قال البريطاني ديفيد ميفام، مدير منظمة «هيومن رايتس ووتش»، في مقال نشر على موقع المنظمة، إن بوريس جونسون – وزير الخارجية البريطاني – قد ذكر في مقدمة تقريره السنوي عن حقوق الإنسان والديمقراطية الصادر عن مكتب التحقيقات الاتحادي هذا العام، إن «تعزيز القيم التي تعتز بها بريطانيا ليس خيارًا إضافيًا، وإنما ركيزة هامة لدبلوماسيتنا؛ فهذا تقليد متبع منذ قرون وهو جزء من هويتنا».
لكن ميفام يقول إن ما خطته يد جونسون مجرد حبر على ورق، فكثيرًا ما تجاهلت المملكة المتحدة هذه القيم في علاقاتها مع البلدان في جميع أنحاء العالم. وقد تجلى ذلك بوضوح مزعج هذا الشهر في حالة مصر.

يقود الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي – منذ أن أطاح بمحمد مرسي الرئيس المنتخب ديمقراطيًا عام 2013 – بلدًا يعاني من أزمة غير مسبوقة في مجال حقوق الإنسان هي الأسوأ منذ عقود، حسبما يرى ديفيد. ففي الأشهر التالية لاستيلائه على السلطة، قتلت قوات الأمن المصرية أعدادًا هائلة من المعارضين.

اقرأ أيضًا: «الجارديان»: 60 ألف سجين.. انتهاكات قوات الأمن المصرية تصل لجرائم ضد الإنسانية

وقد وثقت «هيومن رايتس ووتش» مقتل ما لا يقل عن 817 شخصًا، وربما أكثر من ألف متظاهر في ساحة رابعة العدوية بالقاهرة في يوم واحد – 14 أغسطس (آب) 2013 – وهذا العدد أكبر من عدد من قتلوا في ساحة تيانانمن الصينية في عام 1989، وهو ما قد يعد جريمة ضد الإنسانية. وبعد مرور أربع سنوات، لم يُقدم مسؤول حكومي واحد أو ضابط أمن للمحاكمة عن هذه الجريمة، وبات الحاكم الفعلي للبلاد في ذلك الوقت رئيسًا لها الآن.

وفي السنوات الأربع الأخيرة في عهد السيسي – يضيف ميفام – سُجن أكثر من 60 ألف شخص، وحظرت الاحتجاجات بشكل كامل، وصُنفت جماعة الإخوان المسلمين – أكبر جماعة معارضة في البلاد – منظمة إرهابية. كما أنزل القضاء المصري حكم الإعدام على المئات – بمن فيهم الرئيس السابق مرسي – وأُرسل آلاف المدنيين إلى المحاكم العسكرية. وفرضت الحكومة قيودًا صارمة على حرية التعبير مما أدى إلى إضعاف عمل المنظمات الدولية ومنظمات المجتمع المدني.
يشير ميفام في مقاله إلى التقرير الذي نشرته «هيومن رايتس ووتش» هذا الأسبوع، والذي يؤكد أن قوات الأمن المصرية مسؤولة عن التعذيب الواسع والمنهجي في مراكز الشرطة ومقرات الأمن الوطني. وأجرت المنظمة مقابلات مع العديد من المعتقلين السابقين، فأدلوا بشهادات تقشعر لها الأبدان.

قال المعتقلون السابقون إن جلسات التعذيب بدأت باستخدام الصواعق الكهربائية مع مشتبه بهم معصوبي الأعين ومجردين من ملابسهم ومقيدي الأيدي، مع تعرضهم للصفع واللكم، أو الضرب بالعصي والقضبان المعدنية. وإذا لم يبُح المشتبه فيه بالإجابات التي يريدونها، زاد المحققون من قوة ومدة الصدمات الكهربائية، وأحيانًا طال التعذيب الأعضاء التناسلية.

وفي شبه جزيرة سيناء الشمالية – ينوه التقرير – احتدم القتال بين القوات الحكومية المصرية وتنظيم الدولة الإسلامية المتطرف، مع حدوث انتهاكات واسعة النطاق لحقوق الإنسان من كلا الجانبين. وتشارك قوات الأمن المصرية في اختفاء مئات المدنيين، وعمليات الاعتقال التعسفي الجماعي، والتعذيب، والوفيات في الاحتجاز العسكري السري، وعمليات القتل خارج نطاق القانون.

وفي مواجهة هذه الأزمة التي لم يسبق لها مثيل، واستنادًا على تأكيد بوريس جونسون على أن «تعزيز حقوق الإنسان هو هدف أساسي للسياسة الخارجية لبريطانيا»، يتوقع المرء استجابة قوية سريعة من الحكومة البريطانية للأوضاع الخطيرة والمتفاقمة في مصر.

يؤكد ديفيد أن صحيفة الأهرام المصرية كانت قد نشرت قبل أسبوعين مقالاً لوزير شؤون الشرق الأوسط البريطاني، أليستير بيرت، كشف فيه بوضوح عن سياسة الحكومة البريطانية الفعلية تجاه مصر. دافع بيرت عن دعمه لجهود الحكومة المصرية في مكافحة الإرهاب، ولم يوجه أي انتقاد لها مهما كانت وحشية عملياتها في سيناء، على الرغم من أن الإرهاب وسبل التصدي له كان الموضوع الرئيسي لمقالته. ولم يعترف بأن نهج الحكومة المصرية – الذي وصفه بأنه «ضرب بيد من حديد» – يؤجج التطرف. فالأمر يبدو كما لو أن المملكة المتحدة لم تتعلم شيئًا من العقدين الماضيين من عمليات مكافحة الإرهاب.

تحاشى بيرت الإشارة إلى الانتهاكات المتعددة الأخرى لحقوق الإنسان التي تجتاح البلاد. ولم يأتِ على ذكر التعذيب أو أحكام الإعدام الجماعية أو الحملة الشرسة على حرية التعبير. بدلاً من ذلك – يواصل ديفيد كلامه – هاجم بيرت بشدة جماعة الإخوان المسلمين – وهي حركة سياسية إسلامية دولية – وربطها بالتطرف، على الرغم من أن مراجعة الحكومة البريطانية الخاصة بالجماعة لم تجد دليلاً واحدًا على وجود صلات لها بالإرهاب.

تعليقًا على ذلك، أشار المعلق المحافظ بيتر أوبورن إلى أن «تعليقات بيرت أطلقت يد السيسي لمواصلة قمعه الوحشي للإخوان»، بطريقة ستسعد نظام السيسي وغيره من المستبدين في المنطقة، بما في ذلك السعودية.

إن سياسة المملكة المتحدة تجاه مصر، كما حددها أليستير بيرت هذا الشهر، لا علاقة لها بالسياسة الخارجية التي تستند إلى القيم التي عبر عنها بوريس جونسون قبل ثلاثة أشهر – حسبما يرى ديفيد. وإذا كانت المملكة المتحدة جادة في مجال حقوق الإنسان، يجب أن توضح سياستها تجاه مصر ودول أخرى. ولا بد من التأكيد بوضوح على أن بريطانيا تتمسك بقيم أساسية معينة في العالم، وليس سياسة الأمر الواقع فقط التي تقلل من مكانة المملكة المتحدة العالمية، وستؤدي إلى مزيد من البؤس والمعاناة والقمع لشعب مصر.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

تعليقات الفيسبوك