ثلاثة شهور من الحظر الذي فرضته الحكومة المصرية لمواجهة فيروس كورونا المستجد كانت لها آثار إيجابية بتخليص العاصمة المنهكة من بعض سمومها، لكنها في المقابل غيَّرت وجه المدينة القديمة، حتى أن مدير مكتب صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية في القاهرة، ديكلان والش، أضحى يتساءل: هل هذه حقًا مدينة القاهرة التي نعرفها؟ 

يشرح والش في هذا التقرير كيف أدت إجراءات الحظر إلى تنقية أجواء القاهرة من مختلف أنواع التلوث، وهو ما كانت المدينة بحاجة ماسة إليه منذ فترة طويلة، متحدثًا عن قرون من التاريخ المضطرب، الذي توِّجَ بفوضى في التنمية الحضرية خلال العقود الأخيرة؛ ما ترك المدينة القديمة في حالةٍ يُرثى لها، بدءًا من تشويه مظهرها وتداعي بنيانها، مرورًا باختناق شرايينها بالزحام المروري، وصولًا إلى علامات الإجهاد التي باتت تكسو ملامحها. 

القاهرة تستعيد بعض بريقها خلال حظر التجول

كان هذا المشهد الذي يرثيه والش يسبق تفشي فيروس كورونا المستجد، الذي أجبر المدينة على الخضوع لعملية تنظيف عميقة استعادت بها شبابها وحيويتها، خلال فترة الحظر التي استمرت ثلاثة أشهر، وشملت حظر التجول ليلًا لمدة 11 ساعة.

مجتمع

منذ 5 شهور
«الجارديان»: مبانٍ مهجورة ومُهدَّمة.. كيف فقدت القاهرة تراثها المعماري؟

والنتيجة أن الطرق التي كانت في السابق تشهد تكدسًا بالسيارات التي تحدث ضجيجًا بأبواقها الصاخبة أصبحت الآن تسير بسلاسة، وبات الهواء الذي خلا الآن من الأدخنة كما لو كان يتلألأ، وساد الهدوء الشوارع التي لم يكن تعرف هذا الشعور من قبل.

يشير الكاتب إلى المقابل الذي كان على المصريين دفعه لتحقيق ذلك، قائلًا: «لم يتحقق هذا سوى بثمن باهظ؛ فمع بزوغ الشمس على الشوارع المهجورة، مررت بأناس يملأ القلق عيونهم، يرتدون أقنعتهم، مزدحمين حول مدخل إحدى المستشفيات.. وبعدها ينتهي كل شيء» (في إشارة إلى المصابين الذين يدخلون إلى المستشفى بسبب الإصابة بالفيروس ثم يموتون هناك).

في نهاية شهر يونيو (حزيران) أعلنت الحكومة المصرية أنها ستسمح بإعادة فتح المساجد والمطاعم والمقاهي، وفي آخر ليلة من حظر التجول، اندفع والش نحو الشوارع ليستمتع ببعض لحظات من السعادة للمرة الأخيرة، لكن يبدو أن مئات المصريين كانت تدور في رؤوسهم الفكرة نفسها. فيما احتشد بعض المصريين على الكوبري في غسق الليل، يشاهدون سرب الطائرات الورقية التي ترفرف في النسيم الحار وتتساقط في النيل.

التجمعات الشعبية الصاخبة تثير قلق حكام مصر

يلفت الكاتب إلى أن التجمعات الشعبية الصاخبة تثير قلق من يحكمون البلاد، الذين يحذرون دومًا من التجمعات العامة غير المصرح بها، لذا حذر نائب برلماني بارز من أن السماء المكتظة تُمثل تهديدًا للأمن القومي؛ لأن أعداء مصر يُمكنهم أن يُجهزوا طائرات ورقية تحمل كاميرات مراقبة. 

لكن هناك على الكوبري لم يهتم أحد بهذا الكلام، مفضّلين الاستمتاع بهذه اللحظة المتفردة، الممزوجة بالصفاء والقلق، عندما يهدأ الصخب الذي تشتهر به مدينتهم بسبب الفيروس. 

يتابع الكاتب: «تحدثت إلى شقيقين يحملان طائرة عملاقة مرسومٌ عليها صورة لكليهما وصورة براقة لنجم كرة القدم محمد صلاح، وبالقرب منهما تجلس سميحة منعم، تبلغ 62 عامًا، على مقعد بلاستيكي هش، ويُحيطها 15 فردًا من العائلة بالإضافة أطباق الكشرى مأكول نصفها». 

كورونا «رسالة من الله إلينا»

كانت النزهة بمثابة نفحة رحمة لهؤلاء بعدما كانوا محشورين لشهور داخل حيهم الضيق، إذ تقول سميحة، الممرضة المتقاعدة، والتي كانت ترتدي عباءة سوداء وواصلت علاجها من السرطان طيلة فترة الحظر: «كان علينا أن نخرج إلى الشوارع»، لكنها ترى فيروس كورونا المستجد رسالة من الله – على حد قولها – «يريد الله أن ننظر إلى الحياة بشكل مختلف».

Embed from Getty Images

طيلة معظم تاريخ هذا البلد، شكّل النيل مصير مصر وقدرها. ويلفت والش إلى أن الجسر الذي تحلق فوقه الطائرات الورقية يؤدي إلى جزيرة الروضة، الموصوفة في «ألف ليلة وليلة» كمكان للحدائق السماوية، لكنها الآن تعج بالمباني السكنية المكدسة والمكسوة بالأتربة، ومع ذلك يقع في طرفها الجنوبي مقياس النيل، الذي يقيس الفيضانات الموسمية للنهر، وبالتالي يتنبأ بالحصاد السنوي، والذي بُني في القرن التاسع.

يستطرد مدير مكتب الصحيفة الأمريكية في القاهرة: «في الوقت الراهن، يفرض مرض كوفيد-19 نفسه على وتيرة الحياة، ومع حلول الليل وبداية حظر التجول رسميًا، عبرتُ إلى وسط القاهرة، حيث مزيج من القصور القديمة والأناقة المتهالكة وواجهات المتاجر المبهرجة، وهي المنطقة التي تكون حركة المرور فيها أثناء الأوقات العادية شديدة الازدحام، حتى أن الكتيبات الإرشادية تقدم إرشادات للسائحين لمساعدتهم على النجاة من هذا الاكتظاظ المروري».

حركة المرور في القاهرة.. مشهد استثنائي بسبب الحظر

وحسب نصائح «ناشيونال جيوجرافيك ترافلر» على السائحين أن ينظروا إلى سائقي السيارات المصريين ويفعلوا مثلهم بأن ينضموا لأحد المجموعات التي تعبر الطريق؛ إذ تمر حارة واحدة من السيارات في كل مرة. 

ويتابع الكاتب حديثه عن منطقة وسط البلد بالقاهرة قائلًا: في أواخر القرن التاسع عشر، أمر الخديوي إسماعيل بتصميم هذه المنطقة بجمال بهيج هادئ يُحاكي تصميم المهندس هوسمان لمدينة باريس، لكن مبانيها الرشيقة، بعد عقود من الزمن، تهاوت تدريجيًا واختفت، لكنها حاليًا في ظل وحشة حظر التجول تقف أبية متفاخرة من جديد.

وعلى غرار ذلك، تقف الأسود البرونزية العملاقة التي تحرس كوبري قصر النيل الأكثر جمالًا في المدينة، أكثر استرخاءً من أي وقت، بينما لا يوجد من يعكر صفوها في الأفق. 

ويصف الكاتب المشهد «لهذا المزيج من الخراب الغريب والروعة الشاحبة لمسة سحرية تثير لحظة تأمل كأنها النسخة المصرية من فيلم «ليلة في المتحف» حيث تعود الأسود البرونزية إلى الحياة في جنح الظلام». 

انتعاش توصيل الوجبات للمنازل.. «سأصبح غنيًا مثل ساويرس»

يتابع الكاتب: لكني لم أكن وحيدًا تمامًا، إذ تجمع بعض المراهقين أمام منازلهم بشكل يوحي بتدبير أمر ما (لأنهم يخترقون ساعات الحظر الرسمية)، كما تجمع العاملون في خدمة توصيل الوجبات على درجاتهم النارية أمام المطعم، بعدما انتعشت أرزاقهم في ظل الحظر المفروض.

Embed from Getty Images

يقول محمود عبد الفتاح، وهو يتكئ على مقبض دراجته البخارية «إذا استمر الحال على هذا النحو سأصبح غنيًا مثل نجيب ساويرس» (الملياردير الذي وجه انتقادًا لاذعًا لإجراءات الحظر). لكن عبد الفتاح لاحظ بامتعاض أنه لا يجني سوى 28 سنتًا لكل توصيلة، فقال ساخرًا: «يبدو أن الأمر سيستغرق بعض الوقت لجني مثل هذه الثروة، ربما بعد توصيل مليون قطعة بيتزا». 

بالرغم من حماستهم، خيمت بعض الأجواء المتشائمة على العاملين في خدمة توصيل الوجبات، فصحيحٌ أنهم يمكنهم توصيل أي طلب في دقائق، لكن حقًا هل هذه هي القاهرة بدون صخبها وضجيج شعبها؟ 

الأوبئة ليست جديدة على القاهرة

وألمح التقرير أن الأوبئة لا تُعد ظاهرة جديدة على القاهرة، إذ لاحظ المستكشف ابن بطوطة في زيارته للمدينة خلال القرن الرابع عشر عندما كان يبلغ عدد سكانها 500 ألف نسمة كأكبر مدينة في العالم خارج الصين، أن تفشي الطاعون الدبلي يقتل حوالي 20 ألفا يوميًا، كما تفشت الكوليرا مرارًا بالمدينة في القرن التاسع عشر. 

أما في ظل فيروس كورونا المستجد، فتتفاقم الخسائر البشرية جراء ارتفاع أعداد السكان في مصر، التي تجاوزت في فبراير (شباط) الماضي عتبة 100 مليون نسمة، وهو حدث مثير للقلق في بلد مكتظة بالسكان. 

وينتقل الكاتب إلى خارج وسط المدينة، قائلًا: «إن قواعد الحظر خارج وسط المدينة تُطبق بدون إحكام وأكثر تساهلًا، لا سيما التباعد الجسدي، والذي لا يعد أكثر من فكرة جديرة بالإعجاب في الأحياء الفقيرة بالقاهرة».

وأضاف «العديد من المصريين يرتدون الأقنعة على ذقونهم، أو يرفضون ارتداءها بالكامل؛ مما أثار حفيظة الرئيس عبد الفتاح السيسي الذي حثهم على الحفاظ على سلامتهم ولياقتهم البدنية، وفقدان الوزن أثناء حظر التجول، إذ نصح السيسي في مايو (آيار) المصريين: «حافظوا على ممارسة الرياضة فهي تزيد من مستويات المناعة». 

اعتقالات السيسي مستمرة حتى في ظل تفشي الفيروس

بخلاف ذلك، ظل السيسي يدير الأمور بالطريقة المعتادة خلال فترة الحظر، مع استمرار اعتقال النشطاء الحقوقيين والراقصات وحتى الفتيات اللواتي ينشرن مقاطع فيديو راقصة على وسائل التواصل الاجتماعي. 

Embed from Getty Images

وأشار التقرير إلى أن «مصر سجلت أكثر من 77 ألف حالة إصابة مؤكدة بفيروس كورونا المستجد، وتزايدت معدلات الإصابة المؤكدة بنحو 1400 حالة في اليوم خلال الشهر الماضي، كما سُجلت أكثر من 3400 حالة وفاة، وهي أعلى معدل وفيات في العالم العربي». يتابع الكاتب: وفي نذير شؤم، افتتح السيسي الأسبوع الماضي مستشفىً ميدانيًا بسعة 4 آلاف سريرًا لعلاج مرضى كوفيد-19.

كما بدأت الخسائر الاقتصادية المترتبة على تفشي الفيروس تتضح الآن؛ إذ فقد الملايين من العمال دخلهم، وقلّصت الأسر حصتها من اللحوم والمواد الأخرى التي لم تعد في المتناول حاليًا، بينما تلقت مصر 8 مليار دولار من صندوق النقد الدولي لإنقاذ مصر من الأزمة، لكن على ما يبدو أنها بحاجة إلى المزيد.

سحر المدينة يتلاشى.. والترقُّب يخيم على الأجواء

يكمل الكاتب قائلًا: في اليوم التالي لرفع الحظر، سلكتُ الطريق نفسه مرة أخرى، لكنني شعرت بأن الإحساس بسحر المدينة تلاشى. نظم ضباط الشرطة دوريات على الكوبري الذي حلقت فوقه الطائرات الورقية، وتشابكت حركة المرور كالمعتاد في وسط المدينة، حيث تفتح بعض المطاعم، فيما ظل بعضها مغلقًا، إذ إن الأمر لا يستحق حتى الآن، حسبما أخبرني مدير مطعم «أبو طارق»، أكبر مطاعم الكشري في المدينة، فضلًا عن أن بعض القيود يمكن أن تدوم.

مجتمع

منذ سنة واحدة
رحلة إلى الماضي في قلب القاهرة.. تعرف إلى مقهى «ديانا» وقصته مع «الأنتيكا»

وفي هذا الصدد نقل الكاتب عن متحدث باسم مجلس الوزراء قوله: «إن القواعد التي تُلزم المطاعم والمقاهي بالإغلاق في تمام الساعة 10 مساءً قد تدوم بعد انتهاء الجائحة، وهو الإعلان الذي يتواءم مع رغبة السيسي في «تمدن» المصريين، لكنه قُوبل بسخط خافت في مدينة مشهورة بحيويتها طوال الليل».

ويختتم الكاتب تقريره المنشور في صحيفة «نيويورك تايمز» بالقول: «في الماضي، أعلن بعض حكام مصر عن إجراءات مماثلة لتخليص القاهرة من بعض السموم، لكنهم تراجعوا سريعًا بسبب المقاومة الشعبية. أما حاليًا فمن المؤكد أن المواطنين المصريين المقيمين بالقاهرة سيبقون في بيوتهم، عالقين بين رغبتهم في عودة الحياة إلى طبيعتها وبين الخوف مما قد يأتي بعد ذلك، كما حدث في بقية الأماكن حول العالم». 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد