نشرت مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية تقريرًا أعدَّه جيمي ماكسويل، صحافي يغطي الشؤون السياسية، استعرض فيه كتابًا بعنوان «السقوط» للكاتب فيل بيرتون كارتليدج، يدل على أن قبضة حكومة بوريس جونسون على السلطة تتراخى، موضحًا كيف بدأت هيمنة المحافظين البريطانيين على السلطة في التلاشي.

ماذا فعل «البريكست» في سمعة المحافظين؟

يستهل الكاتب تقريره بالقول إن دوائر السياسة أجمعت على أن حزب المحافظين سيعاني كثيرًا حتى يحقق الفوز بأغلبية في مجلس العموم البريطاني. وكان حزب المحافظين قد خسر ثلاث انتخابات عامة متتالية أمام حزب العمال في المدة بين عامي 1997 و2005، ولم يعُد المحافظون إلى السلطة إلا في عام 2010 في حكومة أقلية ائتلافية مع الديمقراطيين الليبراليين. وكان جُلُّ المحافظين البريطانيين من كبار السن، وكان معظم ناخبيهم من كبار السن، والبيض، والريفيين.

وفي عام 2021 وحتى وقت قريب تقدم حزب المحافظين بوضوح على حزب العمال في استطلاعات الرأي. والأهم أن البريكست (خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي) ظل لسنوات خط الصدع الأيديولوجي الرئيس بين صفوف اليمين البريطاني. وباستثناء حدوث تحول مفاجئ في الرأي العام البريطاني، فقد انتهى عهد هيمنة حزب المحافظين على مجلس العموم البريطاني.

دولي

منذ شهرين
«فورين بوليسي»: ما السبب وراء أزمة الوقود في بريطانيا؟

ولذلك يبدو هذا وكأنها لحظة مشؤومة لنشر كتاب يدل على أن قبضة اليمين على السلطة في بريطانيا بدأت تتراخى. وهذا ما تناوله فيل بيرتون كارتليدج، عالم الاجتماع الإنجليزي، في كتاب «السقوط»، مع استنباط نتائج متباينة.

ويقدم كارتليدج ادعائين أساسيين، أولهما: أن الاتجاهات الديموجرافية تبدو معادية لهيمنة حزب المحافظين، وأن نجاح المحافظين في الانتخابات يعتمد على المعدلات المتزايدة لمِلكية الأصول، ويميل البريطانيون الأكبر سنًا الذين اشتروا عقارات في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي إلى اليمين، لكنهم يتلاشون قريبًا. ومن ناحية أخرى لا يمكن لنظرائهم من «جيل الألفية»، و«جيل زد» أن يصعدوا إلى سلم ملكية العقارات، ولذلك لن يصوتوا لحزب المحافظين في أي وقت (أو في المستقبل).

ويشير التقرير إلى أن الادعاء الثاني الذي قدَّمه كارتليدج هو أن البريكست حطَّم سمعة حزب المحافظين في الإدارة الاقتصادية. وكان حزب المحافظين هو الخيار المفضَّل للطبقة الحاكمة البريطانية، إذ كان مسؤولًا عن إدارة الدولة البريطانية لصالح القطاع الخاص. لكن معظم الشركات في بريطانيا عارضت مغادرة السوق الأوروبية الموحَّدة، وتسبب اتفاق التجارة الذي تفاوض عليه جونسون مع الاتحاد الأوروبي العام الماضي في إلحاق الضرر بالنمو الاقتصادي في بريطانيا.

التآكل الديموجرافي لدعم المحافظين غير مؤكد!

يُسلط كارتليدج الضوء على بعض النقاط المفيدة، خاصة فيما يتعلق بالتكوين الاجتماعي لقاعدة حزب المحافظين، وكان محقًا في قوله إن السياسة البريطانية تتشكل على نحو متزايد من خلال ديناميكيات الأجيال.

Embed from Getty Images

وفي الانتخابات العامة البريطانية الأخيرة في عام 2019، صوَّت 57% من البريطانيين الأقل من 25 عامًا لصالح حزب العمال اليساري بزعامة جيريمي كوربين. بينما أيَّدت نسبة أعلى بقليل من الناخبين الذين تزيد عن أعمارهم عن 65 عامًا حزب المحافظين بزعامة جونسون. ويرسم هذا النمط انقسامات ثقافية وطبقية أعمق.

وألمح التقرير إلى أن الناخبين الشباب يتركزون في المناطق الحضرية، مثل لندن ومانشستر وجلاسكو وليفربول، حيث تنخفض ضغوط قطاع الإيجارات الخاصة والوظائف المنخفضة الأجر بشدة. وعلى النقيض، يتمركز الناخبون الأكبر سنًا في الضواحي. وبحسب مكتب الإحصاءات الوطنية ببريطانيا، يمتلك حوالي ثلاثة أرباع مواليد بريطانيا منازلهم. بينما تقل نسبة امتلاك جيل الألفية للمنازل عن 40%.

وكان البريطانيون الأكبر سنًّا قد دعموا البريكست بأعداد أكبر من البريطانيين الأصغر سنًا، ويتفقون مع اليمين في طريقة التعامل مع قضايا مثل الهجرة والمواطنة والاندماج. أما البريطانيون الأصغر سنًا فهم أكثر انفتاحًا على الثقافات الأخرى.

يفند التقرير ما يعتقده كارتليدج من حتمية التآكل الديموجرافي لدعم المحافظين، موضحًا أنه في غير محله، وذلك لأنه يصعب تكوين صلة بين انعدام الأمن الاقتصادي والزيادة المستمرة في الراديكالية اليسارية. وبدأ اليمين المتطرف في أوروبا في الاستفادة من استياء الشباب من الوضع الراهن، فأصبحت مارين لوبان في فرنسا المرشح المفضل للناخبين الذين تتراوح أعمارهم بين 25 و34 عامًا.

بينما حظي حزب «البديل من أجل ألمانيا» المناهض للهجرة بدعم كبير من الناخبين الذين تقل أعمارهم عن 30 عامًا في الانتخابات الأخيرة. وفي يوليو (تموز)، كتب جيمس ميدواي، المستشار السابق لحزب العمال، قائلًا: «نحن بحاجة لمزيد من التعمق في مواقف جيل اليسار وأفكاره، إذ بدأنا نلاحظ مدى هشاشة حماسه للاشتراكية».

التركيبة الدستورية البريطانية

يلفت التقرير إلى أن الجزء الثاني من تحليل كارتليدج كان أكثر تعقيدًا. ويرسم كتاب «السقوط» تاريخ حزب المحافظين من الصعود في عهد مارجريت تاتشر في أواخر السبعينات إلى صعود جونسون بعد البريكست. ويؤكد كارتليدج على ضرورة تصنيف حزب المحافظين ضمن أنجح المنظمات السياسية في العالم. إذ كان 14 من أصل 23 رئيس حكومة بريطانية منذ عام 1900 من المحافظين، وحكمت حكومات المحافظين وستمنستر (مقر مكتب رئيس الوزراء) لمدة 46 عامًا من أصل 76 عامًا في حقبة ما بعد الحرب. وهذا يعني أن المحافظين يُعدُّون سمة راسخة في التركيبة الدستورية البريطانية، بوصفها دائمة وثابتة مثل قصر وستمنستر نفسه.

Embed from Getty Images

ويرى كارتليدج أن هيمنة اليمين البريطاني على الانتخابات تعكس قدرته على التأقلم. وتقبَّل قادة حزب المحافظين على مضض الإصلاحات الديمقراطية الاجتماعية التي نفَّذها حزب العمال بين عامي 1945 و1951. وفي الثمانينات تبنَّت تاتشر مشروع حكم أكثر عدائية يهدف إلى هزيمة اليسار وإعادة الأولويات الرأسمالية إلى قلب الخدمة المدنية البريطانية والحكومة. وكان تولي كاميرون منصب زعيم الحزب في عام 2005، بعد صعود حزب العمال الجديد، مؤشرًا على التحول بعيدًا عن القيم الاجتماعية المتشددة لعصر تاتشر وظهور نوع أكثر مرونة من «حزب المحافظين الليبرالي».

ويتابع التقرير أن قيادة جونسون لحزب المحافظين تُمثل تحولًا آخر، لأنها تمزج بين بعض الموضوعات الأساسية لأيديولوجية تاتشر العدائية مع تبني نهج براجماتي لسلطة الدولة. ويشير استعداد رئيس الحكومة البريطانية لتخصيص مبالغ كبيرة من المال لإستراتيجية «رفع المستوى» إلى استغنائه عن المبادئ الأساسية لسياسة عدم التدخل، أو على أنه منفتح على توسيع نطاق القطاع العام في بريطانيا بطريقة لم يتبنَّها أسلافه الجدد، مثل تيريزا ماي.

وينقل التقرير عن كارتليدج أن التطورات الناجمة عن البريكست، التي يعتمد نجاح جونسون عليها، تطرح عددًا من التحديات التي قد يكون جونسون قادرًا على مواجهتها وقد لا يستطيع. وهل يؤدي تأجيج حرب ثقافية بين الأجيال إلى إخفاء عدم وجود برنامج اقتصادي متماسك لحزب المحافظين؟ وهل سيؤدي نقص الغذاء والعمال المرتبط بأزمة البريكست في نهاية المطاف إلى رد فعل انتخابي عنيف ضد المحافظين في وسط إنجلترا، أو دفع المصالح التجارية البريطانية إلى أحضان حزب العمال، تحت قيادة كير ستارمر المتعثرة؟

لا يبالون بمستقبل بريطانيا المتعددة الجنسيات

ينوِّه التقرير إلى ما أبرزه كارتليدج أنه إذا كانت هيمنة جونسون على حزب المحافظين قوَّضت «نزعة الحزب التاريخية للفوز بالانتخابات وتشكيل الحكومات، أو العمل «بوصفه ماكينة لا غنى عنها لترتيب أنماط الهيمنة والخضوع عبر المجتمع البريطاني وتكراره»، فإن الضرر لم يزل مختفيًا عن الأنظار في الوقت الراهن. لكن كارتليدج تجاهل، من خلال تركيزه على الاتجاهات الطبقية والأجيال القادمة، الانقسام الأكثر وضوحًا الذي يظهر تحت أقدام رئيس الوزراء. وأكد البريكست أن المحافظين بالأساس عبارة عن حزب من القومية الإنجليزية، يرتكز على المطالب والتوقعات لدى الناخبين الإنجليز غير المبالين بمستقبل بريطانيا بوصفها دولة متعددة الجنسيات.

Embed from Getty Images

وصحيحٌ أن الانتصارات التي تحققت في استفتاء البريكست في عام 2016 والانتخابات العامة في عام 2019 أظهرت جونسون مناضلًا سياسيًّا بارعًا وفعَّالًا. لكنه غير مؤهل لقيادة الحكومة، لا سيما بعد تعامله الكارثي مع أزمة كوفيد-19، إذ لم تفقد أي دولة في أوروبا مواطنين بسبب فيروس كورونا المستجد أكثر من بريطانيا، وحتى الآن على الرغم من النجاح النسبي لبرنامج التطعيم البريطاني، فإن معدلات الإصابة في بريطانيا أعلى من أي دولة أوروبية أخرى.

وفي 7 سبتمبر (أيلول) أعلن رئيس الوزراء عن خطط لتعزيز نظام الرعاية الاجتماعية بعد الجائحة من خلال زيادة شاملة في مدفوعات التأمين الوطني. وبعد يومين، أظهر استطلاع رأي جديد للنوايا المتعلقة بالتصويت في وستمنستر أن حزب العمال يتقدم على المحافظين للمرة الأولى منذ 10 أشهر.

وفي ختام تقريره يستدرك الكاتب موضحًا أن هناك احتمالًا ضئيلًا بأن يؤدي حدوث أي تراجع مؤقت في دعم المحافظين إلى التدهور المستمر لحظوظ الحزب. وإذا ترك جونسون السلطة، فقد يحل محله شخص أكثر كفاءة من المحافظين. وفي نهاية كتاب «السقوط»، فقد كارتليدج حتى الثقة في فرضيته، وخلُص إلى أنه «لم يراهن أحد على حزب المحافظين لكي يصبح ثريًّا». وربما كان ينبغي على كارتليدج طرح سؤال: «إلى متى ستبقى بريطانيا تحت حكم حزب المحافظين؟ بدلًا عن السؤال: «إلى متى سيحكم المحافظون بريطانيا»؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد