658

في تحقيق استقصائي في صحيفة «نيويورك تايمز»، تناول الصحفي آدم جولدمان قصة المواطن الأمريكي براينت نيل فيناس، الذي قاتل في صفوف تنظيم القاعدة في أفغانستان وباكستان، قبل أن ينقلب على التنظيم ويعمل لصالح بلاده، أمريكا، مانحًا الاستخبارات الأمريكية معلومات في غاية الأهمية مكنتها من استهداف قيادات بارزة في التنظيم بنجاح. لكن نهايته مأساوية؛ فقد بات مشردًا ويعيش على المعونات.

تحدث فيناس (35 عامًا) إلى جولدمان في أحد المطاعم في نيويورك وهو يرتدي زيًا يخفي هويته بعد عام من إطلاق سراحه من سجن فيدرالي، حيث كان يعتقد أنه سيدرج في برنامج حماية الشهود، وسيمنح هوية جديدة، وذلك مكافأة له على مساعدته في مكافحة الإرهاب بوصفه أحد أهم العملاء في الحرب ضد القاعدة.

بدأت حكاية فيناس مع الإسلام قبيل هجمات نيويورك وواشنطن في 2011 – يقول جولدمان – وظل يتعلم عنه حتى أعلن إسلامه في 2004. وترك عائلته وتنقل من وظيفة إلى أخرى. كان يتابع ما يجري في أفغانستان والعراق بسخط بالغ على جيش بلاده. فقرر أن يتحرك لمساعدة «إخوانه المسلمين» بعد أن تأثر بتسجيلات القيادي اليمني في القاعدة أنور العولقي.

انتقل فيناس إلى أفغانستان عبر باكستان في عام 2007 ليقضي ستة أشهر في أحد معسكرات القاعدة، ثم التحق بمعسكر في وزيرستان الباكستانية برفقة مقاتلين عرب ومسلمين في الربع الأول من 2008، حيث عاش حياة بدائية، تناول فيها طعامًا شبه متعفن وعانى من صعوبات في النوم.

براينت نيل فيناس.

خلال تلك الفترة – يشير جولدمان – التقى فيناس العديد من قيادات القاعدة، بمن فيهم صالح الصومالي – مدير عمليات القاعدة في الخارج – الذي أحبطت أمريكا هجومًا من تخطيطه على قطارات الأنفاق في نيويورك. ويونس الموريتاني، الذي اقترح عليه فيناس تفجير خط سكة حديد لونج آيلند.

وعلى عكس ما يشاع عن بغضهم لكل ما هو أمريكي – يكشف جولدمان – فقد كان لدى فيناس أصدقاء في صفوف القاعدة من المعجبين ببعض مناحي الحياة الأمريكية. أحدهم كان باكستانيًا عاش في تكساس وأحب حفلات الشواء الأمريكية، والآخر كان كويتيًا ضخم الجثة ويعشق المأكولات السريعة الأمريكية ويتحدث الإنجليزية بطلاقة. كما لم يتوانَ مقاتلو القاعدة عن شرب البيبسي.

اعتقلت السلطات الباكستانية فيناس في أواخر عام 2008 بالقرب من بيشاور – يضيف جولدمان – حيث خضع للتحقيق. ثم أُبلغت السلطات الأمريكية بشأنه، وكان يخشى أن يجري نقله إلى معتقل جوانتنامو. بيد أنه قد جرى نقله إلى قاعدة باجرام ومنها إلى الولايات المتحدة في رحلة شاقة. ولدى بدء محاكمته، أبدى فيناس تعاونًا كبيرًا مع سلطات التحقيق الأمريكية إلى الحد الذي جعل قاضيًا فيدراليًا يصف تعاونه بأنه «مذهل» واعترف في 2009 بأنه مذنب بالمشاركة في أعمال إرهابية.

كان للمعلومات التي أدلى بها فيناس دور كبير في تفكيك تنظيم القاعدة – يواصل جولدمان حديثه – «لقد ساعدتهم في قتل الكثير من أصدقائي» يقول فيناس. ورغم ذلك، فلم تُلحقه الحكومة ببرنامج حماية الشهود، ليجد السيد فيناس نفسه قد عاد إلى شوارع نيويورك. وبرر مسؤول حكومي الأمر بأنهم يشكون في أن فيناس سيتأقلم مع البرنامج وأنه قد يدخل في صراعات مع القائمين على برنامج حماية الشهود.

يرى محللون أن هذا قد يجعل المخبرين يحجمون عن التعاون مع السلطات في المستقبل خوفًا على سلامتهم الشخصية – يشير جولدمان – ولطالما اعتمد مكتب التحقيقات الفيدرالي على مساعدتهم في الإيقاع بشبكات الفساد والجريمة والإرهاب.

«كم مرة تواتيك الفرصة كي تحصل على مخبر اخترق القاعدة إلى أعلى مستوياتها القيادية؟» يتساءل عميل فيدرالي سابق عمل على ملف القاعدة. ويضيف «كنتُ أعتقد أننا سنفعل كل ما في وسعنا لمساعدته وإبقائه في أمان».

بعد إدانته في 2009، نُقل فيناس إلى سجن فيدرالي في نيويورك، وأُلحق ببرنامج حماية الشهود الخاص بالسجن. وقضى هناك ثماني سنوات. خضع فيناس لعشرات جلسات التحقيق وعُرضت عليه مئات الصور – ينوه جولدمان – مما جعل المدعين العوام يصفونه بأنه «أفضل شاهد متعاون على الإطلاق» فيما يخص أنشطة تنظيم القاعدة.

وقد قرر قاض فيدرالي إطلاق سراح فيناس العام الماضي على أساس أنه سينضم إلى برنامج حماية الشهود. وأعرب عن اعتقاده بأن السيد فيناس سيبتعد عن افتعال المشكلات.

حاول المشرفون على قضية فيناس إلحاقه ببرنامج حماية الشهود دون جدوى – يكشف جولدمان – مما دفع محاميه إلى القول إنه يعتقد أن موكله في خطر. «ليس هكذا تعامل الولايات المتحدة من يساعدونها. لقد دفع فيناس ثمن خطئه، ولا بد من منحه فرصة لإعادة بناء حياته» يقول المحامي.

وعن دور المخبرين الهام يقول كريستوفر لافين – مدعٍ فيدرالي سابق في قضايا الإرهاب – «إن دور المخبرين جوهري في قضايا الإرهاب، لأنهم يمنحونك نظرة من الداخل على التنظيمات الإرهابية». ولكن قبل إطلاق سراحه بيوم – يقول جولدمان – فوجئ فيناس برفض وزارة العدل الأمريكية طلب إلحاقه ببرنامج حماية الشهود. وكان المبرر هو أن الطبيب النفسي الذي كشف على السيد فيناس في آخر أيامه في السجن قال إن لديه سلوكيات عنيفة وأنه قد يشكل تهديدًا على القائمين على حمايته.

تعجب محامي السيد فيناس من التقييم وقال إن «موكله لا يمثل أي خطر على أي شخص»، وهو ما أكده طبيب نفسي آخر قام بالكشف على السيد فيناس بعد إطلاق سراحه. سعى مكتب التحقيقات الفيدرالي إلى مساعدته، فأقام في أحد فنادق نيويورك بعض الوقت، لكن العميل المسئول عنه أخبره أنهم لا يمكنهم الاستمرار في ذلك.

قامت إحدى الوكالات الحكومية بسداد ثمن غرفة الفندق لشهر إضافي. ثم انتقل للعيش في إحدى منشآت إعادة التأهيل حيث كان يرتدي جهاز مراقبة حول كاحله، وفُرض عليه حظر للتنقل.

يعيش السيد فيناس الآن على الإعانة الحكومية سواء للغذاء أو الصحة – يختتم جولدمان بالقول – ولم يحالفه الحظ في العثور على وظيفة. ويؤكد فيناس أنه غير نادم على ما فعل وأنه سيظل متمسكًا بالأمل في استعادة حياته الطبيعية. «على الأقل لم أعد مضطرًا للعيش في الخفاء مجددًا. ولن أعيش خائفًا» يقول فيناس.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

تعليقات الفيسبوك