يبدأ الصحافي نيك روميو الكاتب في صحيفة «ديلي بيست» مقاله بتساؤل مهم عن نسبة الأشخاص الذي يصرفون أوقاتهم في أعمال لا معنى لها، وفي استفتاء حديث في بريطانيا يشير أنّ 37% من العاملين يعتقدون أنّ أعمالهم لا تعود بأية فائدة لمجتمعاتهم، أجرى الكاتب مقابلة مع عالم الأنثروبولوجيا ديفيد جريبر حول أفكار إصداره الجديد «الأعمال الفارغة»، كتاب يعرض فيه أسباب ظاهرة الأعمال الفارغة، وكيف من الممكن تخطي هذه الظاهرة.

روميو: ذكرتَ خمسة أنواع للأعمال في إصدارك الأخير، وكان من الواضح وجود التجانس الداخلي لهذه الأعمال، فهلّا أخبرتنا عن هذه الأنواع؟

جريبر: نتج عن بحثي خمسة تصنيفات لأنواع مختلفة من الأعمال، واعتمدت في بحثي على مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، وذلك لصعوبة العمل على إثنوغرافيا تصنف هذه الأعمال، وانطلقت في البحث بتوجيه سؤال إلى متابعيّ، وهم 68 ألفًا على «تويتر»، وكان السؤال كالتالي: أي عمل كان بالنسبة لك الأكثر تفاهة؟ استقبلت إجابات متباينة، وتواصلت بشكل شخصي مع بعض الحسابات؛ للاستفاضة وطلب التوضيح، وتوصلت لخمسة أنواع رئيسة من الأعمال.

أول نوع هم «الإمعات»، وهدف عملهم هو إظهار الآخرين بشكل لائق، ويعتبر موظف الاستقبال مثالًا على هذا النوع، وذكرت في كتابي موظف استقبال يتلقى يوميًا مكالمة هاتفية واحدة فقط، والسؤال الذي راودني: لماذا لا يمكن للمدير استقبال المكالمة بشكل مباشر؟ واكتشفت أنّ السبب بسيط؛ أنّ اللباقة المهنيّة لا يمكن أن تكتمل للمؤسسات بدون موظف الاستقبال، وسبب آخر هو أنّ مكانة المسؤول التنفيذي تُقدَّر بعدد الموظفين الذين يعملون في شركته؛ فكلمّا زاد عددهم زادت مكانته الاجتماعية في سلمه المهني.

النوع الثاني هم «المقلدون»، ووجود وظائفهم سببه وجود مناصب مشابهة في مؤسسات أخرى. يعتبر وجود محامٍ لكل مؤسسة من الأعراف السائدة، حتى مع انعدام الحاجة لهذا المحامي، ومثالٌ آخر على المقلدين: المسوقون عبر الهاتف «Telemarketers» – في العادة – لا تحتاجهم الشركات، إلا إذا كان منافسوهم يُسوقون عبر الاتصالات المباشرة. تلقيت بريدًا إلكترونيًا من شخص يعمل في مجال الوسائط المتعددة والرسوم المتحركة «Special effect»، يقول إنّ 95% من عمله هدفه تجميل المظهر الخارجي للمشاهير، من تلميعٍ أسنانهم، وتحسين أجسادهم، ويذكر عمله شعوره بالتقليد الأعمى، ورسمه صورة للناس مختلفة عن الواقع؛ مما قد يعدمهم الثقة بأنفسهم.

النوع الثالث هو «المُرقعّون»، وعمل هؤلاء ترقيع المشاكل التي تواجه المنظمات. بدلًا عن إصلاح عطلٍ ما في المؤسسة باستئجار خبير في مجال العُطل، يكلّف المدير أحد الموظفين لإصلاح المشكلة بهدف التوفير المالي، فمثلًا العمل على ترجمة نصٍ أو كتابة رمز برمجي مجانًا، ولكنّ بعدها عليك تعيين أحدهم لإصلاح العمل والإشراف عليه، وأضاف: مثال لهذا النوع هو شخص فقير في جامعتي كل عمله هو الاعتذار عن أنّ النجّار لم يستطع المجيء لإصلاح رفوف مكتبي، في هذه الحالة؛ ما عليك سوى فصل هذا الشخص وتعيين نجّار آخر.

النوع الرابع من الأعمال «ملء الحقول»، يُصرف الكثير من الوقت في المجال الأكاديمي، في التقييم، والرصد، وتقديم الاقتراحات وغيرها من الأعمال المكتبية والإدارية، بدلًا عن التركيز على ما علينا حقًا العمل عليه. ملء الحقول عبارة عن طقوس عمليّة تزيل التركيز عن العمل الحقيقي.

النوع الخامس والنهائي هو «سيد المهّام»، وهو الشخص الذي يقوم بالإشراف المُقفر، وأخُبروني بعض الأشخاص أنهم يعملون في طبقة الإدارة الوسطى، وليس لأعمالهم أي فائدة مرجوة، وأدركوا عدم حاجة الموظفين لإشراف مستمر لتنفيذ مهامهم، وفي غالب الأمر تقل إنتاجية الموظف بسبب هذا النوع من الإشراف.

مما أعجبني في كتابك قدرتك على تفنيد دوجمائيات السوق الحرّة. يقترح الكثير من الناس علاجًا لهذه الدوجمائيات بتحرير السوق من المدارس الاستشارية للأعمال، ولكنّك ذكرت في كتابك أن وجود هذه المدارس هو نتاج دوجمائيات السوق الحرّة نفسها.

جريبر: أثبتت التجارب أن السوق الحرّة مليئة بالأعمال الفارغة؛ وذلك بسبب ما أسميته بـ«القانون الحديدي لليبرالية»، وينص القانون على أن أي محاولة لتقليل البيروقراطية، سينتج عنها مزيد من الإجراءات والأوراق، ومن الإحصاءت الهامة ما بين عام 1991 و2002، عندما بدأت روسيا بخصخصة اقتصادها، ارتفع عدد موظفي الخدمة المدنية بنسبة 25%، وبالتالي زادت البيروقراطية عما كانت عليه في فترة الاتحاد السوفيتي.

ما سبب حدوث هذا الشيء؟

جريبر: يهيمن على سلوك السوق الحرة منطق التعداد، حتى مع الأمور التي من الصعب إخضاعها لمنطق التعداد، وأجبر زوال الثقة بين الناس توثيق كل عمل بشكل رسمي ومكتوب، فزاد من تعقيد المشكلة.

أعتقد أنّ عالم الاجتماع الفرنسي إيميل دوركايهم، أنّ المجتمعات القديمة، بتجمعاتها المختلفة، وتمتعها بالثقة إلى حد كبير فرضت نوعًا من الأعراف وشكلت عقدًا إجتماعيًا مختلفًا عن اليوم. الأعراف الموجودة في السوق اليوم لا تمنع أحدًا من النهب إن لم يكن الشيء موثقًا، ونتج عن هذا السلوك زيادة في القوانين، وبالتالي زيادة في المحامين، فارتفع عدد الحاجة لموظفي البيروقراطية.

تعجبّت لملاحظتك العلاقة العكسية بين البدلات المالية والضمان الاجتماعي، والتي عادة ما تُوفر من جهات العمل، وذكرت مثالًا لمعلّمة حضانة لم تستطع الاستمرار في عملها بسبب ضائقة مالية، فاضطرت العمل كإدارية في مجال الرعاية الصحية، ولم تستطع التأقلم نفسيًا مع طبيعة العمل، فكرهت نفسها، كيف ولماذا وصلنا إلى درجة أننا لا نستطيع التوفيق بين العمل المُفيد ووجود عائد مادي مريح؟

جريبر: يوجد فكرة أنه إن كنت تعمل في مهنة لسبب آخر غير تجميع الأموال، فمن المذموم أن يقدم لك الكثير من المال. يحتفل المحافظون في بريطانيا بإقرار منع زيادة الرواتب للممرضين، والشرطة، وسائقي القطارات أو حتى المُسعفين، ومع إدراكنا جميعًا أن هذه المهن تقدم خدمات ضرورية للمجتمع. لدينا في بريطانيا ممرضون يأخذون الطعام من الجمعيات الخيرية، بالمقابل لا يقطع المحافظون الزيادة المالية عن العاملين في البنوك، ويبدو من كل هذا أن استراتيجيتهم في الأزمات المالية هي أذية أصحاب الأعمال المفيدة، ولكن ما هو المنطق من هذه السياسة؟

يدفع بعض الناس ضريبة الإيثار، فإن كنت معلمًا، يقال عادة: «أنت هنا ليس من أجل المال ولا يجب عليك طلب مبلغ كبير»، ردة فعل السوق والمجتمع لهؤلاء الناس غير ملائمة تجاه أصحاب المهن المفيدة والراغبين في العيش كطبقة متوسطة في المجتمع.

هل لكَ أن توضح الفروقات بين الأعمال الفارغة والأعمال القذرة؟

جريبر: عادة ما يكون عائد الأعمال الفارغة المادي كبير، كما أنّها تمنحك مكانةً اجتماعيةً رفيعةً، ولكنّها تشعر صاحبها بالذنب، فالجميع يعاملونهم باحترام، وكأنهم يعملون عملًا عظيمًا، ولكنهم الوحيدون المدركون أنهم لا يعملون عملًا ذا معنى. الأعمال القذرة على العكس تمامًا، لو كنت موظفًا للنظافة في جامعة، لا تُعامل باحترام، ولكنّ إن لم تقم بعملك، فالجامعة ستصبح في أزمة كبيرة؛ لأنّ عملك ينفع الناس. أحد المهن المعبرة عن هذه الحالة هو الطبيب، من الصحيح أن الأطباء مفيدين، وعائدهم المادي جيد جدًا، ولكنّ عملت على بحث بسيط، ووجدت أن 80% من التطورات الصحية في القرن الماضي هي بسبب النظافة، ولربما 20% بسبب عمل الطبيب. إذا كان هذا هو الحال، فعمال النظافة يطورون الصحة أكثر من الأطباء، ومع ذلك فهم لا يتشاركون نفس العائد المادي.

شعرت بالفضول بثقتك في تجارب الناس الذاتية كمؤشر على رضاهم عن الأعمال. ما الذي يجعل محاميًا لمؤسسة ما يقول «أنا أحب عملي، فهو يجعلني أشعر بالرضا ويمنحني المعنى»، هل تكون سبب هذه المقولات الوعي المزيف، أم أن هناك احتمالية الشعور بالرضا حتى وأنت تعمل عملًا فارغًا؟

جريبر: الرضا لا يساوي المعنى، وفقًا لما وجدت، فإنّ 6% من الناس يشعروا بالسعادة مع اعتقادهم أن أعمالهم فارغة. الأسباب كثيرة لحدوث هذا الشيء، ولا يمكن قياس هذه المشاعر بشكل موضوعي؛ فسؤال الناس بشكل مباشر هي الطريقة لدراسة هذه الظواهر. يذكر أحد العاملين في قسم الكفاءة في أحد البنوك أنّ 80% من العاملين في البنوك يمكن الاستبدال بهم بآلات، ويذكر أنه يوجد 20% من هؤلاء الـ80% مدركين أن أعمالهم غير مفيدة.

يبدو أنّ سبب آمال الناس هو عدم إدراكهم بجدوى أعمالهم.

جريبر: أظن أن من أهم المبادئ التي يركز عليها الكتاب هو أن الناس أذكى وأفضل مما نظن، نتعلم من الاقتصاد المنطق التهكمي، هو أنّ الناس يسعون وراء جلب المزيد من المصادر، وتصبح السلوكيات المنعكسة عن هذا المنطق طبيعية، كما أنه يجعل الأشخاص يسعون إلى مكتسبات أكثر بأقل المخرجات الممكنة، وكأنّنا جميعًا نريد الحصول على كل شيء مقابل لا شيء إن كان هذا ممكنًا. وعلى الرغم من ذلك، إلا أنّ إصرار بعض الأشخاص على الأعمال المفيدة والمتعبة، مع وجود عائد مادي ضئيل، يبين لنا أن الناس أكثر وعيًا وحيوية مما نظنهم.

لماذا تظن أننا عُلِّمنا النظر إلى الناس بعين التهكم والشك؟

جريبر: إنها فلسفة السيطرة وأسلوب تحكم النخب بالقوى الاقتصادية، أُخبرنا أن المجتمع لا يعمل بالمبادئ الاشتراكية، وأُخبرنا أنها يوتوبيا، وأنّ الرأسمالية تعمل لأنها انعكاسٌ لطبيعة البشر السيئة. أظن أننا لو قررنا مساعدة الجميع سنفعل. وحتى لو وضع العالم الآن منظومة أعمال تعود بالمنفعة على الجميع وتخلق أعمالًا مفيدة، سيخرج لك الكسالى، وآخرون يعتقدون أن أعمالهم غير مفيدة، ولكنّ 40% من الأشخاص الذي يظنون أنهم يعملون عملًا غير مفيد، سيصبح عملهم أكثر متعة بالنسبة لهم.

اكتشاف النظريات العلمية أو الأدب والموسيقى لا يحتاج لأكثر من نسبة واحد إلى مليون. هل تلاحظ عدم ظهور أي فرقة موسيقية بريطانية بارزة آخر 20 سنة؟ السبب هو منطق السوق، في الستينات كان أصحاب الفرق الموسيقية عملهم الوحيد هو الموسيقى، اليوم من يريد أن يصبح كجون لينون عليه البحث عن عمل، أعد مبدأ الدعم العام، ولاحظ كيف أن الأطفال سيبدأون بتأليف الموسيقى مرة أخرى.

المغني الإنجليزي الشهير جون لينون – مصدر الصورة 

هل لهذا أنهيت الكتاب بتأييد مبدأ الدخل الأساسي العالمي؟

جريبر: تمامًا؛ لأنك إن دعمت الناس بدخل أساسي، حتى إذا جاءتك ملايين من النظريات العلمية المجنونة، فستكون هنالك نظرية واحدة عائدها أكبر نفعها أكبر من ملايين النظريات، نفس المنطق في الموسيقى، ونفس المنطق في أي شيء.

ذكرت أن طبيعة العلاقة بين الوقت والمال، علاقة جديدة وليست طبيعية، هل لكَّ باختصار توضيح الفروقات عندما تُقاس المهمة بالنسبة للوقت، وعندما يُقاس الوقت بالنسبة للمهمة، وما علاقة هذا بالأعمال الفارغة؟

جريبر: قديمًا كان الوقت يُقاس بالعمل، وليس العكس. والآن أغلب مقولاتنا تضع الوقت مركزًا للقياس، ومن الصعب قياس العمل بالوقت. السبب في هذه الفكرة هي أبراج الساعة، والاستثمار الهائل من قبل تجار القرون الوسطى في إنشاء هذه الأبراج، كل هذا ساعد في إعادة تعريف الوقت بشكل ميكانيكي بحت، وكانت الثورة الصناعية سببًا رئيسًا في انتشار الساعات، وساعات الجيب. وبشكلٍ تدريجي ساعد هذا في سهولة قياس العمل بالنسبة للوقت، وأصبح الوقت قابلًا للقياس بشكل مستقل عن العمل. كل هذا دفع بفكرة أنّ ضياع الوقت يعتبر خطيئة كبيرة، وأنّ العائد المادي يتم قياسه بالنسبة لعدد الساعات.

يبدو أنها من الأفكار المحورية التي أدت في ظهور الأعمال الفارغة، كحكاية عملك في أحد المطاعم الإيطالية، عندما كان يطلب منك المدير تنظيف الأراضي الخشبية كل فترة، حتى وإن كانت الأرضية نظيفة. لا يمكن للمدير تقبل فكرة أنه يدفع لك مرتبًا وأنت جالس لا تعمل شيئًا.

جريبر: هذا صحيح، ولذلك فإن الأعمال الفارغة مؤذية، فيجب عليكَ التظاهر بالإنشغال المستمر، وحتى وإن كنت في الواقع لا تملك عملًا تعمله، إلا إذا كان مديرك لطيفًا.

ما نصيحتك التي تقدمها للناس الذين يجدون أنفسهم في الأعمال الفارغة؟

جريبر: إنّ استطعت الاستفادة من العمل لشيء مختلف وأكثر فائدة لك، فافعل. ولكنّه من الصعب عليك فعل ذلك، ذكرت في الكتاب قصة شخص يعمل في أحد الأعمال الفارغة في تسويق الأدوية، ويقوم هذا الشخص في الأوقات الأخرى بالعمل على أبحاث طبية مستفيدًا بعمله السابق، إن استطعت فعل ذلك فهذا عظيم، وإن لم تستطع فلم تلوم نفسك؟ فالموضوع صعب جدًا. نصيحة أخرى: لا تلم الأشخاص الذي يملكون أعمالًا حقيقيةً.

لقد كان من المذهل قراءة كتابك بعد كتاب ستيفن بينكر «وقت التنوير». لقد قدم في كتابه جميع الدلائل على أن الإنسانية تزيد ازدهارًا، ويقل فيها معاناة البشر.

جريبر: أولًا: معظم الإحصاءات تطبخ طبخًا، وكل ما يتم تناوله حول نقص نسبة الفقر في العالم محلٌ للشك. وهذا ليس ما تسمعه من سُكان العالم الثالث، ومن الواضح أنهم فقط أعادوا تعريف الفقر، وبناءًا على التعريف قاموا بهذه الإحصاءات. ولكن بشكل عام بالتأكيد نسبة الفقراء في انخفاض، وقرأت مرة أن 49% من الأمريكان يعانون من الأمراض النفسية في حياتهم، وخاصة مرض الاكتئاب، الدُول التي تجعل نصف سكانها مجانين، فهي تنتهك المبادئ الأساسية للطبيعة الإنسانية.

يفقد الاكتئاب الناس المعنى والغاية، ويفقدهم الشعور بالحماسة تجاه أي شيء، كالشعور عندما تملك عملًا فارغًا، خلُو الأعمال من المعنى بازدياد، والإحصاءات الدالة على هذه الظاهرة كبيرة، فهل وجود هذه الظاهرة سبب كافٍ لتفسير وجود الاكتئاب عند عدد كبير من الناس؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!