689

نشرت صحيفة «الجارديان»، تقريرًا من إعداد مراسلها في القاهرة فريد فريد، يستعرض فيه ما يتم في منطقة مثلث ماسبيرو من عمليات إخلاءٍ للسكان، وهدمٍ لمبانٍ تراثيةٍ ومتاجرَ قد يعود تاريخها إلى أكثر من 100 عامٍ منذ تم تحديثها في منتصف القرن التاسع عشر، وحتى صارت مرتبطة بالثورة المصرية في 2011؛ لما شهدته من اشتباكاتٍ عديدة بين المتظاهرين وقوات الأمن ومدرعات الجيش.

ويجوب بنا فريد في جولة مع مواطنين ولدوا وترعرعوا في هذا الحيّ، تسلموا حرفهم من أجدادهم جيلًا بعد جيل، فيحكي لنا ما يتهددهم من خطرٍ شخصيّ يمَسُ لقمة عيشهم بعد إجلائهم من ديارهم وتجريدهم من حرفهم، هذا بالإضافة إلى ما يتعرض له التراث الثقافي من محوٍ بهدم هذه المحال والمباني التراثية.

أقدم المباني التراثية لا تجد من يحميها ولا تسلم من عمليات الهدم

يفتتح فريد حكاياته بعصام أحمد، الذي يعمل في مجال صيانة وإصلاح الساعات قائلًا: بعد 111 عامًا من الصيانة والإصلاح، لا يستطيع عصام أحمد أن يحمل نفسه على التسليم بإزالة ما قد يكون أقدم متجر للساعات في مصر، يعرض عصام ساعة المنبه التي أصلحها والده لآخر ملوك مصر، الملك فاروق، مع دفترٍ بخط اليد الأنيق، سجل فيه بدقة اسم كل زبون جاء إلى المتجر، بما في ذلك الشخصيات المصرية البارزة من القرن العشرين كالناشطة النسوية هدى الشعراوي، والممثل نجيب الريحاني.

«كيف لدولةٍ أبيةٍ أن تقتل تراثها؟» يتساءل عصام حاملًا باعتزازٍ ساعة المنبه التي أصلحها والده ذات يومٍ للملك فاروق. – الجارديان.

يقول عصام: «لا يزال هذا المكان حيًا بالنسبة إلينا، إنه منزلنا الذي يُنتزع منّا بالقوة الغاشمة». تعلم عصام هذه الحرفة من والده وجده الذي ابتاع محل «هنهايات» من مالكه الأصلي «سلامون هنهايات» في عام 1959، لكن وبنهاية هذا الأسبوع سيتم هدمه ضمن الخطة الضخمة لإعادة تطوير المنطاق الحضرية في القاهرة، والمعروفة باسم «مثلث ماسبيرو».

صورة لواجهة محل «هنهايات» للساعات، مع علامة «X» إشارة لانتظاره دوره في الهدم. – الجارديان.

«مثلث ماسبيرو» البالغة مساحته 35 هكتارُا (86.5 فدان)، والواقع على مقربة من نهر النيل، والمحاط بالمباني التاريخية، بما في ذلك مبنى الإذاعة والتلفزيون، والقنصلية الإيطالية، سيضم مركزًا ماليًا جديدًا، والعديد من الفنادق والمراكز التجارية الفاخرة.

ويذكر التقرير أن تكلفة الهدم وإعادة التشييد للحيّ تصل إلى حوالي 4 مليارات جنيه مصري، وهي التكلفة التي لم توفرها المناقصة التي تشترك فيها شركات البناء المشاركة في إعادة تشييد المنطقة بعد.

يذكرنا الكاتب بأن هذه المنطقة لطالما مثلت بؤرة توترٍ شهدت اشتباكاتٍ مطولة بين المتظاهرين والجيش خلال الربيع العربي، ففي أكتوبر (تشرين الأول) 2011 دهست الدبابات 29 متظاهرًا مسيحيًا قبطيًا فيما يُعرف بمذبحة ماسبيرو التي كانت نقطة تحولٍ في الثورة المصرية.

صورة توضح عديد المحال والبيوت التي خلفت أنقاضًا جراء عمليات الهدم –الجارديان

ويعود بنا الكاتب إلى منتصف القرن التاسع عشر في عهد الحاكم العثماني الخديوي إسماعيل؛ حيث حُدّثت القاهرة بفنّ معماريّ تميّز بديكوراته الأنيقة وأعمدته الكلاسيكية الجديدة المتمثلة في مبانٍ كأول دارٍ للأوبرا في القاهرة، والتي احترقت عام 1971، والآن تتقدم الجرافات ماحيةً مجموعة من المباني الخديوية التي تمتزج فيها التصميمات العربية مع الأوروبية.

أحلامٌ غائمة بالتحديث والتطوير وراء تهجير الآلاف

إنهم يقتلوننا ببطء، نُعذب بالموت البطيء لاستبعادنا من المنطقة. – هاشم أبو العلا أحد أهالي المنطقة.

يقول منتقدو خطط التحديث الأخيرة، بحسب الكاتب، إن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يتطلع لتحويل القاهرة إلى ملعبٍ مُربِحٍ للسياح والمستثمرين الأثرياء، مُحتملًا في مقابل ذلك تشريد 18 ألف مقيمٍ في ماسبيرو، فها هي العاصمة الإدارية الجديدة قيد الإنشاء في الصحراء، مدعومة من قبل المطورين الصينيين، مثل شركة «هندسة الإنشاءات الحكومية (CSCEC)»، و«الشركة الصينية لتنمية الأراضي (CFLD)»، التي استثمرت نحو 20 مليار دولار، أي ما يعادل 15 مليار جنيه إسترليني.

يحمل حيّ ماسبيرو اسمه نسبة إلى عالم الآثار الفرنسي «جاستن ماسبيرو»، الذي أجرى عمليات لإزالة الرمال عن تمثال «أبي الهول» في الجيزة، وترأّس المُتحف المصري، وتعد إعادة تطوير الحيّ جزءًا ضمن خطة أوسع لإعادة تصميم وسط القاهرة، وقد مُنح عقد إعادة التطوير لشركة الهندسة المعمارية «فوستر وشركائه» التي تباهت عند فوزها اللامع بالمناقصة: «إن مستقبل ماسبيرو يشعّ إشراقًا، ونحن على يقين من أن نموذجنا للتنمية المستدامة سيغدو معيارًا لإعادة التطوير العمراني في جميع أنحاء البلاد».

صورة تعكس رؤية شركة «فوستر وشركائه» لمثلث ماسبيرو بعد إعادة تطويره – الجارديان

لكن بالنسبة لعصام ولكثير من السكان الآخرين، فإن تدمير المباني على أحد جانبي شارع 26 يوليو يمثل نهاية قاتمةً، ليس فقط بالنسبة لمصدر دخلهم، بل كذلك للحقبة الملكية.

«تريد السلطات إعطاءنا قروشًا مقابلَ ما تقدر قيمته بالملايين»، يقول عصام، ويضيف: «لكن الأهم من ذلك، هو أن يترك كُل ذلك متحفًا، لقد خدمنا الملوك والمشاهير، وهذا ما آل إليه إرث «هنهايات» في نهاية الأمر. فكيف لبلدٍ يعتز بنفسه أن يقتل تراثه بيديه؟» بدأت أعمال الهدم بالفعل، حيث شرعت البلدوزرات بتسوية المباني بالأرض، بينما العمال يتخلصون من عربات الصخور في أعمدة من الغبار الخانق.

وينتقل بنا الكاتب إلى هاشم أبو العلا (55 عامًا) – وهو مواطن مخلص يعيش في مبنى تراثي قريب – الذي يقول بنبرة أكثر تحديًا: «إنهم يقتلوننا ببطء، نُعذب بالموت البطيء لاستبعادنا من المنطقة»، ويستكمل «هذه ديارنا، ولن نبرحها، وإن أتى علينا الجحيم، أو أغرقتنا المياه العالية».

ويضيف هشام: «تقدم السلطات لكل مقيمٍ 60 ألف جنيه مصري مقابل كل غرفةٍ في كل أنحاء المنطقة، ويضيف آخرون أنهم لم يتلقوا أي تعويضات حتى بعد أن وافقوا على تلقي الأموال، وذلك قبل إجبارهم على إخلاء المنطقة».

المتظاهرون يهرعون للاحتماء من شرطة مكافحة الشغب في 2011، وقد شهدت ماسبيرو اشتباكاتٍ متكررة خلال الثورة المصرية – الجارديان.

وبحسب التقرير فقد عُرض على عصام 7 آلاف جنيه مصري للمتر المربع لإخلاء متجر الساعات، وهو سعر يقل كثيرًا عن سعر السوق الذي يتراوح بين 50 و100 ألف جنيه مصري للمتر المربع وفقًا لسماسرة العقارات المحليين، أما أبو العلا فقد أخذ أصدقاؤه المال منتقلين إلى مكان آخر، تاركين إياه لمطاردة المحامين، وإرسال رسائل إلى المسؤولين المحليين يناشدهم من أجل قضيته التي من المقرر عقد جلسة استماع إدارية لها في نهاية هذا الشهر.

قُدم للمقيمين أيضًا 40 ألف جنيه مقابلًا لتكاليف النقل كما ذكر التقرير، وقد قفزت أسعار العقارات على خلفية انخفاض قيمة العملة المحلية؛ مما يبشر بالخير بالنسبة للمستثمرين والراغبين بشراء منزلٍ ثانٍ، وبالرغم من ذلك فإن شراء شقة جديدة على ضفاف النيل في منطقة قريبة من ماسبيرو كمنطقة «إمبابة» في جنوب القاهرة، سيكلف المشتري ما لا يقل عن 300 ألف جنيه، ناهيك عن تكاليف المعيشة التي ارتفعت بشكلٍ جنوني بعد قرار الحكومة باتخاذ تدابيرَ تقشفيةٍ لتأمين قرضٍ بقيمة 12 مليار دولار من صندوق النقد الدولي.

المباني ذات قيمة تراثية لا تعوض فقط في عيون أبنائها.. أما الدولة فلها رأيٌ آخر

تستخدم الحكومة الأحياء العشوائية وسيلةً سريعةً لتحقيق بعض السيولة عن طريق استغلال فجوة الإيجارات. – يحيى شوكت (من شركة 10 طوبة).

يقول صندوق تنمية المناطق العشوائية بحسب التقرير، وهو الجهة الرسمية التي تقف وراء خطط ماسبيرو: «أنه يتحمل مسؤولية التخلص من المباني السكنية غير الآمنة، بما في ذلك متجر هنهايات».

يقول خالد الصدّيق الرئيس التنفيذي للصندوق: «يعد مثلث ماسبيرو أحد أكبر العشوائيات في مصر، حيث كانت هناك الكثير من حالات التدهور الحضاري، والأوضاع المعيشية التي لا تحتمل نظرًا للكثافة السكانية». وأشار الصديق إلى أنه من المتوقع أن يصل المبلغ النهائي للتعويضات إلى 1.3 مليار جنيه موزعة على أكثر من 4500 عائلة.

على الرغم من بدء أعمال الهدم، لم يتم التعاقد مع أيٍ من شركات البناء لإعادة البناء حتى الآن – الجارديان

وعند سؤاله عما إذا كانت هناك خطة لحماية المباني والمحال ذات التراث الثقافي المهم مثل متجر «هنهايات»، أجاب الصديق كما جاء في التقرير: «إذا كنت سأفتح ممرًا جديدًا ليخدم مليونًا من المارة يوميًا، وكان لديّ مبنى تراثي، أيهما سيكون أكثر أهمية بالنسبة إلي؟ الصالح العام هو المقدم دائمًا، وسلامة الناس تأتي في المقام الأول، ولأكون صادقًا، أنا لا أرى أي شكلٍ من أشكال التراث المعماري في هذه المباني».

ويرى الكاتب أن هناك مخاوف أوسع نطاقًا، من أن الرؤية الحضارية لمصر ستخلق مزيدًا من التفاوتات المكانية والطبقية.

يقول يحيى شوكت، الشريك المؤسس لمؤسسة عشرة طوبة، وهي مؤسسة بحثية في القاهرة تركز على البيئة العمرانية: «تستخدم الحكومة الأحياء العشوائية وسيلةً سريعةً لتحقيق بعض السيولة من خلال استغلال فجوة الإيجارات»، مضيفًا: «الفرق بين كلفة الإخلاء ونزع الملكية منخفض، في حين أن قيمة الاستثمار / إعادة البيع للأراضي الفارغة مرتفعة».

أمام متجر «هنهايات»، يشق السكان طريقهم وسط أكوامٍ من حُطام الحجارة والخرسانة التي تكوّن سحبًا من الغبار في الهواء، أما بالنسبة لعصام، فإن مجرد تعبئة مئات من ساعات اليد وساعات الحائط الثمينة كانت مهمة شاقة عاطفيًا بما فيه الكفاية.

يختتم الكاتب تقريره بقول عصام: «ما زال يصعب عليّ تقبلّ أن ينتهي كل ذلك، انظر إلى الأنقاض خارج المتجر، هذا ما أصبحنا عليه كدولة».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

تعليقات الفيسبوك