كتب الصحفي البريطاني أندرو براون مقالًا في مجلة فورين بوليسي الأمريكية خلُص فيه إلى أن بريطانيا تتحوَّل الآن إلى أسوأ نسخةٍ من أمريكا، على كافة الأصعدة.

وبعدما اعتاد البريطانيون أن يتعالوا على نظرائهم الأمريكيين، أظهرت أزمة فيروس كورونا المستجد أنهم بدأوا في تقليد العادات الأمريكية الأكثر تدميرًا.

هل يحذو المحافظون البريطانيون حذو الجمهوريين الأمريكيين؟ 

يجيب الكاتب عن هذا السؤال مستشهدًا بـ«خطابين غريبين واستقالة وتقرير مركز أبحاث، صدرت كلها الأسبوع الماضي، وأشارت إلى أن حكومة بوريس جونسون تأمل في الهروب من عواقب خروج بريطانيا الفاشل من الاتحاد الأوروبي (بريكست) والاستجابة الكارثية لوباء كوفيد – 19 من خلال التحوُّل إلى النموذج السياسي الفريد الذي تتبناه الولايات المتحدة.

وهذا منطقي، بحسب الكاتب؛ بالنظر إلى أن انتصارات جونسون في استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والانتخابات العامة التي أجريت العام الماضي، اعتمدت على ناخبي حزب العمال الساخطين الذين وضعوا القيم الثقافية على رأس قائمة أولوياتهم، قبل التهديدات المترتبة على الكارثة الاقتصادية.

لكن هل كان هؤلاء الناخبون هم المُكَوِّن الوحيد في ائتلاف جونسون، أو حتى أكبر مكوناته؟ لا، ليسوا كذلك، لكنهم كانوا المُكَوِّن الجديد الحيوي للأغلبية التي قلبت السياسة البريطانية رأسًا على عقب، على حد وصف براون.

بوريس جونسون

توجهات الناخبين والنشطاء الحزبيين وأعضاء البرلمان 

التقرير الذي أشار إليه الكاتب في بداية المقال، من إصدار مركز «المملكة المتحدة في أوروبا المتغيرة»، أجرى فحصًا لتوجهات هؤلاء الناخبين، وقارنها مع توجهات نشطاء الحزب وأعضاء البرلمان.

يقول الكاتب: كانت النتائج مذهلة جدًا. فبدلًا من أن يتحالف الناخبون والنواب في حزبَيْ العمال والمحافظين، بصيغة أو بأخرى – مع وقوف النشطاء في كلا الحزبَيْن بعيدًا عن الوسط – تبين أن النواب المحافظين يقفون على مسافة بعيدة إلى يمين النشطاء في كلا الحزبَيْن، بينما لا يزالون هم الشريحة الأكبر من ناخبيهم عندما يتعلق الأمر بالمسائل الاقتصادية.

أما فيما يتعلق بالمسائل الاجتماعية أو التحررية، فإنهم يتواجدون إلى يسار ناخبيهم ونشطائهم. وقد يقفون حتى، إلى حد ما، على يسار الرأي العام السائد؛ ففيما يتعلق بعقوبة الإعدام، التي لا يزال نصف السكان يؤيدونها، بينما يميل النواب المحافظين أكثر إلى إلغائها.

 

على النقيض من ذلك، يميل حزب العمال قليلًا إلى يسار الرأي العام في المسائل الاقتصادية، ومن الواضح أنه يقف إلى اليسار في القضايا الثقافية.

لكن عندما تعمَّقت الدراسة أكثر في تحليل مواقف الناخبين الذين كانوا يصوتون سابقًا لحزب العمال السابقين، وصوَّتوا في استفتاء بريكست لصالح انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ثم لصالح حزب المحافظين في الانتخابات العامة اللاحقة، وجدت أنهم كانوا يتخذون موقفًا موحدًا لدعم الجانب اليميني، أو المستبد، حتى أكثر من الناخبين المحافظين الآخرين.

وهذا يعني في العرف الأمريكي – كما يقول الكاتب – أنهم هم الناخبون الذين يصوتون باستمرار ضد مصالحهم الاقتصادية، لأن هذا ما تمليه عليهم قيمهم الثقافية.

مجرد ورقة انتخابية

يتابع المقال: إذا كان من المفترض أن يتصرف أي شخص على هذا النحو في السياسة البريطانية التقليدية، فهم أبناء الطبقة المتوسطة الذين يتسمون بالإيثاريّة؛ لأنهم هم الذين يصوتون لصالح زيادة الضرائب إيمانًا منهم بضرورة قيام مجتمع أكثر عدالة. كما توجد الآن شريحة من الطبقة العاملة تصوت لصالح التخفيضات الضريبية؛ لأنهم يريدون إقامة مجتمعٍ يتمتع بمزيد من القانون والنظام.

يعلق الكاتب على ذلك قائلًا: يبدو أن هذه الظاهرة الأمريكية هي آخر أمل يعوِّل عليه حزب المحافظين الآن، بعد أن أصبح لدى حزب العمال زعيمًا كفؤًا يمتلك مقومات إعادة انتخابه.

«كان الحزب يأمل بلا جدوى أن يخوض الانتخابات المقبلة انطلاقًا من أرضية الهوية بدلًا من الاقتصاد، بالنظر إلى أن الاقتصاد البريطاني من المرجح أن يظل في حالة يُرثى لها حتى عام 2024»، كما قال أحد أعضاء البرلمان المحافظين لـ هيلين لويس من مجلة ذي أتلانتك.

ويرى النائب البريطاني أن الحملة ضد اليسار – الذي يوصم بالحماقة في حين أنه يتبنى فعليًا توجهًا اجتماعيًا ليبراليًا إلى حد ما مقارنةً بالناخب العادي – ستكون مجرد ورقة انتخابية.

بوريس جونسون

ولكن ماذا يخططون لفعله بالقوة التي يمتلكونها؟

إحدى الإجابات عن هذا السؤال تجسدت في استقالة السير مارك سيدويل، رئيس الخدمة المدنية ومستشار الأمن القومي البريطاني، التي يراها الكاتب خطوة واضحة نحو تسييس أكبر للخدمة المدنية، وجعلها أكثر تجاوبًا مع رغبات مستشار جونسون غير المنتخب، دومينيك كامينجز، الذي يخوض صراعًا في ساحة الخدمة المدنية منذ أن كان مستشارًا لوزير التعليم السابق، مايكل جوف.

ينتقل المقال للحديث عن المحاضرة «الرائعة» التي ألقاها جوف في ديتشلي نهاية الأسبوع الماضي (والتي يشير التحليل النصي إلى أن كامينجز هو الذي كتب نصها) وتضمنت الكثير من الإشادة بالرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت، مثلما كان خطاب جونسون الأكثر هشاشة يوم الثلاثاء.

ويلفت الكاتب إلى أن خطاب جوف تضمن تركيزًا استئنائيًا على نسخة أسطورية إلى حد ما من الولايات المتحدة، وفي المقابل تطرق إلى ذكر «أوروبا» مرتين فقط: مرة باعتبارها مكانًا تفككت فيه أحزاب اليسار القديم، ومرة ​باعتبارها بلدُا معاديًا لللاجئين.

يستهجن المقال المنشور في مجلة فورين بوليسي الأمريكية أن يصدر هذا الخطاب الجريء حد الوقاحة من العقل المدبر لحملة تأييد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي استنادًا إلى كراهية الأجانب، واصفًا إياه بأنه خطاب مثير لدرجة تخطف الأنفاس.

لكنه في الوقت ذاته لم يتطرق في خطابه على الإطلاق إلى كلمة «بريكست». وبالطبع، لم يفعل «ترامب» ذلك. وكما يقول رئيس أمريكي غائب آخر، هو ليندون جونسون: إذا كانت حماتك تمتلك عينًا واحدة فقط، وكانت تلك العين في وسط جبهتها، فهل ستبقيها في غرفة المعيشة؟

حتى عندما قام جوف (أو كامينجز، باعتباره كاتب نص الخطاب) بتشخيص أمراض العالم، كان اختياره للكلمات يشير إلى أنه كانت يتحدث بالفعل من الجانب الآخر من المحيط الأطلسي:

«كما حلل المؤلف البريطاني ديفيد جودهارت في كتابه «الطريق إلى مكان ما»، فإن الفجوة بين مَن يمتلكون علاقات ومؤهلات ويمكنهم العيش والعمل في أي مكان، وبين أولئك الذين يمتلكون موارد أقل وتظل جذورهم راسخة في قلب الوطن (لا يستطيعون العيش والعمل في مكان آخر)، هذه الفجوة اتسعت خلال السنوات الأخيرة».

يستدعي الكاتب الجهود السابقة التي بذلها كريستوفر لاش، والكتابات اللاحقة لـ بول كوليير وجاي دي فانس من بين آخرين، فإشارة إلى أنهم جميعًا يشددون على أن أبناء النخبة الذين يمتلكون مهارات معرفية ومؤهلات ويستطيعون العمل في أي مكان، يرجح أنهم يتمتعون، أو يطورون، قيمًا اجتماعية وسياسية مختلفة عن المواطنين الآخرين.

منذ متى كانت أمريكا مصدر إلهام للبريطانيين؟

يلفت المقال إلى أن الخطاب رفع الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت إلى مكانة القائد الأسطوريّ، كما لو كان موسى الذي يضرب لنا أروع نموذج لقيادة الأمة بالخروج إلى البرية، ولكنه – أي هذا التمجيد للرئيس الأمريكي – انفصال حقيقي عن التقاليد البريطانية، تمامًا مثل محاولة تطويع الخدمة المدنية لتتماشى مع رغبات المستشارين السياسيين غير المنتخبين مثل كامينجز.

عندما كان روزفلت على قيد الحياة، وعلى الأقل حتى عهد مارجريت تاتشر، لم يكن سائدًا بين السياسيين البريطانيين أن يتعلموا من أمريكا، ولكن أن يعلموا الأمريكيين. صحيح أنها لم تكن فكرة جيدة جدًا، لكنها كانت درعًا واقيًا هامًا ضد حقيقة خفوت جذوة القوة البريطانية.

حدث ذلك أول مرة في عهد توني بلير؛ حين بدأ اليسار البريطاني ييمم وجهه شطر الولايات المتحدة باعتبارها مصدر إلهام. وبالنسبة لليمين، فكانت القلوب لا تزال معلقة بـ ونستون تشرشل، الذي ينظر إليه معظم البريطانيين الآن كما لو كان شخصية أسطورية تقريبًا، تمامًا مثل موسى.

وحتى وقت قريب جدًا كان تشرشل لا يزال بالتأكيد هو زعيم زمن الحرب الذي أراد جونسون أن يرتبط إرثه به. ولكن تحت ضغط الحكومة الحقيقية والمعارضة الحقيقية، أصبح تقليد جونسون لـ تشرشل مستحيلًا.

بوريس جونسون بريطانيا

الأفكار ليست مهمة.. إلا إذا كانت جسرًا يؤدي إلى السلطة

هذا الأمر لا يتعلق بمجرد تسليح الحروب الثقافية، أو حتى إثارة الجماهير ضد النخبة، ولكنه يتركز حول الموقف من السلطة والتقاليد. ورغم عدم وجود شيء مشترك بين دونالد ترامب وفرانكلين روزفلت، كان من المفهوم أن كليهما تعامل بازدراء مع القواعد الموروثة – المكتوبة وغير المكتوبة – التي تضع حدودًا لسلطة الرئاسة.

وبالطريقة نفسها، استخدمت حركة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست)، التي كان كامينجز يلعب دورًا مركزيًا فيها، أولا التصويت على الاستفتاء لتطويع البرلمان بما يتماشى مع إرادتها، وهي الآن تستخدم الفوز في الانتخابات العامة في محاولة لسحق استقلالية الخدمة المدنية.

يختم الكاتب بالقول: بالطبع، لا يوجد اتساق في أن يحذو حزب المحافظين البريطاني حذو الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت، ويسلك على إثره كل الدروب التي شوهت الرأي العام المحافظ في ذلك الوقت. لكن المحافظين لا يهتمون بالأفكار، ولم يكونوا أبدًا مهتمين بها. وهذا لا يعني أنهم أغبياء، لكنهم يؤمنون بأن الأفكار لا تستحق الاهتمام إلا حينما تكون جسرًا يعبرون فوقه إلى السلطة.

دولي

منذ شهر
مترجم: هل تتذكر «بريكست»؟ خروج بريطانيا لم يتم بعد.. تعرف على آخر التطورات

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد