لم تبرح بريطانيا يومًا ما معسكر إسرائيل؛ بدءًا من الخطيئة الأصلية المتمثلة في وعد بلفور عام 1917 وصولًا إلى تبني الحكومة البريطانية مؤخرًا التعريف المثير للجدل الخاص بمعاداة السامية الذي أصدره التحالف الدولى لإحياء ذكرى الهولوكوست (IHRA)، حسب ما خلُص إليه مقال مطوَّل أعدَّه «آفي شلايم»، مؤرخ يهودي عراقي يحمل الجنسيتين البريطانية والإسرائيلية، وأستاذ علاقات دولية في جامعة أوكسفورد.

واستهل الكاتب مقاله الذي نشره موقع «ميدل إيست آي» البريطاني الإخباري بالإشارة إلى الخطوة التي اتخذتها حكومة المحافظين برئاسة رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي في ديسمبر (كانون الأول) 2016، عندما تبنَّت رسميًّا تعريف معاداة السامية الذي أصدره التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست، وقد كانت أول حكومة في العالم تفعل ذلك، وهي الخطوة التي تُمثِّل علامة بارزة إضافية في تاريخ امتد لـ100 عام من الدعم البريطاني للصهيونية والتجاهل القاسي لحقوق الفلسطينيين.

الخطيئة الأصليَّة 

وأوضح الكاتب أن «الخطيئة الأصليَّة» تمثَّلت في إعلان بلفور عام 1917، الذي وعَد بتقديم الدعم لإنشاء «وطن قومي لليهود» شريطة عدم «الإضرار بالحقوق المدنية والدينية للمجتمعات غير اليهودية الموجودة في فلسطين». وفي عام 1917، كان العرب يشكلون 90% من سكان فلسطين، في حين لم تكن نسبة اليهود تزيد على 10%.

Embed from Getty Images

وهكذا كان الإعلان وثيقة استعمارية كلاسيكية: فقد منح أقلية صغيرة الحقَّ في تقرير المصير القومي، بينما حرم الأغلبية من الحق ذاته. وازداد الأمر سوءًا بعد أن أشار الإعلان إلى أن 90% من سكان البلاد على أنهم «مجتمعات غير يهودية في فلسطين»، مما جعلهم في مرتبة أدنى. ورغم محاباة الإعلان لليهود، إلا أنه تضمَّن على الأقل وعدًا بحماية الحقوق المدنية والدينية للفلسطينيين، ولكن حتى هذا الوعد لم يفِ به البريطانيون أبدًا.

البداية الحقيقية لضياع فلسطين

وأشار الكاتب إلى أن التحيز البريطاني تجاه اليهود كان جليًّا منذ اليوم الأول للانتداب البريطاني على فلسطين الذي استمر من عام 1917 حتى عام 1948. وفي النهاية، أوفت بريطانيا بوعدها للصهاينة بإنشاء وطن قومي لليهود تطور إلى دولة يهودية، في حين خانت بريطانيا عهدها للفلسطينيين، الأمر الذي أطلق الثورة الفلسطينية الكبرى بين عامي 1936 و1939 والتي كانت تطالب باسترداد حقوق الفلسطينيين.

ورد الجيش البريطاني بقمع الثورة الفلسطينية مستخدمًا كل الوسائل القمعية والوحشية، بما في ذلك الأحكام العرفية، والمحاكم العسكرية، والاحتجاز من دون محاكمة، والضرب، والجلد، والتعذيب والقتل خارج نطاق القانون، والعقاب الجماعي، والقصف الجوي. وقُتِل وجُرِح قرابة 20 ألف فلسطيني خلال الانتفاضة وتحوَّلت القرى إلى أطلال.

وفي هذه العملية لسحق الانتفاضة، كسرت بريطانيا العمود الفقري للحركة الوطنية الفلسطينية، وأضعفت الفلسطينيين على نحو خطير، وعززت الصهاينة. وما ضاعت فلسطين في أواخر الأربعينيات كما هو شائع، لكنها ضاعت في أواخر الثلاثينيات، نتيجةً لسحق بريطانيا الوحشي للمقاومة الفلسطينية ودعمها للقوات اليهودية شبه العسكرية.

العنصرية ضد العرب

ولفت الكاتب إلى أن وجود تيار عنصري معادٍ للعرب أثَّر في طريقة تعامل بريطانيا مع الانتداب على فلسطين، مستعرضًا بعض الآراء العنصرية التي تحدث بها رئيس الوزراء البريطاني المستقبلي آنذاك ونستون تشرشل في عام 1937، مثل عدم اعترافه بالأخطاء التي ارتُكِبت في حق الهنود الحمر في أمريكا أو السود في أستراليا؛ بزعم أن عِرقًا أقوى وأعلى درجة قد جاء وحل مكانهم.

Embed from Getty Images

ومع اقتراب الانتداب البريطاني على فلسطين من نهايته المُشينة، استمرت بريطانيا في موقفها المعادي للفلسطينيين. وعندما صوتت الأمم المتحدة في نوفمبر (تشرين الثاني) 1947 على تقسيم فلسطين الواقعة تحت الانتداب إلى دولتين، تبنَّت بريطانيا رسميًّا موقف الحياد، لكنها سَعَت من وراء الكواليس إلى إجهاض ولادة دولة فلسطينية.

محو فلسطين من الخريطة

وأردف الكاتب: أعطت بريطانيا الضوء الأخضر لوكيلها، الملك عبد الله ملك شرق الأردن، لإرسال جيشه الصغير الذي تقوده بريطانيا إلى فلسطين عند انتهاء الانتداب البريطاني، للاستيلاء على الضفة الغربية، التي كان يُفترض أن تكون قلب الدولة الفلسطينية، لافتًا إلى إن الرابحين في حرب فلسطين كانوا هم الملك عبد الله والحركة الصهيونية، بينما كان الفلسطينيون هم الخاسرون. وتحوَّل حوالي 750 ألف فلسطيني، أي أكثر من نصف السكان، إلى لاجئين، ومُحِيَ اسم فلسطين من الخارطة. وفي المجمل، لعبت بريطانيا دورًا مهمًّا ولكنه غير معروف في النكبة، الكارثة التي أطلت برأسها على الفلسطينيين في عام 1948.

إرث مخجل

واستعرض الكاتب ما وصفه بـ«إرث حزب المحافظين المخزي» في هذا الصدد؛ إذ يحمل الحزب وقادته لواء هذا الإرث المشين الخاص بالدعم البريطاني غير المشروط لإسرائيل واللامبالاة بحقوق الفلسطينيين، مستشهدًا بمجموعة أصدقاء إسرائيل في حزب المحافظين البريطاني والتي تعد- إلى حد بعيد – أقوى جماعة ضغط مؤيدة لإسرائيل في بريطانيا، وتضم في عضويتها حوالي 80% من أعضاء البرلمان من حزب المحافظين.

كذلك كان آخر ثلاثة قادة لحزب المحافظين من المؤيدين غير المنتقدين لدولة إسرائيل. ووصَفَ رئيس الوزراء البريطاني السابق ديفيد كاميرون نفسه بأنه «صديق صدوق» لإسرائيل وأصرَّ على أن هذه الصداقة لا يمكن أن ينال منها شيئًا. 

كذلك كانت تيريزا ماي من أكثر القادة تأييدًا لإسرائيل في أوروبا خلال رئاستها للحكومة، وقد كَالَت آيات المديح لإسرائيل في غير مرة في خطاباتها ووصفتها بأنها «دولة رائعة وديمقراطية مزدهِرة ومنارَة للتسامح، ومثال يُحتذى لبقية دول العالم». وفي المقابل وجَّهت انتقاداتها الشديدة لـ«حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS)»، التي تعمل على إنهاء الدعم الدولي لقمع إسرائيل للفلسطينيين.

الحقوق الوطنية

ويرى الكاتب أن رئيس الوزراء، بوريس جونسون، كانت لديه نظرة أكثر دقة قليلًا في التعامل مع سِجل بريطانيا بوصفها قوة استعمارية في فلسطين. وفي كتابه عن تشرشل عام 2014، وصف جونسون إعلان بلفور بأنه «غريب وغير متَّسِق ومأساوي وأحد أكثر مواقف وزارة الخارجية غباءً». وكان هذا أحد الأمثلة النادرة على الحكم السليم والتبصر التاريخي من جانب جونسون. ولكن في عام 2015، في رحلة إلى إسرائيل بوصفه عمدة لبلدية لندن، أشاد جونسون بإعلان بلفور بوصفه «أمرًا عظيمًا». 

Embed from Getty Images

وشدَّد الكاتب على أن هناك خيطًا متصلًا من قِصَر النظر الأخلاقي والنفاق وازدواجية المعايير والخداع يربط السياسة البريطانية في فلسطين بدءًا من بلفور ووصولًا إلى جونسون. ويندرج تبني حكومة المحافظين في عام 2016 لتعريف معاداة السامية الصادر عن التحالف الدولي لإحياء ذكرى اليهود ضمن هذا التقليد من التَحَزُّب والتحيُّز للصهيونية وإسرائيل وازدراء الفلسطينيين.

ينص التعريف على أن: «معاداة السامية هى تصوُّر معين لليهود يمكن وصفه بكراهية اليهود، له مظاهر خطابية ومادية موجهة نحو اليهود أو غير اليهود وممتلكاتهم وتجاه مؤسسات المجتمع اليهودى والمرافق الدينية». 

أمثلة إشكالية

ويوضح الكاتب أمثلة إشكالية من التعريف الذي لا يذكر إسرائيل بالاسم، ولكنه يحتوي على ما لا يقل عن سبعة من أصل 11 «مثالًا توضيحيًّا» تتعلق بإسرائيل، مثل «إنكار حق الشعب اليهودي في تقرير مصيره من خلال الادِّعاء بأن وجود دولة إسرائيل هو مسعى عنصري» وغيره من الأمثلة، والتي تقدم سلسلة من الافتراضات غير المبررة حول إسرائيل ويهود العالم.

الاحتلال الإسرائيلي

منذ شهرين
«الجارديان»: أكبر مجموعة حقوقية إسرائيلية تعترف بالفصل العنصري ضد الفلسطينيين

في الواقع، تُعد إسرائيل مجتمعًا غير متجانس للغاية ومنقسِم بعمق ويموج بمجموعة واسعة من الآراء حول كل هذه القضايا، وهي مجتمع يتصف بثقافة سياسية مليئة بالنزاعات والمناقشات الشرسة. وفي حين يرى عديد من الإسرائيليين اليساريين أن إسرائيل مسعى عنصري، مثل منظمة «بتسيلم» الحقوقية الإسرائيلية التي ترى أن إسرائيل دولة فصل عنصري، هناك من اليمين الإسرائيلي مَنْ لا يزالون ينكرون بشدة أن إسرائيل دولة فصل عنصري.

الشيطان يكمن في التفاصيل

يقول الكاتب إن المجتمع اليهودي العالمي يُعد متعددًا ومثيرًا للجدل بالقدر ذاته. ومن المثير للسخرية أن التعامل مع اليهود بوصفهم مجموعة متجانسة يُمثِّل تعبيرًا معاديًا للسامية في واقع الأمر؛ ذلك أن المعادين للسامية يخفقون في التمييز بين طوائف اليهود المختلفة ويريدون أن يجمعونهم في إطار واحد. وعلى هذا الأساس، تنبأ تيودور هرتزل، مؤلف كتاب الدولة اليهودية، بأن «المعادين للسامية سيصبحون أكثر الأصدقاء الذين يُمكننا الاعتماد عليهم».

Embed from Getty Images

وينوِّه الكاتب إلى أن الشيطان يكمن في التفاصيل، أو في حالة وثيقة التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست، يكمن الشيطان في الأمثلة. وتوخِّيًا للدقة، هناك تعريفان لمعاداة السامية، وهما: الجملتان الافتتاحيتان والقائمة التي تضم 11 مثالًا.

وحتى يتحقق توافق في الآراء بشأن الوثيقة داخل التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست، كان من الضروري فصل جملة التعريف عن الأمثلة الإيضاحية التي أعقبته. ومع ذلك، نقل أعضاء الحزب الموالون لإسرائيل الانطباع الخاطئ الذي يفيد أن الأمثلة جزء لا يتجزأ من التعريف على نحوٍ متكرر. وعادة ما يحذفون الصفة التي تفيد أن هذه مجرد مسودة، أي «تعريف عملي».

معاداة السامية ومعاداة الصهيونية

يؤكد الكاتب أن الدور الذي تضطلع به وثيقة التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست، غير الملزمة قانونًا، يتمثل في تحويل التركيز من معاداة السامية الحقيقية إلى ظاهرة معاداة الصهيونية التي تتمتع باحترام وتنامٍ مثاليين. وفي بعض الأحيان، تصف الجهات الفاعلة الموالية لإسرائيل معاداة الصهيونية بوصفها «معاداة السامية الجديدة». غير أنه من الضروري التمييز بين المصطلحين تمييزًا واضحًا.

ويمكن تعريف معاداة السامية ببساطة بأنها «عداء تجاه اليهود بسبب ديانتهم اليهودية». وفي الوقت ذاته، تُعد الصهيونية أيديولوجية قومية وسياسية طالبت بإنشاء دولة يهودية، وتدعم استمرار وجود إسرائيل في الوقت الحالي بصفتها دولة. وتعارض معاداة الصهيونية الطابع الخاص لدولة إسرائيل والسياسات الإسرائيلية، لا سيما احتلالها للضفة الغربية. ومع أن معاداة السامية ترتبط باليهود في أي مكان في العالم، فإن معاداة الصهيونية ترتبط بإسرائيل فحسب.

معايير مزدوجة

ويرى الكاتب أن إسرائيل ليست ضحية ازدواجية المعايير. ولكنها، على النقيض، المستفيد الوحيد من ازدواجية المعايير التي تتبناها الدول الغربية. وبموجب أمثلة التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست، تُعد مطالبة إسرائيل باتِّباع سلوك «غير متوقع أو مطلوب من أي دولة ديمقراطية أخرى» معاداةً للسامية. ولكن هذا الأمر ليس له علاقة بالعنصرية المناهضة لليهود.

وتُعد إسرائيل العضو الوحيد في الأمم المتحدة الذي رسَّخ لمكافحة العنصرية (التي يتعرض لها اليهود) في إطار قانوني. وبذلك، إذا توقَّعنا أن إسرائيل ستتصرف بوصفها دولة ديمقراطية من خلال إعطاء كل مواطنيها حقوقًا متساوية، فهذا لا يُعد معاديًا للسامية، ولكنه توقُّع صائب وسليم.

وكان أصدقاء إسرائيل في الولايات المتحدة وأوروبا قد طالبوا بوضعٍ دولي للتعريف، على الرغم من أنه لا يستأهل ذلك؛ إذ مارسوا ضغوطًا شديدة من أجل اعتماد التعريف من جانب أكبر عدد ممكن من الحكومات، لأنه يمكن استخدامه في تخويف منتقدي إسرائيل والقائمين على الحملات الموالية لفلسطين من خلال تلطيخ أسمائهم بمعاداة السامية.

تداعيات انقسامية

ويشير الكاتب إلى أن حزب العمال البريطاني اكتشف التكاليف التي سيتكبدها، والتي سَتنجُم عن التداعيات الانقسامية والضارة من جرَّاء اعتماد الوثيقة. وقد تضمَّنت مدونة السلوك الخاصة بالحزب خمسة من أمثلة التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست، بالإضافة إلى مثالين إضافيين بعد إدخال تعديلات طفيفة عليهما.

Embed from Getty Images

ولكن هذا لم يُرضِ أصدقاء إسرائيل سواء داخل الحزب أم خارجه؛ إذ تعرض الحزب للتنمر حتى يعتمد جميع الأمثلة حرفيًّا. وأفادت مزاعم مُضلِّلة أن عدم اعتماد جميع الأمثلة بصيغتها الحالية تمامًا، كان يعد رفضًا للتعريف.

ويلمح الكاتب إلى أنه في ظل اندفاع حزب العمال نحو تلميع أوراق الاعتماد الموالية للصهيونية، انقلب الحزب على بعض أعضائه من اليهود الأكثر تقدمًا. على سبيل المثال، طُرد موشي ماتشوفر، وهو من قدامى المحاربين البريطانيين الإسرائيليين المعادين للصهيونية، من الحزب ثم أُعيد مرةً أخرى في عام 2017 بعد أن نشرت صحيفة «الجارديان» رسالة احتجاجية وقَّع عليها 139 من أعضاء حزب العمال، بمن فيهم المحامي البارز جيوفري بيندمان.

ولكن في عام 2020، فُصِل ماتشوفر من الحزب مرةً أخرى. وتلقَّى خطابًا ورد في 20 صفحة من أعضاء الحزب البيروقراطيين يحتوي على خليط من مزاعم جديدة وقديمة لمعاداة السامية، ووصفه ماتشوفر بأنه «مليء بالأكاذيب» وأنه بمثابة جزء من حملات «التطهير الستاليني (إشارة إلى الممارسات الوحشية والقمعية التي مارسها جوزيف ستالين، السكرتير العام للحزب الشيوعي السوفيتي سابقًا، في ثلاثينيات القرن الماضي) لحزب العمال». وفكَّر ماتشوفر في الاستقالة، ولكنَّه قرر إعطاء فرصة لمحققي الحزب حتى يجلبوا مزيدًا من العار لأنفسهم ويفصِلُونه.

تهديد التمويل

ويمضي الكاتب قائلًا: لعلَّ أوضح دليل على أن الحكومة المحافظة الحالية تلتزم بتعريف التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست بوصفه أداة لتقليص النقاش بشأن إسرائيل وتقييد حرية التعبير عنها هو ما ورد في خطاب أرسله جافين ويليامسون، وزير التعليم، إلى رؤساء الجامعات.

وأشار الخطاب، الذي أرسله ويليامسون في أكتوبر (تشرين الأول) 2020 في خضم أزمة قومية في قطاع التعليم بسبب جائحة كوفيد-19، إلى أن عدد الجامعات التي اعتمدت تعريف التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست ظل منخفضًا انخفاضًا مُخجلًا. ويقال إن الجامعات التي تجاهلت التعريف خيبت آمال موظفيها وطلابها، لا سيما طلابها من اليهود.

وشدَّد وزير التعليم على أن هذه الجامعات يجب أن تتوقف عن التلكؤ وأن توافق رسميًّا على تعريف التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست. كما هدَّد الوزير بقطع التمويل عن الجامعات التي تقع فيها أحداث معادية للسامية، والجامعات التي لم توقِّع على التعريف.

مرسوم وزاري

ويستدرك الكاتب قائلًا: لكن بعض الجامعات الإنجليزية رفضت تعريف التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست: ورضخ نحو خُمْس الجامعات للمرسوم الوزاري من خلال توقيعها على التعريف، واختارت غالبية الجامعات عدم إلزام نفسها به بطريقة أو بأخرى. ويشير الكاتب إلى أن الجامعة التي يعمل بها، جامعة أوكسفورد، قد تبنَّت التعريف.

Embed from Getty Images

وفي خطاب أُرسِل إلى صحيفة «الجارديان» ونشرته في نوفمبر (تشرين الثاني)، أعربت مجموعة تتكون من 122 أكاديميًّا وصحفيًّا ومفكرًا فلسطينيًّا وعربيًّا عن قلقهم إزاء تعريف التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست، مع أننا نادرًا ما نسمع أصواتًا فلسطينية في النقاش الوطني بشأن معاداة السامية والصراع بين إسرائيل وفلسطين. 

واستشهد الكاتب بجزء من هذا الخطاب، نظرًا إلى الضوء الذي يلقيه على تصورات الفلسطينيين ومواقفهم:

«في السنوات الأخيرة، ازداد استغلال الحكومات الإسرائيلية وأنصارها للمعركة المناهضة لمعاداة السامية بوصفها ذريعة في جهودها الرامية إلى نزع الشرعية عن القضية الفلسطينية وإسكات المدافعين عن حقوق الفلسطينيين. وتحويل مسار الكفاح الضروري المناهض لمعاداة السامية لتحقيق مثل هذا الغرض يهدد بالتضحية بهذا الكفاح، ومن ثم يهدد بتشويه سمعته وإضعافه».

تأثير مروِّع

أصدرت الجمعية البريطانية لدراسات الشرق الأوسط (BRISMES)، بيانًا أعربت فيه عن قلقها العميق إزاء الضغوط التي تمارسها الحكومة على الجامعات لتبني تعريف التحالف الدولي. 

وقالت إن تدخل ويليامسون سيكون له «تأثير مروِّع» على الحرية الأكاديمية والقطاع الجامعي في دراسات الشرق الأوسط. ورحَّبت بالقضاء على معاداة السامية وجميع أشكال العنصرية في الحرم الجامعي، ولكنها أوضحت الأضرار التي سيُلحِقها التعريف بالباحثين والطلاب.

وخلصت إلى أن التعريف يستخدم «بوصفه تهمة كاذبة بمعاداة السامية لإسكات أولئك الذين يدعمون حقوق الفلسطينيين ونَزْع الشرعية عنهم». واختتم البيان بدعوة الجامعات إلى «حماية الحرية الأكاديمية والدفاع عن استقلاليتها ضد ضغوط الحكومة».

مهاجمة حرية التعبير

ويوضح الكاتب قائلًا: أرسلنا رسالة طويلة خلال الأسبوع الأخير من شهر يناير (كانون الثاني) إلى جميع نواب رؤساء الجامعات الإنجليزية وعديد من المجالس الأكاديمية. وقد وقَّع على رسالتنا 110 من المؤيدين، وجميعهم أكاديميون إسرائيليون خارج بريطانيا، بما في ذلك عديد من الإسرائيليين. وقلنا في رسالتنا: «وثيقة التحالف الدولي تهدد حرية التعبير والحرية الأكاديمية وتشكل هجومًا على حق الفلسطينيين في تقرير المصير والنضال من أجل دمقرطة إسرائيل».

وأشرنا أيضًا إلى أن ضغط الحكومة على مؤسسات التعليم العالي لتبني تعريف لنوع واحد فقط من العنصرية يجعل الأشخاص المنحدرين من أصل يهودي يستحقون حماية أكبر من غيرهم.

ويضيف الكاتب: وطالبنا بضرورة مناقشة ما إذا كانت إسرائيل، باعتبارها دولة يهودية معلنة، تمثل «مسعًى عنصريًّا» أم «دولة ديمقراطية». ومضت رسالتنا لتقول إن الوثيقة «تمنع حرية التعبير والحرية الأكاديمية وتحرم الفلسطينيين من صوت شرعي في الفضاء العام في المملكة المتحدة، وأخيرًا، تمنعنا، بصفتنا مواطنين إسرائيليين، من ممارسة حقنا الديمقراطي في تحدي حكومتنا».

كين لوتش

دُعي لوتش – مخرج الأفلام البريطاني الحائز على عديد من الجوائز والناشط الاجتماعي المناهض للعنصرية طوال حياته – من خلال كليته القديمة في أكسفورد مؤخرًا لحضور فعالية ثقافية لا علاقة لها باليهود أو إسرائيل.

كان لوتش سيناقش عمله السينمائي مع جوديث بوكانان، أستاذة الأدب والسينما في كلية سانت بيتر. ولكن عقب الإعلان عن الفعالية، استهدفت حملة منظمة جدًّا الاغتيال المعنوي لفنان قضى حياته في الدفاع عن ضحايا القمع والتمييز، بمن فيهم الفلسطينيون. وتلقى منظمو الفعالية رسائل تطالبهم بإلغائها.

وقالت الجمعية اليهودية بجامعة أكسفورد إنها شعرت بخيبة أمل شديدة لقرار استضافة الفعالية لأن «لوتش أدلى في مناسبات عديدة بتصريحات معادية للسامية بموجب تعريف التحالف، الذي تبنته جامعة أكسفورد مؤخرًا». غير أن الفعالية مرت كما هو مخطط لها، وبُثَّت مباشرةً على موقع «يوتيوب». وكانت فعالية ثقافية رائعة حيث عرض لوتش مقاطع من أفلامه، ولم يرد ذِكْر إسرائيل أو الفلسطينيين. 

مزاعم مكررة

وألمح الكاتب إلى أنه في اليوم الذي أعقب الفعالية، في 9 فبراير (شباط)، عقد اتحاد الطلاب في كلية وادهام اجتماعًا بشأن كلية سانت بيتر ولوتش. وانتهى الاجتماع بإدانة بوكانان وكلية سانت بيتر رسميًّا بأغلبية 150 صوتًا مقابل 14، وامتناع أربعة أعضاء عن التصويت.

وقال لوتش لصحيفة «التيليجراف»، التي نشرت تقريرًا عن الجدل المثار: «هذه الاتهامات المعاد تدويرها كاذبة وتستند إلى التحريف والتشويه المستمر». واحتشد أصدقاء المخرج للدفاع عنه، وكان بعضهم أعضاء في منظمة الصوت اليهودي من أجل العمل. 

يقول الكاتب: وأرسلتُ بيانًا ليُقرأ في اجتماع اتحاد الطلاب في كلية وادهام. وهذا نصه: «أشعر بأسف شديد للهجوم الذي شنَّه طلاب كلية وادهام على كين لوتش. إن لدى الرجل سجلًّا قويًّا وثابتًا في معارضة العنصرية بكل أنواعها، بما في ذلك معاداة السامية. كما أنه فنان بارز والهجوم عليه يقوِّض حرية التعبير».

تشويه المنتقدين

تبرز قضية لوتش بوضوح الأضرار التي يمكن أن تسببها وثيقة التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست ضد حرية التعبير في الحرم الجامعي. لقد استُخدِمت الوثيقة لتشويه سمعة يساري بارز منتقد لإسرائيل ومدافع عن حقوق الفلسطينيين وحرمانه من منبر يتحدث من خلاله. وفشلت تلك المحاولة في نهاية المطاف، لكنها تسببت في ألم غير مبرر تمامًا للفنان. 

ويتساءل الكاتب قائلًا: هل هناك دروس يمكن تعلمها من هذه الواقِعة المؤسفة بشأن تعريف معاداة السامية الذي وضعه التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست؟

أولًا: يجب تأكيد أن معاداة السامية ليست خيالًا كما يدعي البعض. إنها مشكلة حقيقية على جميع مستويات مجتمعنا، بما في ذلك الحرم الجامعي. 

ثانيًا: سيكون من الخطأ تمامًا الإشارة إلى أن الطلاب اليهود الذين يحتجُّون على معاداة السامية يفتعلون شعورهم بالأذى أو يبالغون فيه، وهم بحاجة حقيقية للحماية.

محاربة العنصرية

ويشدد الكاتب على أن السؤال الحقيقي هو: هل يوفر تعريف التحالف الدولي تلك الحماية؟ إذا كان من الممكن الاستشهاد بقضية لوتش، فمن المؤكد أن التعريف لا يحقق ذلك.

مجتمع

منذ 8 شهور
مترجم: كيف نصنف الآخرين؟ هكذا يفسّر لنا علم النفس العنصرية

يعتمد التعريف ضمنيًّا على الاستثناء اليهودي، وهذا يعوق التضامن والتعاون مع الجماعات الأخرى المعرَّضة أيضًا للتحيز العنصري، مثل العرب والمسلمين. لكي يكون التعريف فعَّالًا، يجب أن يكافح العنصرية في جميع المجالات وليس في زوايا معزولة.

وهناك عيب آخر في التعريف، من وجهة نظر الكاتب، وهو أن كثيرًا من الأمثلة التي أوردها لا تتعلق باليهود، بل تتعلق بدولة إسرائيل. ونتيجةً لذلك، يبدو أنه أكثر اهتمامًا بحماية إسرائيل من حماية اليهود.

إن إسرائيل دولة مثيرة للجدل، تتآكل مؤسساتها الديمقراطية باستمرار، ويجْتذِب اضطهادها للفلسطينيين انتقادات دولية متزايدة، وقد أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مؤخرًا حكمًا يمهد الطريق للتحقيق في جرائم الحرب. كما أن إسرائيل لا تمثل جميع اليهود على مستوى العالم، بل تمثل مواطنيها فقط، وخُمسهم من الفلسطينيين.

واليهود البريطانيون ليسوا مسؤولين عن سلوك إسرائيل، لكن تعريف التحالف الدولي يورطهم في شؤون إسرائيل، ويشجعهم على استهداف أي شخص يرونه عدوًًا للدولة اليهودية. وعلاوةً على ذلك، فإن الانتقادات الموجهة لإسرائيل ليست بالضرورة معادية للسامية. وتعريف التحالف الدولي يطمس الخط الفاصل بين الانتقاد المشروع وغير المشروع.

لا حاجة لتعريف

وفي نهاية تقريره يقول الكاتب: السؤال الذي يطرح نفسه أخيرًا: هل نحتاج إلى تعريف لمعاداة السامية؟ وجهة نظري أننا لا نحتاج لذلك، وما نحتاجه هو مدونة سلوك لحماية جميع الأقليات، بما في ذلك اليهود، من التمييز والمضايقة مع حماية حرية التعبير لجميع أعضاء الجامعات.

إن الحق العالمي في حرية التعبير منصوص عليه في القانون البريطاني ويحظر على السلطات العامة التصرف بطريقة تتعارض مع هذا الحق. ويوفر قانون التعليم لعام 1986 حماية خاصة لحرية التعبير في الجامعات.

Embed from Getty Images

وإذا هاجم شخص إسرائيل، فلا يجب أن نسأل هل الهجوم معادٍ للسامية أم لا. ولكن علينا ببساطة أن نسأل ما إذا كان ما يقوله هذا الشخص عن إسرائيل صحيحًا أم خطأ. إن الجدل حول العنصرية ضد اليهود وإسرائيل يجب أن يقوم على أساس الأدلة وليس على الانتماءات السياسية أو الطائفية.

والنقطة الأساسية هي أن الجامعات في بريطانيا يجب أن تتمتع بالاستقلالية للإشراف على جميع أنشطتها، لأن حماية حرية التعبير في الحرم الجامعي هو التزام أخلاقي وواجب قانوني. ويتعارض تعريف التحالف الدولي مع هذا الواجب تعارضًا مباشرًا. وفي نوعية الجامعة التي أُفضِّل العمل فيها، لا يوجد مكان للحكام المستبدين على الطراز الاستعماري مثل ويليامسون وأمثاله.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد