إذا كان تصميم المباني في عالم اليوم قائم بالأساس ليواكب مناخ الأمس، فماذا سيحدث لها مع تسارع ظاهرة الاحتباس الحراري؟ يجيب عن هذا السؤال ران بوديل، محاضر زائر في التنمية المستدامة في جامعة هيريوت- وات، في مقال نشره موقع «ذا كونفرسيشن».

يستهل الكاتب مقاله بالإشارة إلى أن تغير المناخ سيؤثر في كل جانب من جوانب حياتنا، بما في ذلك المباني التي نعيش ونعمل فيها. على سبيل المثال، يقضي معظم الناس في الولايات المتحدة حوالي 90% من وقتهم داخل المباني. ويؤدي التغير المناخي إلى تغيير جذري في الظروف البيئية التي صممت هذه المباني لتتناسب معها.

معايير تصميم المباني بالأمس

يصمم المهندسون المعماريون والمهندسون المباني والهياكل الإنشائية الأخرى، مثل الجسور (الكباري)، لتتناسب مع معايير المناخ المحلي. وتُبنَى هذه المباني باستخدام مواد ومعايير تصميم تمكنها من تحمل درجات الحرارة وهطول الأمطار والثلوج والرياح المتوقعة، بالإضافة إلى أي مشكلات جيولوجية مثل الزلازل والهبوط الأرضي ومستويات المياه الجوفية.

عندما لا يستوفي البناء أيًّا من هذه المعايير، فإن احتمالية الفشل في بعض الجوانب تكون قائمة. فإذا كانت الرياح شديدة؛ قد يتطاير بعض بلاط السقف. وإذا ارتفع منسوب المياه الجوفية بعد أيام من الأمطار الغزيرة؛ قد يغرق الطابق السفلي. هذا أمر طبيعي، ولا يمكن حل هذه المشكلات تمامًا. لكن بعد هدوء العاصفة، يمكن إصلاح الضرر. وباتخاذ تدابير إضافية؛ يمكن التقليل من خطر وقوعه مرة أخرى.

Embed from Getty Images

لكن تغير المناخ يخلق ظروفًا تتجاوز هذه المعايير في كثير من الأحيان، وبدرجة أكبر بكثير من المعتاد. ستصبح بعض التغييرات دائمة، مثل ارتفاع متوسط ​​درجات الحرارة والرطوبة. وما كان يُنظر إليه سابقًا كحادث يقع مرة واحدة كل قرن، مثل الفيضانات، فإنه قد يصبح أمرًا معتادًا.

بعض هذه التأثيرات واضحة بجلاء. ستكون المنازل أكثر عرضة لارتفاع درجة الحرارة، مما يعرض حياة السكان للخطر، وهو ما حدث عندما هبت موجة حر شديدة سميت بـ«القبة الحرارية» على أمريكا الشمالية مؤخرًا. ستكرر الفيضانات أكثر، وتغمر مناطق أوسع، لدرجة أنها قد تجبر الناس على هجرة بعض الأماكن. وهذا قد يكون بالفعل مصير قرية فيربورن الساحلية في ويلز. وقد سلط تقرير صدر مؤخرًا عن لجنة تغير المناخ في المملكة المتحدة الضوء على الفشل في التعامل مع هذين التهديدين.

ستكون هذه التأثيرات إلى حد ما محلية النطاق، وقابلة للاحتواء، ويمكن علاجها بإجراءات بسيطة نوعًا ما. على سبيل المثال، يمكن تقليل الحرارة الزائدة عن طريق تظليل النوافذ بالمظلات أو الستائر، والاهتمام بالعزل والتهوية الجيدة. لكن ربما يكون الأمر الأكثر إثارة للقلق هو: الآثار الخفّية لتغير المناخ التي تقوض الوظائف الأساسية للمبنى تدريجيًّا. 

النمل الأبيض وذوبان الأسفلت

ستؤدي الرياح والأمطار الشديدة إلى تآكل الكسوة الخارجية للمبنى بسرعة أكبر، وزيادة وتيرة حدوث التسرُّب. وستؤدي درجات الحرارة المرتفعة إلى توسيع النطاق الذي يمكن أن تعيش فيه بعض الحشرات. ومن ذلك: النمل الأبيض آكل الخشب، الذي يمكن أن يتسبب في أضرار هيكلية كبيرة، أو البعوض الحامل للملاريا، الذي يتعين إعادة تصميم أماكن المعيشة لحمايتنا منه.

فنون

منذ سنة واحدة
«ملكة المنحنيات».. أفضل 13 عملًا معماريًّا من تصميم زها حديد

تتمدد المواد حين تزداد درجة حرارتها، خاصة المعادن، مما قد يتسبب في انثنائها بمجرد تجاوز درجة الحرارة التي صُمِّمَت لتحملها. يستشهد التقرير باهتزاز ناطحات السحاب في مدينة شنتشن الصينية مؤخرًا؛ بسبب ارتفاع درجات الحرارة، مما أدى إلى إخلائها، بعد تمدُّد الإطار الفولاذي بسبب الحرارة. يمكن أيضًا أن تتسبب درجات الحرارة الشديدة في ذوبان المواد المستخدمة في رصف الطرق، مما يؤدي إلى ما يسمى بـ«نزيف» الطرق؛ حين تصبح الطبقة السطحية المكونة من البيتومين رقيقة.

من المتوقع أيضًا أن يحدث هبوط – عندما تنهار الأرض أسفل هيكل المبنى، مما يؤدي إلى تصدعه أو انهياره – في كثير من الأحيان حين ترتفع درجات الحرارة. أما المباني المبنية على أساسات فوق تربة طينية فهي أكثر عرضة للخطر، إذ تنتفخ التربة عندما تمتص الماء، ثم تتصلب وتنكمش عندما تجف. سيؤدي تغيير أنماط هطول الأمطار إلى تفاقم هذا الخطر. وعلى مدى الخمسين عامًا القادمة، على سبيل المثال، ستتأثر أكثر من 10% من العقارات في بريطانيا بالهبوط الأرضي.

سرطان الخرسانة

ربما يكون مصدر القلق الأكبر هو: كيفية تأثير تغير المناخ على الخرسانة المسلحة، وهي واحدة من أكثر المواد استخدامًا على وجه الأرض. تُستخدم الخرسانة المسلحة في كل شيء، بدءًا من ناطحات السحاب والجسور إلى أسكفات نوافذ المنازل (الجزء الخرساني الذي يوضع فوق إطار النافذة أو الباب). 

وعلى الرغم من متانة الخرسانة المسلحة المدعومة بقضبان فولاذية، فإن المناخ الأكثر سخونة ورطوبة قادر على إلحاق الضرر بهذه المادة على متانتها. فعندما يتسرب البلل إلى الفولاذ الموجود داخل الخرسانة، فإنه يصدأ ويتمدد، مما يؤدي إلى تكسير الخرسانة وإضعاف هيكل المبنى، وهو ما يشار إليه أحيانًا باسم «سرطان الخرسانة».

Embed from Getty Images

المباني الموجودة في المناطق الساحلية هي الأكثر عرضة لهذا النوع من الضرر؛ لأن الكلوريد الموجود في المياه المالحة يُسَرِّع عملية الصدأ. وسيؤدي ارتفاع منسوب مياه البحر إلى رفع منسوب المياه الجوفية وجعلها أكثر ملوحة، مما يؤثر في أساسات المباني، كما تتسبب الرياح القوية إلى زيادة تناثر رذاذ الملح. 

في الوقت نفسه، تتأثر الخرسانة بـ«الكربنة»، وهي عملية يتفاعل فيها ثاني أكسيد الكربون الموجود في الهواء مع مادة الأسمنت لتشكيل عنصر كيميائي مختلف، هو: كربونات الكالسيوم. هذا يقلل من الأس الهيدروجيني (درجة الحموضة، ويرمز لها بالرمز pH وهي القياس الذي يحدد ما إذا كان السائل حمضيًا أم قاعديًا أم متعادلًا) للخرسانة، مما يجعل الفولاذ أكثر عرضة للتآكل. منذ خمسينيات القرن الماضي، زادت المستويات العالمية لثاني أكسيد الكربون من حوالي 300 جزء في المليون إلى أكثر من 400 جزء في الغلاف الجوي. وزيادة نسبة ثاني أكسيد الكربون يعني زيادة معدل الكربنة.

يستشهد التقرير بالمبنى السكني الذي انهار مؤخرًا في ميامي بالولايات المتحدة، ويعدُّه جرس إنذار مبكر للحذر من تسارع هذه العملية. في حين أن السبب الدقيق للانهيار لا يزال قيد التحقيق، يشير البعض إلى أنه قد يكون مرتبطًا بتغير المناخ.

مجتمع

منذ سنة واحدة
«الجارديان»: مبانٍ مهجورة ومُهدَّمة.. كيف فقدت القاهرة تراثها المعماري؟

وسواء ثبتت العلاقة بين تغيُّر المناخ وانهيار المبنى أم لا، فإن الحادث في حد ذاته يعد تذكيرًا بمدى هشاشة مبانينا، على حد قول الكاتب. ويتعين النظر أيضًا إلى هذا الحادث باعتباره دليلًا دامغًا على حقيقة حرجة هي: أن الثروة لا تحمي من آثار تغير المناخ. 

صحيح أن الدول الغنية تمتلك النفوذ المالي للتكيف أسرع مع هذه التداعيات وتخفيف آثارها، لكنها لا تستطيع إيقافها كبح جماحها تمامًا. ذلك أن تغير المناخ عشوائي. والمباني معرضة لهذه التأثيرات بغض النظر عن موقعها في العالم، بل إن المباني الحديثة الموجودة في البلدان المتقدمة تحتوي على مواد يمكن أن تتدهور أكثر من الهياكل التقليدية الأبسط.

يختم الكاتب مقاله بالقول: الخيار الوحيد هو البدء في تكييف المباني لتلبية المعايير المتغيرة في البيئة التي تتواجد فيها. وكلما أسرعنا في تعديل المباني الحالية، وإنشاء مبانٍ جديدة يمكنها مقاومة تغير المناخ، كان ذلك أفضل.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد