ناقش تقريرٌ نشرته مجلة «الإيكونومست» البريطانية خطة الإصلاح السعودية التي يقودها الأمير محمد بن سلمان ولي ولي العهد السعودي، والتي وصفها التقرير بالغامضة. وتطرق التقرير إلى العقبات التي تقف في طريق الإصلاح، وتثير قلق المستثمرين الأجانب، مشيرًا إلى ما يجب على المملكة القيام به من أجل تحقيق الإصلاح.

إدارة جديدة

ذكر التقرير أن عهدًا جديدًا قد بزغ في المملكة، بدليل استبدال وزراء أصغر سنًا ذوي ميول إصلاحية بالأمراء كبار السن. منذ توليه العرش في العام الماضي، قام الملك سلمان بتعيين جيل جديد من الوزراء المقربين من ابنه الأمير محمد بن سلمان ولي ولي العهد، البالغ من العمر 31 عامًا فقط. واستكمالًا للتعديل الوزاري، قام الملك سلمان في 31 من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي بإعفاء وزير المالية إبراهيم العساف من منصبه الذي استمر فيه مدة 20 عامًا، وتعيين محمد بن عبد الله الجدعان، رئيس هيئة السوق المالية، بدلًا منه.

وبحسب التقرير، فإن هذه التغييرات تتزامن مع محاولة الأمير محمد بن سلمان تطبيق مجموعة من الإصلاحات تعرف بـ«رؤية 2030»، وتهدف إلى إنهاء اعتماد المملكة على النفط وذلك عن طريق خفض الإنفاق العام، وتنويع الاقتصاد، وجذب الاستثمارات الأجنبية. ومن المتوقع أن تتحقق تلك الرؤية على أيدي قادة المملكة الجدد، الذين من بينهم الكثير من رجال الأعمال أو المصرفيون السابقون. من جانبه، أشرف محمد الجدعان على فتح البورصة السعودية أمام المستثمرين الأجانب العام الماضى.

وفقًا للتقرير، فإن الأمر يتطلب أكثر من مجرد إدراة جديدة لإقناع المحللين بجدية المملكة بشأن الإصلاح. وقد صرح أحد الدبلوماسيين السعوديين قائلًا «إنهم يتحدثون عن هذا الأمر منذ 30 عامًا»، مشيرًا إلى «مركز الملك عبد الله المالي» الذي تأسس بهدف دعم اقتصاد غير نفطي. لكن المشروع لم يحقق المنشود، إذ رأت البنوك والشركات في المملكة اقتصادًا مغلقًا وقيودًا اجتماعية خانقة، وهذا الأمر لم يتغير.

لكن اليوم، تصب الحكومة السعودية تركيزها على تنفيذ خططها الجريئة، بحسب ما ذكره محمد التويجري، المدير السابق لبنك «HSBC» في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، والذي يعمل نائبًا لوزير الاقتصاد والتخطيط حاليًا، ويضيف «صدقني، إن هذا الأمر تتم مناقشته أسبوعيًا»، كما تُطلَب تقارير مرحلية من كل وزارة. لا يزال الأمير محمد بن سلمان يأمل في إنقاذ المشروع من خلال جعله منطقة خاصة بقوانين مخففة ونظام تأشيرات أكثر مرونة وطرق مباشرة بينه وبين المطار، لكن لم يتحقق أي من ذلك حتى الآن، بحسب صحيفة «الإيكونومست».

رؤية غامضة

وأشارت الصحيفة إلى أنه تم اتخاذ خطوات صغيرة تنبئ بوجود تقدّم، لكنها تفتقد إلى الخبرة. على سبيل المثال، قامت الحكومة في سبتمبر (أيلول) الماضي بخفض رواتب ومزايا موظفي القطاع الحكومي، الذين يمثلون ثلثيْ العاملين السعوديين، لكن القرار صدر دون سابق إنذار، مما ساهم في انهيار ثقة المستهلك. وفي مطلع هذا العام، تم خفض الدعم، فأدى ذلك إلى ارتفاع فواتير المياه، وإثارة احتجاجات على مواقع التواصل الاجتماعي، وفُصِلَ وزير المياه والكهرباء. وبحسب الاقتصادي جون سفاكياناكيس من مركز الخليج للأبحاث، وهو مؤسسة بحثية، أن الوزير تحمل مسئولية سياسة لم يتم التفكير فيها جيدًا.

وأشار التقرير إلى مشكلة أكبر، وهي أن رؤية 2030 نفسها غامضة. فبالرغم من أن الأمير محمد بن سلمان لديه جيش من المستشارين الأجانب، إلا أن برنامج التحول الوطني التابع لرؤية 2030 غامض، إذ إنه لم يوضح كيف سيحقق الأهداف الأكثر أهمية مثل مضاعفة الاستثمار الأجنبي المباشر بحلول عام 2020، هذا بالإضافة إلى أن العديد من أهداف البرنامج لا تزال «قيد الدراسة». وبحسب التويجري، فإن الإصلاحيين قد أعطوا الأولوية للأهداف الأسهل، وقال إن المبادرات المعقدة مثل خصخصة الشركات العامة، ستُتبَع في الوقت المناسب.

على الرغم من حرص بعض الوزراء على الترويج للاستثمار الخاص، فإن الإصلاحات الأخرى تزيد من صعوبة تحقيق مهمتهم. فعلى سبيل المثال، زيادة رسوم تأشيرة رجال الأعمال إلى سبعة أضعاف قد تعيق قدوم الشركات الأجنبية. كما تعاني الشركات المحلية التي تعتمد على العمالة الرخيصة أيضًا، فمثلًا شركة المراعي صرحت بأن عائداتها ستتراجع بما يزيد عن 130 مليون دولار بسبب إجراءات الحكومة التقشفية. وقد ظهرت زيادة أيضًا في الدين العام لشركات الإنشاءات، مما دفعها للاستغناء عن بعض العاملين وحجب الرواتب.

قبل انهيار أسعار النفط، كانت شركتا مقاولات سعوديتان، وهما مجموعة بن لادن وسعودي أوجيه؛ مسئولتين عن معظم مشروعات البنية التحتية في المملكة. لكن خفض الإنفاق العام أدى إلى تراكم الديون على الشركتين، فالحكومة تدين بمليارات الدولارات لشركة سعودي أوجيه عن أعمال أغلبها منتهية، والشركة بدورها تدين للبنوك بالمليارات، كما تدين للمقاولين والموردين والعمال. وتشتكي مجموعة بن لادن كذلك من عدم استلامها أجر بعض العقود، لكن لأن الشركتين غير معروفتين بالكفاءة، فربما تحاول الحكومة تحديد ملامح جديدة. لكن، بحسب صحيفة الإيكونومست، فإن أسلوب الحكومة أدى إلى زعزعة استقرار النظام البنكي، والاقتصاد بشكل عام.

وذكر التقرير أن أصحاب الأعمال يعانون بسبب جهود الحكومة لاستبدال عمالة سعودية مرتفعة الأجر بالعمالة الأجنبية الرخيصة في الشركات الخاصة، فقد أمرت الحكومة الشركات في صناعة الهواتف المحمولة بحلول سبتمبر (أيلول) بتوظيف سعوديين فقط، وقد وفّرت الحكومة التدريب للمواطنين، كما تدفع الآن بعض رواتبهم. لكن بشكل عام، يفتقد السعوديون إلى المهارات التي يطلبها أصحاب الأعمال، بحسب ما ذكره تقرير صحيفة الإيكونومست. وذكر التقرير أن المدارس تملأ رؤوس الطلاب الصغار بالمواد الدينية مع إهمال المواد العلمية كالرياضيات والعلوم. وأشار التقرير أيضًا إلى أن بعض الشركات تدفع الرواتب للسعوديين للبقاء في منازلهم، حتى تحقق هذه الشركات متطلبات الحكومة.

مؤشر جيد

وأورد التقرير أن صندوق النقد الدولي قد خفض توقعاته مؤخرًا للنمو الاقتصادي للقطاع غير النفطي في المملكة هذا العام من 1.6٪ إلى 0.3٪ بسبب إجراءات الحكومة التقشفية، لكن من المتوقع أن ينتعش في العام المقبل. وفقًا لمؤسسة «كابيتال إيكونوميكس» للاستشارات الاقتصادية، فإن أغلب التخفيضات في الإنفاق العام قد حدثت بالفعل. كما نجحت الحكومة في بيع سندات دولية بقيمة 17.5 مليار دولار، وهو الأكبر على الإطلاق في الأسواق الناشئة، مما سمح لها بدفع مستحقات المقاولين مرة أخرى، إلى جانب أن حماس المستثمرين وإقبالهم يُعدّ مؤشرًا جيدًا.

وذكر التقرير في ختامه أن الإصلاحات التي يهدف إليها الأمير محمد بن سلمان وفريقه أعمق كثيرًا من مجرد التقشف. لا يزال المستثمرون ينتظرون تغييرات أكبر مثل إدراج أسهم شركة النفط السعودية العملاقة «أرامكو» فى البورصة. يقول سفاكياناكيس أن هذا ما ينتظره العالم ليرى هل سيكون مشروع الإصلاح ناجحًا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد