. وأحد العوامل الهامة في انشقاق البروتستانتية عن الكاثوليكية هو أنها هاجمت مرارًا وتكرارًا شرط العزوبة الكهنوتية، بحجة أنها تشجع على المثلية الجنسية، والزنا غير المشروع، والاستمناء – وهي أخطر جريمة يمكن أن يمارسها أعزب يمارس المهام الدينية، كما أعلن مارتن لوثر. لكن بعد قرون من التردد رد مجلس ترينت على محاولات الإصلاح، وأخيرًا أصدر مرسوم العزوبة في عام 1563.

احتدم النقاش بين الطوائف المسيحية منذ ذلك الحين. واليوم تتبنى الكنيسة الكاثوليكية قرار المجلس: العزوبة ترمز إلى الالتزام تجاه الله والواجب، ولكنها مجرد انضباط، وليست عقيدة – لذلك فإن «هبة الله الخاصة» لا تزال متاحة.

وتختتم الكاتبة المقال بقولها: «إننا نسير في طريق ربما ما زال طويلًا: وبالتالي فبعد تحذير البابا بنديكت هل يجب أن نتوقع حدوث تغيير وشيك؟ هذا مشكوك فيه. لكن ديناميكية الدين تضمن استجابة للممارسات والمعتقدات المتغيرة. بعد كل شيء، فإن معتقدات البابا بنديكت بعيدة كل البعد عن كلمات البابا بولس السادس الشائنة: «أفضل أن أتخلى عن حياتي على أن أغير قانون العزوبة». غير أن هذا يعني أن البابا يمكنه أن يغير رأيه بنفس الصورة التي يغير بها ثوبه الكهنوتي، لذلك فنحن ربما نواجه مشاكل كثيرة في المستقبل». 

تاريخ وفلسفة

منذ سنة واحدة
مترجم: هذا ما حدث عندما انتشرت أول ترجمة للقرآن في أوروبا

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد