قال كل من لارا سيلجمان وكيث جونسون في مقال لهما على موقع «فورين بوليسي»: إن بريطانيا تسعى إلى بناء تحالف أوروبي لحماية السفن الأوروبية التي تعبر مضيق هرمز، مع تصاعد التوترات بين إيران والولايات المتحدة في منطقة الخليج.

وأوضح الكاتبان أن هذا يأتي في إطار سعي المملكة المتحدة إلى إنقاذ الاتفاق النووي الهش مع إيران، والضغط على الأخيرة للإفراج عن الناقلة التي ترفع علم بريطانيا، والتي استولت عليها الأسبوع الماضي.

يُنظر إلى الاقتراح البريطاني على أنه توبيخ جزئي لإدارة ترامب، إذ أكد وزير الخارجية المنتهية ولايته جيريمي هانت أن التحالف البحري الأوروبي لن يشكل جزءًا من الحملة الأمريكية لفرض الضغط على إيران، بما في ذلك نشر سفن بحرية وقوات في المنطقة.

قال هانت أمام مجلس العموم يوم الاثنين الماضي: إن المهمة «لن تكون جزءًا من سياسة الضغط الأمريكية القصوى على إيران؛ لأننا سنظل ملتزمين بالحفاظ على الاتفاق النووي الإيراني».

يبدو أن الاقتراح لقي صدى كبيرًا داخل حكومة المملكة المتحدة وبين الحلفاء الأوروبيين – يشير الكاتبان. ولكن لم يتضح بعد ما إذا كان صعود رئيس الوزراء الجديد – بوريس جونسون – الذي يبدو متحمسًا للدفاع عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سيحبط هذا الجهد. فقد استقال كل من هانت ووزير الدفاع بيني موردون رسميًا يوم الأربعاء.

علّق جيم تاونسيند، وهو مسؤول كبير سابق في وزارة الدفاع الأمريكية، بالقول: «ربما كانت هذه هي قنبلة الوداع التي أطلقتها تيريزا ماي وهي تغادر مقر الحكومة». قالت الحكومة البريطانية الجديدة إنه في الوقت الحالي، سترافق سفن حربية تابعة للبحرية الملكية السفن التي ترفع علم بريطانيا عبر مضيق هرمز؛ حيث جرت أول مهمة من هذا القبيل ليلة الأربعاء.

تكامل لا تعارض

وأشار وزير الدفاع الأمريكي الجديد مارك إسبير إلى أن التحالفين البحريين – الذي تقوده بلاده والآخر الذي تعتزم بريطانيا تشكيله – يكملان بعضهما.

قال إسبير: «ينبغي أن تهتم معظم الدول التي تعبر مضيق بذلك وتقدم نوعًا من القوات لضمان حرية الملاحة مرة أخرى للمضيق وردع السلوك الاستفزازي الإيراني. وسواء فعلنا ذلك كمجموعة كبيرة واحدة أو كمجموعات فرعية، أعتقد أنه سيكون هناك تنسيق كبير».

حتى الآن – ينوه الكاتبان – لقي اقتراح بريطانيا استجابة حذرة من عدد من الدول الأوروبية. قالت فرنسا وإيطاليا والدنمارك إنها توافق على هذه الفكرة، بينما أجرت دول مثل ألمانيا وإسبانيا مناقشات مع المسؤولين البريطانيين. لكن ألمانيا استبعدت إرسال أي سفن بحرية ألمانية كجزء من المهمة. حصل المقترح البريطاني على ترحيب أكبر من خطة الولايات المتحدة التي أعلنت في يونيو (حزيران) عن قوة متعددة الجنسيات لتوفير الأمن البحري في مضيق هرمز، تحت اسم «عملية الحارس».

السفينة البريطانية التي احتجزتها طهران

ويبدو أن السياسة تلعب دورًا في تلك الحسابات – يكشف الكاتبان – فقد كافحت بريطانيا ودول أوروبية أخرى للحفاظ على الاتفاق النووي لعام 2015 مع إيران، وحاولت أن تنأى بنفسها عن خروج واشنطن من جانب واحد عن الصفقة، وزيادة الضغط على طهران، بما حظر تصدير النفط الإيراني وتصنيف الحرس الثوري الإيراني كمنظمة إرهابية.

في الشهر الماضي ألغى ترامب ضربات عسكرية قبل دقائق فقط من تنفيذها، بزعم أنها قد تقتل أكثر من 100 إيراني، وهي الخطط التي قيل إن بريطانيا لم تعرف عنها شيئًا.

وقالت بيكا فاسر، المحللة في مؤسسة راند: «إنها حقًا وجهة نظر منطقية تلك التي تحاول هذه الدول إبرازها. تتمسك المملكة المتحدة بالاتفاق النووي الإيراني، لكنها تعمل في نفس الوقت على ضمان أمن ناقلاتها».

مع سعي بريطانيا ودول أوروبية أخرى لتشكيل تحالف بحري يحفظ أمن الناقلات والسفن التجارية الأخرى التي تمر عبر المياه المعرضة للخطر، يبرز سؤالان مهمان: هل لدى بريطانيا وأوروبا السفن اللازمة للقيام بهذه المهمة، وهل لديهما الإرادة السياسية لإرسالها إلى شواطئ إيران، رغم تحذيرات الأخيرة الشديدة؟ يتساءل الكاتبان.

ليس من الواضح تمامًا ما نوع المهمة البحرية التي تفكر فيها بريطانيا، لكن خبراء البحرية قالوا إنها لن تشبه عمليات مرافقة القوافل في الحرب العالمية الثانية، أو حتى «حرب الناقلات» بين إيران والعراق في الثمانينيات، حيث رافقت السفن الحربية الغربية ناقلات تحمل أعلامًا أجنبية عبر منطقة حرب.

«السؤال هو: ماذا تريد بريطانيا أن تفعل هناك؟ ليس لديك الوسائل اللازمة لتكرار تجربة الثمانينات» قال جيريمي ستوس، خبير في القوات البحرية الأوروبية بمعهد السياسة الأمنية بجامعة كيل.

ضعف الإمكانيات

من المؤكد أن البحرية الملكية البريطانية ذات التاريخ العريق لا تملك اليوم ما يكفي من السفن للقيام بالمهمة بمفردها – ينوه الكاتبان – حيث تقلصت أسطولها من الفرقاطات والمدمرات إلى أقل من 20، ومعظمها يجري تجديده أو إخراجه من الخدمة. لم تتمكن الفرقاطة البريطانية الوحيدة في مضيق هرمز، وهي السفينة الملكية مونتروز، بمفردها من منع الاستيلاء على السفينة ستينا إمبيرو. وهذا يجعل المشاركة الأوروبية حيوية.

قال جيفري تيل، رئيس مركز كوربيت لدراسات السياسة البحرية في جامعة كينجز كوليدج في لندن: «المشكلة الحقيقية تكمن في توافر مرافقين. هذا هو الشيء الحاسم – قدرة بريطانيا على إشراك شركاء أوروبيين في هذه العملية».

ولكن أشار تاونسند إلى أن الأساطيل الأوربية الأصغر ضعيفة أيضًا. وقال: «لا أعرف ما إذا كان لديهم ما يكفي من السفن للقيام بمهمة حراسة مستدامة طويلة الأجل مثل هذه».

كانت بريطانيا قد احتجزت ناقلة نفط إيرانية عند مضيق جبل طارق

من الناحية التشغيلية – يضيف الكاتبان – إذا استطاعوا تجميع ما يكفي من السفن، فإن بريطانيا وغيرها من القوات البحرية الأوروبية يمكنها أن تتولى مهمة تعزيز الأمن البحري – لقد فعلوا ذلك لأكثر من عقد من الزمن في عمليات متعددة قبالة سواحل الصومال، حيث تمتلك كل من فرنسا وبريطانيا قواعد بحرية قريبة. تتمتع القوات البحرية الأوروبية بخبرة في المياه القريبة من بحر العرب، وهي معتادة على التعامل مع النزاعات العابرة مثل قراصنة الصيد وضمان تسليم المساعدات الإنسانية.

لكن مكافحة القراصنة شيء، وإرسال سفن أوروبية إلى المياه القريبة من إيران التي يمكن أن تراها طهران كجزء من جهد غربي لخنقها شيء مختلف تمامًا. المشكلة تكمن في أن هذا قد لا يكون تهديدًا متوسط المستوى. وقد لا تتمتع بعض الدول بهذه الرغبة في المخاطرة.

ويواجه شركاء بريطانيا المحتملون مشاكل سياسية أخرى كذلك – يستدرك الكاتبان – فمعظمهم لا يريدون أن ينظر إليهم على أنهم مشاركون في الحملة الأمريكية لممارسة أقصى قدر من الضغط على طهران. وعلى الرغم من تصريح هانت بأن التحالف الأوروبي سيكون منفصلًا، فإن إيران قد لا تقدر الفرق.

والأكثر من ذلك أنه في الوقت الذي تستعد فيه بريطانيا لمغادرة الاتحاد الأوروبي وتأمل في لعب دور أكبر وأكثر استقلالية على الساحة العالمية، يعد الاقتراح البحري جزءًا من جهود المملكة المتحدة لإعادة تقديم نفسها كحارس أمن في الخليج العربي.

قالت ميليسا دالتون، المحللة في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية: «كانت الولايات المتحدة تتطلع خلال السنوات القليلة الماضية إلى إعادة تقديم نفسها كشرطي للخليج. إذًا فهناك أزمة تحفزها، لكنها تحدث في سياق أوسع».

تحفظ أوروبي

مع توتر العلاقات بين أوروبا وبريطانيا بالفعل – يواصل الكاتبان حديثهما – فليس هناك الكثير من الشهية للانخراط في شيء يعتقد العديد من الأوروبيين أنه فوضى من صنع بريطانيا. احتجزت قوات المارينز البريطانية هذا الشهر ناقلة نفط إيرانية في جبل طارق، متهمة إياها بشحن النفط إلى سوريا في انتهاك لعقوبات الاتحاد الأوروبي. ثم ردت إيران باحتجاز ناقلة ترفع العلم البريطاني الأسبوع الماضي.

وقال ستوس: «الأمر برمته مشاحنة بين المملكة المتحدة وإيران». وأضاف أن الأوروبيين يسألون أنفسهم، «هل هناك خطر حقيقي على النقل البحري الدولي، أم أن الأمر مجرد استعراض للقوة بين المملكة المتحدة وإيران؟ وهل نحتاج إلى الالتزام بكل هذه القدرات بالمنطقة؟».

لا يقتصر التوتر في العلاقات بين بريطانيا وأوروبا فقط – يؤكد الكاتبان. فقد مرت العلاقة الخاصة مع واشنطن بمنعطف حرج في الأسابيع الأخيرة. بعد أن كشفت سلسلة من المذكرات المسربة أن السفير البريطاني لدى الولايات المتحدة كيم داروش وصف البيت الأبيض بأنه «غير كفء، وغير آمن»، ليرد ترامب بتغريدات غاضبة تسخر من ماي، وتصف داروش بأنه «أحمق، وشخص غبي للغاية»، معلنا أنه لن يعمل بعد الآن مع السفير البريطاني، الذي سرعان ما استقال.

تيريزا ماي وترامب

ثم يوم الاثنين، اقترح وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو أن تتولى المملكة المتحدة مسؤولية حماية سفنها في المضيق. على الرغم من أنه أوضح أن الولايات المتحدة تتحمل مسؤولية القيام بدورها، إلا أن البريطانيين قد يكونون ينظرون إلى تعليقاته على أنها نبذ، على حد قول الخبراء.

قال تاونسيند «بدا الأمر وكأنه يقول تكفلوا أموركم بأنفسكم. ومن ثم، توجهت المملكة المتحدة إلى أوروبا». ليست خطة بريطانيا لإنشاء تحالف بحري هي الوحيدة الغامضة – يشير الكاتبان – إذ تظل تفاصيل «عملية الحارس» غير واضحة، وقد ينتهي الأمر بها إلى أن تكون عملية أمريكية فقط.

تجنب إسبير تأكيد توفير حماية أمريكية لكل سفينة تمر عبر المضيق. اعتمادًا على الظروف، يمكن توفير الأمن الإضافي من خلال «قدرة عامة)، التي يُفترض أنها طائرة عسكرية أو سفينة حربية تعمل في المنطقة المجاورة. وقال إسبير: «لا أقصد بالضرورة أن كل سفينة ترفع علم الولايات المتحدة تمر عبر المضيق سنخصص لها مدمرة تحميها»، مضيفًا أنه سيسافر إلى مقر القيادة المركزية الأمريكية الأسبوع المقبل لتوضيح تفاصيل الخطة.

ولكن مثل بومبيو، بدا أنه يشير أيضًا إلى أن كل دولة يجب أن تكون مسؤولة عن سفنها الخاصة. قال إسبير: «البريطانيون يحاولون حماية سفنهم، وسنحمي سفننا إلى الحد المطلوب، وأفترض أن الدول الأخرى ستفعل المثل».

«نيويوركر»: ماذا تعرف عن استراتيجية إيران في مضيق هرمز ومياه الخليج؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
s