قال مايكل بيك في مقال له على موقع «ناشيونال إنترست» إنه في خريف عام 1956، كانت الإمبراطورية السوفييتية تسيطر على كل من ألمانيا الشرقية والمجر وبولندا وبقية أوروبا الشرقية بقبضة من حديد. لكن رعايا الإمبراطورية كرهوا ذلك؛ لأن عصابات معاداة الشيوعية تحت حكم الاتحاد السوفييتي أقضت مضاجعهم في أوكرانيا ودول البلطيق طوال الخمسينات.

«بوليتيكو»: بعد انشقاقها عن الاتحاد السوفيتي.. تعرف على أسرار لجوء ابنة ستالين لأمريكا

قُتل المئات من العمال الألمان الشرقيين المضربين في عام 1953 على أيدي القوات السوفييتية والقوات الألمانية الموالية لها، بينما قُتل عشرات من المضربين البولنديين على أيدي قوات الأمن البولندية في 1956، لكن الأمر لم يكن خطيرًا بالنسبة لإمبراطورية ترسخ قبضتها بعد الحرب العالمية الثانية. في هذه الأثناء ـ يشير بيك ـ واصل السوفييت خططهم لنشر الشيوعية في أوروبا الشرقية.

فقد قُتل المثقفون، وصودرت المزارع الخاصة؛ ما أدى لنتائج كارثية، وتعلم الأوروبيون الشرقيون الوقوف في صف الحصص الغذائية الشائع في التقاليد الشيوعية العريقة. وفي عام 1955 ربط حلف وارسو الاتحاد السوفييتي ودوله التابعة بشكل أوثق في هيئة تحالف عسكري. ومثلما هو الحال في عصابات المافيا، كان بالإمكان الانضمام إلى الحلف، ولكن لا يمكن مغادرته.

ولكن بعد ظهر يوم 23 أكتوبر (تشرين الأول) 1956 خرج 200 ألف متظاهر إلى الشوارع للمطالبة بالحرية السياسية للمجريين وحياد بلادهم. قبل بضع سنوات فقط كان من الممكن سحق الاحتجاجات على الفور بواسطة الدبابات والقناصة. كان ستالين قد توفي قبلها بثلاث سنوات، فلانت قبضة الدولة الحديدية. فيما كان خروتشوف قد اعترف بالجرائم الستالينية في «خطابه السري» الصادر في 1956 «والذي تم بثه بعد ذلك بواسطة إذاعة أوروبا الحرة».

أدت الاحتجاجات البولندية في عام 1956 إلى تعيين الإصلاحي البولندي فلاديسلاف جومولكا زعيمًا لتلك الدولة. وأعلنت جارة المجر، النمسا، حيادها بين المعسكرين الشرقي والغربي. فهل تستطيع المجر أن تفعل الشيء نفسه؟ يتساءل بيك. ويقول: هناك أوقات في التاريخ تبدو فيها كل الأشياء ممكنة.

في تلك الليلة، طلب سكرتير حزب العمل الشعبي المجري إيرنو جيرو التدخل السوفييتي. فأرسل الجيش الأحمر الدبابات إلى بودابست في اليوم التالي، لكنه ظل متفرجًا بينما اشتبك المتظاهرون بالأسلحة المنهوبة مع «الشرطة السرية المجرية (AVH)». فلماذا تستعدي موسكو السكان المحليين إذا كان بوسع قوات الأمن المحلية القضاء على العنف؟

نساء يتظاهرن في بودابست عام 1956

ولكن خابت آمال الكرملين ـ يستدرك بيك ـ فقد انتشر العنف بسرعة في الريف. ثم هاجم المتمردون القوات السوفييتية في بودابست، بالإضافة إلى الشرطة السرية المجرية، وقتلوا المسؤولين الشيوعيين الأسرى ورجال الشرطة السريين. وانضمت بعض وحدات الجيش المجري للمعارضة. وتم إطلاق سراح السجناء السياسيين، وأنشئت مجالس محلية لتحل محل الحكم الشيوعي.

لم تكن هذه احتجاجات محدودة. بل كان هذا تمردًا صريحًا ضد الحكم الشيوعي والسيطرة السوفييتية.

فر سكرتير الحزب جيرو إلى الاتحاد السوفييتي ـ يكشف بيك ـ وأصبح الإصلاحي إمري ناجي رئيسًا للوزراء. وفي 1 نوفمبر (تشرين الثاني) أعلن ناجي انسحاب المجر من حلف وارسو. سمح للأحزاب السياسية غير الشيوعية بالانضمام إلى الحكومة. بحلول 4 نوفمبر بدأ العنف في التراجع. ربما ستحقق المجر الحرية أخيرًا.

بيد أن ذلك لم يحدث. فقد قررت موسكو التدخل مرة أخرى، لكن هذه المرة بكل قوة. على الرغم من المخاوف من أن ينظر العالم إلى الاتحاد السوفييتي كمعتدي، شعر الكرملين أن عليه أن يتحرك. والصين التي أصبحت طرفًا رئيسًا في الكتلة الشيوعية دُفعت للتدخل. هدد الانسحاب المجري من حلف وارسو بتفكك الحلف. عرف القادة السوفييت أيضًا أنه إذا تم السماح بحكم متعدد الأحزاب في المجر، فستنتشر مطالب الديمقراطية في جميع أنحاء أوروبا الشرقية. وكان الطرف الأقل احتمالًا للفوز في انتخابات حرة هم الشيوعيون.

وفي عام 1956 أيضًا ـ يضيف بيك ـ كان الاتحاد السوفيتي يحكمه رجال شهدوا كيف كان هتلر قريبًا من احتلال روسيا. كان من المفترض أن تكون أوروبا الشرقية المنطقة العازلة التي ستحمي روسيا من هجوم آخر من قبل الإمبرياليين الغربيين. تأمل كيف تنظر روسيا إلى أوكرانيا المستقلة وحلف «الناتو»، وستجد أن التاريخ يعيد نفسه.

اتبعت الحملة السوفييتية في المجر نمطًا مألوفًا. بعد أن وعد ناجي بعدم غزوها، دعت موسكو القادة المجريين، بمن فيهم وزير الدفاع بال ماليتر، للقاء وفد سوفييتي، ثم تم القبض عليهم.

إسقاط تمثال ستالين في العاصمة بودابست وقت الثورة

بعد ذلك هاجم الجيش الأحمر بودابست في «عملية الزوبعة»، في قتال مدني وحشي واجه المتمردون بزجاجات المولوتوف والمدافع الرشاشة الدبابات السوفييتية التي يبلغ وزنها 50 طنًا. وكانت صور الدروع السوفييتية المحروقة وصور الفتيات المجريات المراهقات اللائي يحتضن أسلحتهن في قتال ميؤوس منه لافتة للنظر.

بحلول منتصف نوفمبر سُحق التمرد المجري. وقُتل حوالي 2500 من المجريين، و700 جندي سوفييتي. كان الأمل الوحيد للمتمردين هو التدخل الغربي. لكن كم من الأميركيين والبريطانيين والفرنسيين سيموتون من أجل المجر بعد عقد من الحرب العالمية المدمرة؟ ضد روسيا المسلحة نوويًا، وإلى أي مدى يمكن ردع موسكو؟

ومع ذلك ـ يقول بيك ـ هناك سؤال عالق حتى اليوم؛ فإلى أي مدى حرضت الولايات المتحدة على الثورة المجرية؟ يعتقد البعض أن إذاعة أوروبا الحرة قد حثت الشعب المجري على التمرد، ووعدت بتدخل الأمريكيين. ويزعم البعض أن وكالة الاستخبارات المركزية زودت المتمردين بالأسلحة، وهو ما تنفيه الوكالة.

ولكن كما هو الحال مع الكثير من خرافات الحرب الباردة، اتضح أن وكالة المخابرات المركزية كانت غير كفؤة كما رُوج. في الواقع لقد تفاجأت الوكالة بما جرى. وكان لديها ضابط واحد يتحدث المجرية فقط في الفترة من 1950 إلى 1957، وكان غارقًا في الواجبات الإدارية لدرجة أنه لم يكن لديه ما يكفي من الوقت ليكون جاسوسًا.

وبغض النظر عما إذا كانت الولايات المتحدة قد شجعت الثورة المجرية أم لا – ينوه بيك – كان المجريون يعتمدون على المساعدة الأمريكية. كما حدث في عام 1991 عندما حثت الولايات المتحدة العراقيين على التمرد على صدام حسين. عندما تمرد عرب الأهواز في العراق، وطالبوا القوات الأمريكية بدعمهم في السيطرة على بغداد، رفضت أمريكا، فسحقهم صدام.

بطبيعة الحال اتهم السوفيت الأمريكيين بالوقوف وراء الثورة المجرية؛ لأنه من الأسهل إلقاء اللوم على جواسيس أجانب أكثر من الاعتراف بالكراهية المبررة للأشخاص الذين لم يطلبوا العيش في ظل الشيوعية، لكن السوفييت لم يكونوا أكثر كفاءة من الأمريكيين. كما تلاحظ منظمة أرشيف الأمن القومي، «ليس من الضروري أن توفر وفرة من المعلومات الاستخبارية كل الإجابات».

فوجئت موسكو أيضًا بالثورة، على الرغم من آلاف الجنود السوفييت وضباط «الكي جي بي» ومخبري الحزب الموجودين في المجر. وبدلًا عن فهم مصادر السخط، كان من الأسهل على العملاء السوفييت وحتى على القيادة توجيه اللوم بشكل خاطئ إلى وكالة الاستخبارات المركزية بسبب الاضطرابات».

أثبت الانهيار الدموي لثورة المجر أن أوروبا الشرقية ستظل تابعة للسوفييت، وأن الغرب لا يستطيع أو لا يفعل شيئًا لتغيير ذلك. سيكون على المجر الانتظار 33 عامًا من أجل التحرير. في عام 1989 تحديدًا.

مترجم: رغم سقوط السوفيت إلا أنه ما زال مؤثرًا.. ماذا تعرف عن تاريخ «كي جي بي»؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
s