لطالما آمن كثير من الناس بأن الاكتئاب يتناسب طرديًّا مع التقدم العلمي والاجتماعي في أي دولة، واستعانوا في ذلك بإحصائيات لحالات الانتحار السنوية المتزايدة في عديد من الدول المتقدمة، بالرغم من توفر سبل العلاج للمرضى النفسيين وشبكات الدعم لهم في تلك الدول.

تطيح الكاتبة تينا روزينبرج بهذه النظرية في مقالها بصحيفة «الجارديان» البريطانية، مستعرضةً تاريخ النظرية الشهيرة والمروجين لها، وحقيقة وضع الصحة النفسية في الدول الفقيرة والنامية.

مترجم: الاكتئاب الشديد قد يعرّضك للإصابة بـ20 مرضًا مختلفًا!

فيكرام باتل.. الهندي الذي غير نظرة العالم إلى الاكتئاب

عندما بدأ فيكرام باتل في دراسة علم الصحة النفسية، آمن بأن الاكتئاب لا وجود له إلا في الدول الثرية، ولكنه اليوم أصبح أحد أكثر الشخصيات تأثيرًا في الحركة العالمية المتنامية لعلاج الأمراض النفسية في الدول الفقيرة، وبخاصة أكثر هذه الأمراض النفسية شيوعًا، وهو الاكتئاب.

تستعرض تينا نشأة باتل، الذي ولد في مومباي، وأنهى فترة تدريبه طبيبًا نفسيًّا في لندن عام 1993، وانتقل هو وزوجته إلى العاصمة الزيمبابوية هراري، للمشاركة في زمالة بحثية، مدتها عامان، تابعة للجامعة الوطنية هناك.

وتمثلت غايته في أن يجد دليلًا يدعم رأيه، لتنتشر نظريته فيما بعد على نطاق واسع بين الأطباء النفسيين، وكان مفادها أن ما بدا اكتئابًا في الدول الفقيرة، كان في حقيقة الأمر رد فعل على البؤس والظلم، الناتجين عن الأوضاع التي خلفها الاستعمار. ووفقًا له، كان الحل في هذه الحالات يتمثل في الحصول على العدالة الاجتماعية وليس على العلاج النفسي.

بدأ باتل عمله بعقد لقاءات مع المجموعات المستهدفة من ممارسي الطب التقليدي، ومع آخرين ممن كان لهم اهتمام بمن يعانون من المرض النفسي، ومن ثم مع المرضى أنفسهم. سألهم عما يعرفونه عن المرض النفسي وعن مسبباته وكيفية علاجه، وكان أكثر الأمراض شيوعًا ما عرف في لغة «الشونا»، اللغة المحلية لشعب زيمبابوي، بـ«كوفونجسيسا – kufungisisa»، ومعناه القلق المفرط بشأن مشكلة ما.

أكد كثير من المعالجين الذين شاركوا في هذه اللقاءات أن هذا المصطلح لا يشير إلى علة، بل بالأحرى إلى ردة فعل تجاه ضغوطات الحياة، كالفقر والمرض، وهنا تأكد باتل من صحة نظريته، وجاء الأمر مطابقًا لتوقعاته: منشأ المعاناة النفسية في زيمبابوي هو الظلم الاجتماعي.

ولكن بسؤاله للمرضى عن شعورهم تجاه هذه الكلمة، كانت إجاباتهم مألوفة. فمهما كان الاسم الذي أطلقوه على هذا الشعور، أو ما عدوه مسببًا أو علاجًا له، كان ما ذكروه من شعور باليأس والاستنزاف والعجز عن التصدي للمشاكل وفقدان الاهتمام بالحياة، من العلامات الكلاسيكية للاكتئاب.

وأوضح باتل أن الأعراض التي كشفوا عنها هي الأعراض ذاتها التي كشف عنها مرضاه في جنوب لندن.

نتائج صادمة.. الأمراض النفسية هي السارق الأكبر للحياة الإنتاجية

كانت نظرية باتل التي مفادها أن الاكتئاب ظاهرة غربية فريدة أبعد ما تكون عن الواقع، فقد قاده بحثه الذي أجراه في زيمبابوي إلى استنتاج مفاده أن الاكتئاب تجربة إنسانية أساسية.

وأوضح الباحث والطبيب النفسي أن الطبيعة الأساسية للألم العاطفي لا تختلف كثيرًا عن طبيعة الألم الجسدي، وأن الاختلاف الوحيد بينهما يكمن في طرق الناس في التماس المعونة، ولكن عدا ذلك يختبر الناس هذه المشاعر بالكيفية ذاتها.

وفي أثناء وجود باتل في زيمبابوي، كان البنك الدولي في واشنطن بصدد تنفيذ مشروع بارز سيحدث تحولًا ملموسًا للصحة العالمية، ستُستخدم فيه بيانات المرضى –للمرة الأولى– لاتخاذ قرارات بشأن الوقاية من الأمراض وعلاجها في جميع أنحاء العالم.

ولكي يجد مسؤولو البنك أفضل السبل لتخصيص المعونة الدولية لذلك المشروع، قرروا أنهم بحاجة لمعرفة ما يعاني منه البشر، ما الذي يقتلنا ويمرضنا ويمنعنا من الاستمتاع بحياتنا استمتاعًا كاملًا.

للمرة الأولى، ذهب الباحثون إلى ما هو أبعد من الموت، للكشف عن مسببات المرض والإعاقة على الصعيد العالمي.

وبتحليل بيانات جمعت قبل ذلك بثلاث سنوات من مختلف أنحاء العالم، نشر باحثون دراسة في عام 1990 سميت بـ«عبء المرض في العالم» (تجري باستمرار عمليات مسح مماثلة، يشارك فيها آلاف الباحثين).

صدمت نتائج هذه الأبحاث الأطباء وواضعي السياسات على حد سواء، ففي السابق كان ما تتبعته مشروعات كهذه هو الموت، وليس المرض. وعلى الرغم من أن كثيرًا من الوفيات تنجم عن المرض النفسي، فإنه لم يدرج قط كسبب للموت في شهادات الوفاة، وعليه فإنه بالكاد يكون مقيدًا في التقارير السابقة.

Embed from Getty Images

الآن، وللمرة الأولى، ذهب الباحثون إلى ما هو أبعد من الموت، للكشف عن مسببات المرض والإعاقة على الصعيد العالمي.

واكتشفوا أن الاضطرابات النفسية هي المسبب الرئيسي على الإطلاق للإعاقة في جميع أنحاء العالم، وبالتحديد أكثر هذه الاضطرابات شيوعًا، وهي الاكتئاب والقلق، اللذين تسببا في سُبع حالات الإعاقة في العالم. في أفقر الدول وفي أغناها، وفي كل طبقة اجتماعية واقتصادية بينهما، كانت الأمراض النفسية هي السارق الأكبر للحياة الإنتاجية.

تقول الكاتبة إن تبعات ذلك كارثية؛ فقد حظي المرضى في جنوب لندن بفرصة للذهاب إلى أطباء أو أخصائيين نفسيين، إلا أن العلاج الذي عادة ما كان يوصف لمن يعانون من الاكتئاب في الدول الأكثر ثراءً، كان بعيدًا تمامًا عن متناول مئات الملايين من الناس ممن يحتاجونه. ففي واقع الأمر، ما تنفقه الدول الفقيرة على الصحة النفسية يكاد يكون منعدمًا.

باتل، الذي يحاضر الآن في ساحة بيرشينج لكونه أستاذًا للصحة العالمية في كلية الطب بجامعة هارفارد، أوضح دهشته إزاء اكتشافه لوجود عشرة أطباء نفسيين في زيمبابوي، ثمانية منهم اتخذوا من العاصمة هراري مقرًا لهم، وثمانية منهم أيضًا كانوا، حسبما أوضح باتل، من الأجانب مثله.

أمضى هؤلاء الأطباء وقتهم في معالجة المرضى ممن كانوا على درجة من الثراء تمكنهم من تحمل مصاريف العلاج. وكان الأمر مماثلًا في الدول الأخرى الفقيرة، ففي عام 2005، ذكرت منظمة الصحة العالمية أن عددًا من الدول، من بينها أفغانستان ورواندا وتشاد وإريتريا وليبيريا، لم يتوفر لديهم سوى طبيب نفسي أو اثنين فقط في الدولة بأكملها.

وبالرغم من أن باتل أبدى مخاوفه إزاء استحالة عملية تدريب عشرات الآلاف من العاملين التقليديين في مجال الصحة النفسية، فقد لاح في الأفق حلٌّ أكثر جذرية.

في الدول الفقيرة لا يعانون من الاكتئاب وحده

في الجانب الأكبر من القرن العشرين، أشاع الأطباء والمنظرين الثقافيين والعاملين في مجال الصحة النفسية، الرأي الذي مفاده أن الصحة النفسية تقتصر فقط على الغرب الأكثر ثراءً. وكان جيه سي كاروثرز، الذي يعمل طبيبًا نفسيًّا وخبيرًا استشاريًّا في منظمة الصحة العالمية، ممثلًا لأحد الفروع النمطية لهذا المعتقد.

وفي عام 1953 نشر أطروحة ذات تأثير عن «العقلية الأفريقية»، وذكر فيها أن سكان القارة كانوا يفتقرون إلى موجبات الاكتئاب، وهي النمو النفسي والشعور بالمسئولية الشخصية.

حتى في أواخر التسعينيات ظلت صور أخرى من هذا النوع من التفكير قائمة، وفي الولايات المتحدة الأمريكية دار نقاش محتدم حول ما إذا كانت محفزات الاكتئاب في الدول الأكثر ثراءً، لها التأثير ذاته في فقراء العالم، حسبما ذكرت ميلاني عباس، وهي محاضرة جامعية في مجال الصحة النفسية العالمية في معهد الطب النفسي وعلم النفس وعلم الأعصاب في الكلية الملكية في لندن.

ذكر مناهضو الاستعمار أن تسمية ما يبدو اكتئابًا بالمرض النفسي الذي يحتاج إلى علاج، هو فعل صادر عن الهيمنة الثقافية الغربية، التي تقوم بتطبيب التجارب التي لا تعد أمراضًا، التي تعاملت معها الثقافة المحلية بشكل رائع، بحسب وصفهم.

كان موقف المتشككين بالنسبة إلى ميلاني أشبه بالمفهوم السائد، بأن الأسرة التي تملك سبعة أطفال لا تحزن لوفاة واحد منهم بالقدر ذاته الذي تحزن به أسرة تملك عددًا أقل من الأطفال.

ومن الغريب أن كثيرًا من الناس من ذوي التوجه اليساري، كان لهم رأي مماثل بخصوص إنكار الحاجة إلى العناية بالصحة النفسية، بيد أنهم سلكوا طرقًا مختلفة لتكوين هذا الرأي.

وذكر مناهضو الاستعمار أن تسمية ما يبدو اكتئابًا بالمرض النفسي الذي يحتاج إلى علاج، هو فعل صادر عن الهيمنة الثقافية الغربية، التي تقوم بتطبيب التجارب التي لا تعد أمراضًا، التي تعاملت معها الثقافة المحلية بشكل رائع، بحسب وصفهم.

واعتقد آخرون أن الطبيعة المجتمعية القائمة على المشاركة والروابط الأسرية الأكثر قوة في الدول الفقيرة، هي ما حصنتهم ضد الاكتئاب، الذي عادة ما يرتبط بالوحدة والإجهاد والثقافة المادية للحياة الغربية.

لكن الكاتبة تشير إلى أنه يظل هناك من أقروا بوجود الاكتئاب في تلك المجتمعات، بيد أنهم ذكروا أن علاجه يعد رفاهية، فالناس الذين لا يمتلكون طعامًا أو مأوى، بالتأكيد لديهم أمورًا أكثر أهمية تستدعي قلقهم.

كان المغزى من كل هذه الآراء هو أن الناس في الدول الفقيرة لم يكونوا بحاجة إلى هذا النوع من الإرشاد النفسي، الذي عادة ما يوصف لمن يعانون من الاكتئاب في الغرب. والآن نعلم أننا في أمس الحاجة إليه.

هل يختلف الاكتئاب في لندن عن الاكتئاب في هراري؟

قضت ميلاني جانبًا كبيرًا من حياتها المهنية في زيمبابوي، وفي فترة التسعينيات عالجت المرضى في مستشفى الأمراض النفسية في هراري، وقبل ذلك، كانت قد وثقت انتشار الاكتئاب هناك على نطاق واسع.

Embed from Getty Images

وتناول جزء من بحثها العلاقة بين الاكتئاب ومآسي الحياة، فوجدت أن أحداثًا قاسية كموت طفل، كان من شأنها أن تصيب المرأة الفقيرة في هراري بالاكتئاب، مثلما تفعل مع نظيرتها اللندنية الثرية. وأوضحت ميلاني أن الفارق الوحيد بين المرأتين يكمن في أن الأولى تواجه أحداثًا كثيرة مشابهة لهذه على مدار العام.

اعتقدت ميلاني، في الفترة التي سبقت عملها في زيمبابوي، أن الاكتئاب هو استجابة ملائمة للبلاء؛ فعندما يثمل زوجك ويضربك، أو عندما تتلف محاصيلك، أو عندما تكون عائلتك مشردة، أو عندما يكون أطفالك جائعون، بالطبع تشعرين حينها بالحزن، إلا أن ما تحتاجينه، بحسب اعتقاد ميلاني السابق، هو أن تعالجي أنت وأسرتك من إدمان الخمر، أو أن تحصلي على إعانة لشراء الأسمدة، أو الحصول على عمل مستقر، فلا دخل للعلاج النفسي بذلك، وفقًا لها.

الاكتئاب هو غيمة من الأفكار السلبية تضعف وتشل المريض بها؛ كي يعجز عن مواجهة الأحداث المؤلمة.

غير أن انخراط ميلاني في تلك المجتمعات كشف لها حقيقة غابت عنها، وهي أن الحزن هو الاستجابة الملائمة للشدائد، إلا أن الاكتئاب ليس كذلك، فعلى الرغم من وجود احتمالية كبيرة لإصابة كثير من الفقراء بالاكتئاب، ليست الغالبية العظمى منهم كذلك، ما معناه أن الفقر وحده لا يتسبب في الاكتئاب.

الاكتئاب هو غيمة من الأفكار السلبية تضعف وتشل المريض بها؛ كي يعجز عن مواجهة الأحداث المؤلمة. وتساءل باتل عن مدى السرعة اللازمة لتخطي هذه المشاعر المحزنة، كي لا تكتسب هذه المشاعر أثرًا مستقلًا في حياتك، وتمثل في حد ذاتها مشكلة بالنسبة لك.

وأضاف باتل: «إن اعترضت مشاعرك السلبية طريقك لإيجاد حل لمشكلتك، إن أثر الأرق على عملك، إذن فذلك يضاعف من مشكلتك أيًّا كان سببها».

علاج الاكتئاب خطوة لحل المشكلات الأخرى

الإعاقة التي يتسبب بها الاكتئاب، هي في الحقيقة أوسع نطاقًا مما ذُكر في البيانات الواردة في تقرير البنك الدولي الصادر عام 1993؛ لأن هذه الأرقام لم تقدر سوى التأثير المباشر للاكتئاب في الصحة، بيد أن للاكتئاب خسائر أخرى ضخمة وغير مباشرة.

يزيد الاكتئاب الأمراض الأخرى سوءًا، فمن يعانون من الاكتئاب هم أكثر عرضة للإصابة بأمراض أخرى، وأقل عرضة لنجاح العلاج الذي يتلقونه.

على سبيل المثال، لا يتلقى مرضى الاكتئاب علاجًا لفيروس المناعة البشرية (الإيدز)، ويكونون أقل مقدرةً على إعالة أسرهم أو العناية بالآخرين؛ فأطفال الأمهات اللاتي تعانين من الاكتئاب لا تتوفر لهم الرعاية الجيدة ويعجزون عن الازدهار.

لا يعد علاج الاكتئاب ترفًا، حسبما أوضحت تينا، فهو بمثابة خطوة أولى ضرورية لحل مشكلات أخرى. قد يُحدث التصدي للفقر تحسنًا بسيطًا في الصحة النفسية للأفراد، حسبما أوضحت كاري فريم، المديرة التنفيذية لبرنامج منظمة «عقول قوية»، التي تساعد النساء المكتئبات في أوغندا على علاج مرضهم، من خلال تشكيل مجموعات للمساعدة الذاتية. عدا أن التصدي للصحة النفسية غالبًا ما يؤدي إلى انخفاض ملحوظ في نسبة الفقر.

مترجم: 8 علامات تخبرك أن اكتئابك في طريقه للشفاء

في عام 2007، نشر باتل وعديد من الخبراء الآخرين، سلسلة من المقالات عن الصحة النفسية العالمية، وأحدثت هذه المقالات تغييرًا عميقًا في النهج المتبعة في العلاج في جميع أنحاء العالم.

تلك السلسلة التي نشرت في المجلة الطبية البريطانية الشهيرة «Lancet»، أثارت الانتباه إلى أن الأمراض النفسية تعاني من الإهمال والوصم، وأشارت إلى أوجه النقص الشديد في مجال الرعاية الصحية النفسية.

وهو ما كان، وما يزال، ساريًا في الدول الغنية، فعلى سبيل المثال، أكثر من نصف المواطنين الأمريكيين ممن يحتاجون إلى العلاج لا يتلقونه، أما في الدول الفقيرة، ففعليًّا لا أحد ينال العلاج الذي يحتاجه.

في البلدان الفقيرة والبلدان ذات الدخل المتوسط، كانت الميزانية المخصصة للعناية بالصحة النفسية أقل من 3% من نسبة الخدمات الصحية الضئيلة بالفعل. وخصصت معظم هذه الميزانية للمؤسسات التي تعمل على إيواء الأشخاص الذين يعانون من أمراض نفسية حادة مثل انفصام الشخصية.

عانت هذه المؤسسات باستمرار من نقص في العمالة، وأدارها عاملون تلقوا تدريبًا سيئًا، وخصصت هذه المؤسسات لاحتواء المرضى وليس علاجهم، واستخدمت فيها وسائل للعلاج غالبًا ما تصل إلى حد التعذيب. أما الاكتئاب والقلق فلم يكن لهم علاج على الإطلاق.

تأثير مقالات «لانسيت»

اعتزمت مقالات «لانسيت» على إحداث نمو هائل في مجال العناية بالصحة النفسية في جميع أنحاء العالم، فريتشارد هورتون، المحرر بمجلة لانسيت، حث الناس على الانضمام إلى حركة اجتماعية جديدة لتوفير رعاية صحية فعالة للفئات السكانية الأكثر عوزًا في العالم. «فقد حان وقت العمل» وفقًا لمؤلفي هذه المقالات.

Embed from Getty Images

كانت تكلفة تدريب الأطباء والإخصائيين النفسيين باهظة، وكذلك كانت تكلفة أجورهم؛ لذا صعُب على الدول الفقيرة الاحتفاظ بهم. فالعاملون في المجال الطبي، غالبًا ما يدرسون على نفقة حكوماتهم، ليهاجروا بعد ذلك إلى أوروبا أو إلى أمريكا الشمالية، لممارسة المهنة هناك.

لاحظ كتاب مجلة «لانسيت» أن أهم الاتجاهات السائدة في مجال الصحة العالمية، هو تحويل مهام الخبراء إلى عموم الناس. ففكرة الحصول على عاملين بمجال الصحة المجتمعية، يوفرون المعلومات والخدمات الصحية الأساسية في المجتمعات التي يعيشون فيها، لم تكن جديدة، ومثال على ذلك برنامج «الأطباء الحفاة» الذي نظمته الصين في أواخر الستينيات، إلا أن هؤلاء العاملين لم يلقوا احترامًا وتقديرًا لدى الناس.

ولكن تجدد الاهتمام بهم في مطلع الألفية، حين عكفت الدول النامية على تدريب وتسديد أجور ملايين العاملين في مجال الصحة المجتمعية (وإن كانت هذه الأجور ضئيلة)، وتمثلت مهامهم في تدريس علم التغذية ووزن الأطفال، ومعالجة الالتهاب الرئوي، وتنظيم الحملات، وتطهير المياه الراكدة.

لم يتصد العاملون في مجال الصحة لعلاج الاكتئاب، بيد أن باتل وزملاءه ذكروا عدم وجود ما يمنع هؤلاء العاملين من معالجته، فبرغم كل المعاناة التي يتسبب بها الاكتئاب، فقد اتضح أن تشخيص الكثير من نوبات الاكتئاب وعلاجها لم يكن صعبًا كما كان متوقعًا.

جلسات حل المشاكل العلاجية.. نقطة مضيئة في واقع مظلم

ولكي يتبين باتل بنفسه الدور الذي يؤديه العاملون في مجال الصحة للتصدي للاكتئاب، زار مدرسة سانتا كروز الثانوية في ولاية جوا الهندية. وفي عام 2016، جهزت مامتا فيرما طاولة وزوجين من الكراسي البلاستيكية في غرفة تخزين مزدحمة، وحددت لنفسها مواعيد ثابتة في صباحات الاثنين والأربعاء، لتقدم المدرسة المشورة لطلابها للمرة الأولى على الإطلاق.

منظمة «سنجاث»، التي يعني اسمها كلمة «معًا»، تدرس وتصمم وسائل لإتاحة الرعاية الصحية النفسية للجميع بأقل تكلفة ممكنة.

تنضح فيرما بالحنان والدفء. درست علم النفس بالجامعة، وكانت بصدد الحصول على شهادة الماجستير من خلال نظام التعلم عن بعد، إلا أنها لم تكن قد أصبحت طبيبة نفسية بعد، وكان هذا هو بيت القصيد، لأنها في حال كانت طبيبة نفسية، لم تكن لتعمل في غرفة تخزين بمدرسة ثانوية.

كانت فيرما تختبر برنامجًا جديدًا وضعته منظمة «سنجاث Sangath» التي اتخذت من جوا مقرًا لها، والتي أسسها باتل وستة من زملائه عام 1996.

منظمة «سنجاث»، التي يعني اسمها كلمة «معًا» في اللغة الكونكانية – اللغة الرسمية لولاية جوا– تدرس وتصمم وسائل لإتاحة الرعاية الصحية النفسية للجميع بأقل تكلفة ممكنة. عندما ينجح أحد البرامج، تقتطع فيرما جزءًا منه لترى كم بوسعه أن يكون مفيدًا دون التضحية ببعض نتائجه.

على سبيل المثال، إن تكللت ثمانية أسابيع من الاستشارة النفسية بالنجاح، فهل يحدث الأمر نفسه في ستة أسابيع؟ هل يمكن أن يحصل قادة الجلسات العلاجية الجماعية على أسبوعين للتدرب بدلًا من أربعة؟ إن تطلبت قيادة المجموعة العلاجية شخصًا حاصلًا على الشهادة الثانوية، فماذا عن عامل صحة محلي يقود هذه المجموعة بدرجة تعليمية أقل أو بدون درجة على الإطلاق؟ وإن كان المريض طفلًا، هل يمكن لذويه تعلم كيفية تقديم العلاج له؟

وبينما جلست تينا في غرفة التخزين الخاصة بفيرما، توافد عليهما الطلاب للتحدث عن شجاراتهم مع والديهم، وعن التنمر الذي يتعرضون له من زملائهم، وعن كيفية التحكم في الغضب، وعن المشاكل التي تخص مرحلتهم العمرية، وعن أوزانهم وبشرتهم وقدرتهم على التركيز، وعن الصعوبات التي يواجهونها في دراسة اللغة الهندية أو علم الرياضيات.

استخدمت فيرما في جلساتها مع هؤلاء الطلاب، كتابًا عمليًّا يتضمن بريانكا وأجاي، وهما شخصيتان روائيتان في سن المراهقة، تعانيان من الأمور المعتادة التي يعاني منها المراهقون. وطلبت فيرما من الطلاب أن يحللوا المشكلات التي واجهتها هاتان المراهقتان ويتوصلوا إلى حلول بإمكان هاتين المراهقتين تجربتها.

وفيما بعد طبق الطلاب هذه الأساليب على مشكلاتهم الخاصة، وعرفت هذه التقنية التي استخدمتها فيرما بـ«جلسات حل المشكلات العلاجية».

دور منظمة «سنجاث» في علاج الاضطرابات النفسية في الدول الفقيرة

تعد «سنجاث» منظمة البحوث الأكثر تأثيرًا على الإطلاق في مجال العناية بالصحة النفسية في الدول الفقيرة، يعمل بها 300 موظف وزميل، إلى جانب نشرها لعشرات الدراسات التي بين كثير منها الطفرة الحقيقة التي حدثت في مجال العناية بالصحة النفسية.

Embed from Getty Images

يتوافد الناس من جميع أنحاء العالم على المنظمة لتعلم استراتيجيات وأساليب معالجة أو الحد من حالات مثل اكتئاب ما بعد الولادة، ومشكلات الإفراط في الشرب، وانفصام الشخصية، واكتئاب كبار السن، والضغوط التي يعاني منها مرضى الإيدز والقائمون على رعايتهم، واكتئاب المراهقين والاضطرابات السلوكية.

يشارك أخصائيون نفسيون أمثال فيرما في وضع هذه التقنيات، ويستخدمون في علاجهم نسخة مشابهة لتقنية «جلسات حل المشكلات العلاجية» التي تطبقها.

مثالٌ على ذلك هو برنامج الأنشطة الصحية التابع لمنظمة «سانجاث»، فقد اضطلعت المنظمة بتدريب أناس عاديين لإعطاء ما يقارب من ثماني جلسات إرشادية أسبوعية للمرضى ممن يعانون اكتئابًا حادًّا.

وانصب التركيز في هذه الجلسات على مساعدة المرضى في التوقف عن فعل ما يشعرهم بالسوء تجاه أنفسهم، مثل البقاء في الفراش وإهمال النظافة الشخصية، وحثهم على القيام بأنشطة صحية، مثل التحدث مع الأصدقاء أو ممارسة الهوايات أو التنزه. ويطلب هؤلاء المرشدون من مرضاهم أن يفكروا في حلول ممكنة لمشكلاتهم، ثم يختاروا أفضل هذه الحلول ويجربوه.

يبدو الأمر بسيطًا للغاية، غير أنه بعد مرور ثلاثة أشهر، أظهر المرضى ممن شاركوا في هذا البرنامج قصير الأمد، احتمالية للشفاء تفوق نظرائهم ممن لم يشاركوا فيه بنسبة 64%.

وأوضحت ميلاني عباس، التي تعمل محاضرةً في معهد الطب النفسي، أنه بالرغم من أن الدور الذي لعبته منظمة سانجاث كان مؤثرًا، فإن النهج الذي اتبعته في التعامل مع الاكتئاب اقتصر تركيزه على حالات منفردة. وأضافت: «الاكتئاب بالنسبة إلى معظم الناس هو مرض مزمن، ولا أعتقد أن ما فعلوه كان كافيًا للتشديد على ذلك. يجب أن تحصل على العلاج عندما تكون في أسوأ حالاتك، ولكن ما هي الخطوة التالية في حال انتكست؟».

بالنسبة لكثير من المرضى في الدول الغنية، تتمثل الخطوة التالية في العلاج، أو الخطوة الأولى في تناول مضادات الاكتئاب. وتتعجب ميلاني من غياب الأدوية من الحركة العالمية للصحة النفسية. فوفقًا لها، أصبح من الرائج أن تتحدث عن العلاج النفسي بالحديث، فهي تحقق نجاحًا مع كثير من الناس، إلا أنها ليست بداية فعالة لذوي المرض الشديد. وأضافت ميلاني: «إن كنت مكتئبًا وعقلك آخذ في الانهيار، هل ستتمكن من التحدث؟».

اهتمام متزايد بالصحة النفسية ولكن ليس بالقدر الكافي

خلال اثني عشر عامًا تلت نشر باتل وزملائه سلسلة مقالاتهم الرائدة، أصبحت الصحة النفسية العالمية حركة، وعند صياغة هذه المقالات في عام 2000، لم تكن الصحة النفسية ضمن أهداف خطة الأمم المتحدة الإنمائية للألفية.

أصبحت العناية بالصحة النفسية جزءًا روتينيًّا من العناية الطبية في مدينة هراري في زيمبابوي، فالأمة التي أثبتت لباتل أن الاكتئاب ظاهرة عالمية، توصلت إلى شكل من أشكال العلاج النفسي الفعال ومنخفض التكلفة وسهل التكرار، وجعلته في متناول الجميع.

أما الآن فقد صار شعار «رعاية صحية شاملة للجميع» ركنًا أساسيًّا من أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة لعام 2003، وانطلقت في جميع أنحاء العالم عشرات مشروعات العناية بالصحة النفسية ذات التكلفة المنخفضة، إلى جانب شبكات مختلفة مثل شبكة «ابتكارات الصحة النفسية» التي تساعدهم على تبادل المعلومات والأفكار.

إلا أن أرخبيلًا من البرامج الصغيرة هو أبعد ما يكون عن التوصل إلى حل شامل. فعلى سبيل المثال، تحاول دولتا الهند والصين توسيع نطاق العناية بالصحة النفسية في المناطق الريفية، بيد أنهما ستستغرقان وقتًا طويلًا لتحقيق ذلك.

وبالرغم من مرور أكثر من عقد من الزمان على نشر هذه المقالات التي غيرت من طابع النقاشات حول الصحة النفسية العالمية، لم يحدث نمو في نفقات الدول الفقيرة المخصصة للعناية بالصحة النفسية ليحصل الأفراد على علاج، أو في تمويل الرعاية الصحية الذي تتلقاه هذه الدول من الدول الثرية.

إلا أن هناك مكانًا واحدًا فقط أصبحت العناية بالصحة النفسية فيه جزءًا روتينيًّا من العناية الطبية، وهو هراري في زيمبابوي، فالأمة التي أثبتت لباتل أن الاكتئاب ظاهرة عالمية، توصلت إلى شكل من أشكال العلاج النفسي الفعال ومنخفض التكلفة وسهل التكرار، وجعلته في متناول الجميع.

ديكسون تشيباندا.. بطل قومي يختبئ خلف عشرات الجدّات

عندما درس باتل الطب النفسي في المستشفى المركزي في هراري، كان ديكسون تشيباندا واحدًا من تلامذته. وبعد التخرج، غادر خمسة من طلاب الطب النفسي ممن كانوا في صف تشيباندا زيمبابوي متجهين إلى دول أكثر ثراءً.

أما تشيباندا فقد بقي، وخصص جلسات خاصة لعلاج المرضى ليجني منها المال، إلا إنه قد عمل أيضًا في مستشفى الأمراض النفسية، التي اقتصر فيها عمله على وصف الدواء للمرضى، ومحاولة التأكد من تناولهم إياه.

وصرح تشيباندا لكاتبة المقال قائلًا: «تخصصت في مجال الطب النفسي لأتواصل مع الناس وأعمل على تعزيز الروح الإنسانية، إلا أنني بدأت أشعر بالتدريج بما يعزلني عمن كنت أحاول مساعدتهم».

في ذات يوم، تلقى تشيباندا مكالمة هاتفية من طبيب في موتاري، وهي مدينة تقع في جنوب شرق هراري، وكان الخبر الذي تلقاه تشيباندا في المكالمة، يتعلق بإحدى مرضاه السابقين وهي فتاة تدعى إريكا تبلغ من العمر 24 عامًا، حاولت الانتحار بواسطة سم الفئران، وعليه، طلب تشيباندا من الطبيب أن يخبر والدة إريكا بضرورة إحضارها لرؤيته في أقرب وقت ممكن.

لم تصله أخبار عن الفتاة لمدة ثلاثة أسابيع، إلى أن هاتفته والدتها وأخبرته أن إريكا شنقت نفسها من شجرة مانجو في حديقتهم المنزلية.

وحين سألها تشيباندا عن سبب عدم جلب ابنتها لرؤيته بحسب اتفاقهم، أجابته بأنهم لم يملكوا أجرة الحافلة، وحينها أدرك الطبيب أن اقتصار تقديم العلاج النفسي في المؤسسات الطبية ليس الطريقة المثلى للمضي قدمًا؛ فوفقًا له، كان من الواجب الخروج إلى المجتمع لتوفير هذا العلاج.

وعليه، أجرى الطبيب دراسة استقصائية في اثنتا عشرة عيادة في محيط هراري، ليجد أن العيادة التي احتوت على أعلى نسبة للاكتئاب كانت في أحياء أمبير الفقيرة، حيث عانى واحد من كل ثلاثة أشخاص من الاكتئاب، وفي عام 2006، تواصل تشيباندا مع مكتب الصحة بالمدينة وأعلن عن رغبته في إطلاق برنامج للصحة النفسية هناك.

لم يبد كل من المكتب ولا طاقم العاملين بالعيادة حماستهم إزاء ذلك، فقد أخبرته العيادة أن الممرضات منشغلات للغاية، وأنه لم تكن هناك مساحة كافية له للعمل في المبنى، لذا نصب الطبيب منصة لعلاج المرضى في الحديقة التابعة للمبنى.

وعليه، أعارته العيادة على مضض خدماتها المتمثلة في «الجدات»، وهن نساء في منتصف العمر أو أكبر، لم يتلقين تعليمًا، ويتلقون مبالغ زهيدة مقابل عملهم في مجال الصحة المجتمعية.

حظيت هؤلاء الجدات بتدريب استمر لأسبوعين، ليتعلموا فيه عن ماهية الاكتئاب وكيفية تشخيصه باستخدام استبيان مبسط كان باتل قد طوعه ليلائم زيمبابوي، إلى جانب تعلمهم كيفية تأسيس ما يشبه جلسات حل المشاكل العلاجية على غرار النهج الذي اتبعته ميلاني عباس في هراري في مطلع التسعينيات.

ولكي يتمكنوا من علاج أعداد كبيرة من مرضى الاكتئاب أو القلق، كان عليهم اختيار حلول منخفضة التكلفة ومن السهل انتشارها، وليست تلك الحلول التي تعتمد على وجود مكتب أو مهنيين مدربين.

فالهدف، بحسب ميلاني، كان تعليم الناس – ممن يعملون بالفعل في هذه المجتمعات– كيفية علاج الاكتئاب، واتضح أن فكرة هؤلاء الجدات والمنصة كانت فكرة مثالية.

«ليس مرضًا حقيقيًّا».. تعرف إلى 10 من أشهر الأساطير الشائعة حول المرض النفسي

«كيف ستتمكنين من حل هذه المشكلة؟»

بحلول عام 2015، امتلكت كل العيادات الصحية في هراري مجموعة من المقاعد الخشبية المتينة المطلية باللون الأحمر في ساحاتها، وسميت هذه المقاعد بمقاعد الصداقة، وجلست عليها الجدات بزيهم الرسمي بني اللون تتحدثن مع المرضى كل صباح.

استخدمت الجدات علاجًا موحدًا لحل المشكلات، ولكن وضعوا له شروطًا تمكن الناس من التواصل معه، فقد استخدموا عبارات بلغة الشونا لفتح أبواب العقل وتعزيز الروح.

يصلي المرضى مع جدتهم، في حال رغبوا في ذلك، ويستطرد تشيباندا في شرح ذلك قائلًا: «نحاول أن نتفادى نبذ ما يؤمن به الناس، فنحن نصلي ولكن بطريقة تشجع على حل المشكلات، كأن ندعو: يا الله، ساعد هذا الشخص أن يحدد أي مشكلة يتعين علينا التركيز عليها».

وذكر تشيباندا أن إزرائيل مكوارا، كبير موظفي مجال النهوض بالصحة، أخبره أن الجدات ساعدن على تسيير بقية برامج الصحة في هراري على نحو أفضل، ومثال على ذلك، البرامج المخصصة لعلاج مرض الإيدز.

وأضاف مكوارا: «في حال أصبحت الحالة العقلية للمرضى على قدر من الصلابة، فمن المحتمل أنهم سيلتزمون بتناول أدويتهم، وسيكون أدائهم أفضل من شخص تخلى عن رغبته في الحياة».

أما في مستوصف هاتكليف شمالي هراري، يتردد عدد قليل من الناس على العيادة للحصول على الرعاية الصحية، إلا أن البروتوكول المتبع هناك ينص على منح الجميع استبيانًا للكشف عمن يعانون من الاكتئاب من بينهم، وفي حال سجل المشاركون درجة عالية فيه، يحصلون على موعد على مقعد الصداقة في الساحة الأمامية.

وفي زيمبابوي، يقتصر دور المسنين هناك على إسداء النصح فقط، حسبما صرحت فونجاي موتشين جيتي، وهي إحدى الجدات اللاتي تعملن في عيادة هاتكليف. وأكدت تينا على أهمية تشجيع المرضى على إيجاد حلول لمشكلاتهم ليكون جزءًا من علاجهم النفسي، فهو يعلمهم التفكير بصورة أكثر نقدية، ويعلمهم تقييم البدائل ويكسبهم الثقة في أنفسهم».

– كيف ستتمكنين من حل هذه المشكلة؟

– لقد أتيت إلى هنا لكي تخبريني كيف سأتمكن من ذلك، من المفترض أن تساعديني.

– هذه هي طريقتي في مساعدتك.

وتستعرض الكاتبة حوارًا دار بين موتشين جيتي وإحدى مرضاها، عندما سألتها: «كيف ستتمكنين من حل هذه المشكلة؟»

لتجيبها المريضة قائلة: «لقد أتيت إلى هنا لكي تخبريني كيف سأتمكن من ذلك، من المفترض أن تساعديني»، فقالت الجدة: «هذه هي طريقتي في مساعدتك».

الأفكار التي يتوصل إليها المرضى مثل، قد أبدأ في البحث عن عمل، قد أتحدث إلى زوجي، قد تبدو بديهية، إلا أنها ليست كذلك بالنسبة إلى من يعانون من الاكتئاب.

وتعلق روث فيرهاي، وهي طبيبة نفسية إكلينيكية ولدت في ألمانيا، وتساعد تشيباندا في إدارة البرنامج، قائلة: «عندما تعاني من الإيدز، وتكون ابنتك المراهقة حاملًا، ويسيء زوجك معاملتك، وتكونين موشكة على الطرد من منزلك، يؤدي تراكم هذه الأشياء إلى الشعور بالعجز».

وهنا يظهر دور الجدات في مساعدة الناس على التغلب على ذلك الشعور.

مقاعد الصداقة أكثر فاعلية من جلسات العلاج المعتادة

في نهاية عام 2016، نشر تشيباندا دراسة مراقبة عشوائية، عهد فيها بـ573 مريضًا إما إلى مقاعد العلاج التي ابتكرها، وإما إلى نسخة أفضل من الرعاية الصحية المعتادة هناك، التي تتضمن تناول مضادات الاكتئاب عند الحاجة.

وبعد مرور ستة أشهر، كان 50% ممن لم تشملهم مجموعة المقاعد ما زالوا مكتئبين، أما في مجموعة مقاعد الصداقة كانت النسبة 14% من إجمالي عدد المرضى المشاركين في المجموعة.

Embed from Getty Images

واليوم، تمتلك 72 عيادة في ثلاث مدن في زيمبابوي مقاعد الصداقة، وقدرت فيرهاي عدد المرضى ممن عولجوا في السنتين أو السنوات الثلاث الماضية بـ40 ألف مريض، معظمهم من النساء. وأطلق تشيباندي المقاعد في المناطق الريفية كذلك، وخصص واحدًا للمراهقين الذين سيوفر لهم أقرانهم العمل هناك.

ويجري تكييف هذا النموذج في أماكن أخرى، من مالاوي، وزنجبار، وصولًا إلى نيويورك.

يراسل الناس تشيباندي وفيرهاي من جميع أنحاء العالم، وعن ذلك تقول فيرهاي: «يقول لنا كثير من الناس أشياءً مثل: «أريد أن أطبق الأمر ذاته في منظمتي غير الحكومية، أو مع مجموعتي في الكنيسة». ويكون ردي عليهم واحدًا وهو أننا نرغب في أن يقتصر عملنا على النظام الصحي، وبهذا تحقق لكم خدماتنا الاستفادة والاستدامة المرجوتين».

وبالرغم من كل ما قدمه هذا البرنامج، فإنهم لا يتلقون أي دعم مادي، فكل من تشيباندا وفيرهاي لا يتقاضون أجرًا نظير خدماتهم. فالدعم المادي الذي يحصل عليه البرنامج مخصص لتمويل مشروعات بحثية معينة، من ضمنها دراسة ضرورية أجريت مؤخرًا عن الكيفية التي قدمت بها الجدات العلاج للمرضى. ولكن عدا ذلك لم يكن هناك دعم مادي لنشر البرنامج على نطاق أوسع.

وقبل أن ينفذ برنامج مقاعد الصداقة بشكل كامل، علم تشيباندا أنه يتوجب على البرنامج تقديم بعض الحلول إلى أهم مشكلات المرضى، وهو الفقر المدقع.

ولتحقيق ذلك، استشار خبيرًا لمعرفة كيف تجني النساء في القرى والأحياء الفقيرة المال، ولم يكن هذا الخبير سوى جدته التي تعيش في إمباري حيث انطلق البرنامج لأول مرة. ووفقًا لجدته، تجني كثير من النساء قوت يومهم من خلال حياكة أفرشة النوم، وتساءل تشيباندا إن كان بإمكانهم حياكة أشياء أخرى.

فلتتشابك أيديكم.. علاج ومحبة وحقائب

كانت فيرهاي قد بدأت في جمع البلاستيك من مدافن النفايات، مثل أكياس البقالة وشرائط الفيديو القديمة، التي أمكن قصها طوليًّا أو فكها لتحويلها إلى خيوط. فكثير من النساء اللاتي زرن المقاعد استخدموا الخيوط لحياكة الحقائب والمحافظ، وحقائب الحواسيب المحمولة، وغيرها من الأشياء.

وفيما بعد باعوا هذه الحقائب في الأسواق المحلية، في الوقت الذي باعت فيه فيرهاي بعض هذه الأشياء للسياح في المحلات التجارية رفيعة المستوى في زيمبابوي، وإلى بعض أولياء الأمور في مدرسة هراري الدولية. قد يصل سعر الحقيبة الواحدة إلى عشرة دولارات وهو ما يزيد عن ثلاثة أضعاف متوسط الدخل اليومي في زيمبابوي.

كان لمشروع الحياكة هذا غرض آخر، فالعلاج في هذه المقاعد عادة ما يستغرق ست جلسات، بيد أن الحاجة إلى التضامن والصحبة لا تنتهي. فمقابلة هؤلاء النساء لبعضهن لتسليم حقائبهن وللحصول على خامات جديدة، منحهم سببًا للتجمع.

أنشأ البرنامج نظام دعم لهؤلاء النساء يدعى «سيركل كوباتنا توس Circle Kubatana Tose»، ومعناه «فلتتشابك أيديكم». وكان هناك حلقات مماثلة من هؤلاء النساء في كل عيادة.

ذهبت كاتبة المقال إلى إحدى هذه الحلقات بمبنى صغير مطلي باللون الأحمر، في الحرم الجامعي لوحدة الأمراض النفسية التابعة للمستشفى المركزي في هراري. دخلت النساء ومعها آخر ما حاكته من أعمال، وسرعان ما كانت هناك كومة من الحقائب ذات الألوان الزاهية على الأرض. صلت هؤلاء النساء معًا وغنين وتشاركن الأخبار.

وتمثلت مشكلاتهن في العنف الأسري وشركائهم مدمني الكحول والإيدز والجوع، وهي كلها مشكلات شائعة في أحيائهم، بيد أن ظاهرة الوصم بالعار، هي ما جعلت هذه الموضوعات تناقش بندرة خارج هذه الحلقة.

فالحياة في هذه الأحياء الفقيرة قد تكون داعمة ودافئة وغنية بالتواصل الإنساني، إلا أنها قد يهيمن عليها أيضًا النميمة وإصدار الأحكام.

تحكي تينا عن إمرأة قابلتها في تلك الحلقات، تدعى تاكلا، والتي حكت لها عن الفترة التي علمت فيها باصابتها بمرض الإيدز، وقالت إنها كانت يائسة للتحدث عن الأمر، إلا أنها «خافت أن تتحدث عنه كي لا يسخر منها الناس».

وأضافت: «وإن تحدثت عنه إلى إحدى جاراتي، قد تخبر الجميع عنه. لذا احتفظت بالأمر لنفسي». كانت الحلقة هي المكان الوحيد الذي تمكنت هذه المرأة فيه من الحديث بحرية، فكانت أول من تطوعت للإعلان عن إصابتها في حلقتها.

تحكي تاكلا عن ذلك الموقف وتقول: «وبمجرد أن فعلت، أعلنت امرأة أخرى عن إصابتها أيضًا. ومنذ ذلك الحين ونحن نتحدث سويًّا، وأصبحنا أصدقاء».

إلا أن انهيار اقتصاد زيمبابوي الذي تتسارع وتيرته، أدى إلى تداعي برنامج الحقائب الذي أطلقته فيرهاي منذ عام لعدم وجود مشترين، إلا أن هذه الحلقات أبت أن تلاقي مصيرًا مشابهًا، فما زالت النساء تتجمعن في عياداتهن الصحية أو حول بئر القرية، ويتجاذبن أطراف الحديث في المجموعة التي تحوز ثقتهن، وفي  أثناء حديثهن ما زلن يحكن أو يصنعن أحذية من الإطارات المطاطية.

بحسب باتل، كل ما يحتاجه ما يقارب من 80% من مرضى الاكتئاب في العالم هو ما أسماه «التدخل الآمن»، وهو أن يوجههم أحد الأشخاص من خلال اعتمادهم على ذواتهم.

في عام 1993، ذهب فيكرام باتل إلى زيمبابوي ليثبت أن الاكتئاب ما هو إلا ظرف اجتماعي وسياسي، وأنه لا يحتاج إلى تدخل طبي من أي نوع. ثم أقنع نفسه بعكس ما اعتقد سابقًا، وهو أن العلاج النفسي أو الدواء هما كل ما يتطلبه علاجه.

أما الآن فقد كون رأيًا وسطيًّا مفاده أننا بحاجة إلى كل من الحلين السابقين. فبحسب باتل، كل ما يحتاجه ما يقارب من 80% من مرضى الاكتئاب في العالم هو ما أسماه «التدخل الآمن»، وهو أن يوجههم أحد الأشخاص من خلال اعتمادهم على ذواتهم.

ووفقًا لباتل، كل ما يتطلبه الأمر أحيانًا وبكل بساطة هو تلقي جلسة استشارية واحدة مع أحد العاملين في مجال الصحة، إلا إنه أكد أيضًا ضرورة الجلوس في حلقات، والتحدث إلى الأصدقاء المؤتمنين، ومن الضروري أيضًا السماح لخطاف كروشيه وشريط فيديو قديم لأن يتحولوا إلى شيء يمكنك من إطعام أطفالك.

وأضاف باتل: «نحتاج إلى إعادة تعريف ما يعنيه التدخل النفسي، ونسلم بأن كثيرًا من الناس سلامتهم النفسية جزء لا يتجزأ من عالمهم الاجتماعي. ويستكمل باتل حديثه قائلًا: «قد يكون مستحيلًا بالنسبة لأحد العاملين في مجال الطب النفسي في الهند أن يقول لامرأة يضربها زوجها: ليس ذلك من دواعي اهتمامي، ما يهمني فقط هو أفكارك السلبية».

«شعرت أنني مدمن».. هل تحقّق مضادات الاكتئاب الغرض منها أم تسبب الإدمان؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد