نشر موقع المنتدى الاقتصادي العالمي تقريرًا بالتعاون مع مؤسسة (هذا هو المكان) للكاتب باتريك وير يسلط فيه الضوء على الأدوار الوطنية لبعض المهندسين المعماريين في الحفاظ على تراث مصر الثقافي وتقاعس السلطات عن اتخاذ قرارات وإجراءات من شأنها أن تزيد من التدفق السياحي إلى البلاد.

مترجم: رحلة التابوت المسروق من القاهرة إلى متحف المتروبوليتان.. ماذا حدث؟

جمال أثريّ في السلخانة

استهل الكاتب مقاله بالحديث عن علاء الحبشي الذي كان يبحث عن أطعمة لشهر رمضان عندما وقعت عيناه على منزل فخم، يرجع تاريخه إلى العصر العثماني، يُستخدَم مَسلَخًا ومجزرًا في حي إسلامي تاريخي بالقاهرة.

نقل الكاتب عن حبشي، المهندس المعماري الذي حصل على تدريبات في الولايات المتحدة، قوله عن المنزل الذي رآه لأول مرة منذ 20 عامًا: «فوجئت بجماله». يوجد بالمنزل المبني بالطوب والحجارة فناء داخلي كبير وعدد من الغرف ذات السقوف الخشبية المزخرفة.

Embed from Getty Images

بدأ حبشي صداقة مع الجزّار، صاحب المبنى، وتلقى منه مكالمة بعد مرور سنوات يخبره فيها عن رغبة مطور عقارات في شراء المبنى الخاص به وهدمه، ومن باب إصراره على إنقاذ المبنى، اشتراه حبشي في عام 2009 فقط ليتم إخباره أن بإمكانه هدمه وليس ترميمه، لكنه رفض الاستسلام لهذا القرار ليفوز بحق ترميمه بعد معركة قضائية استمرت سنتين اثنتين. وبعد مرور 10 أعوام من شرائه للمبنى، توشك عملية الترميم على الانتهاء.

«يمكن إنقاذ 25% فقط من هذه المباني»

وأوضح الكاتب أن معركة الحبشي كانت جزءًا من معركة أكبر لإنقاذ المباني القديمة التي يخشى مرممو الآثار والمهندسون المعماريون فقدانها بسبب البيروقراطية والفساد الحكومي والقوانين التي يقولون إنها لم تقدم شيئًا لحماية التراث المعماري المصري. وقالت مي البراشي، مرممة الآثار التي قضت 25 عامًا في عملها في مدينة القاهرة التاريخية: «لست متفائلة على الإطلاق، أعتقد أنه يمكن إنقاذ 25% فقط من هذه المباني».

هذا، ولم يرد المسؤولون الحكوميون على طلباتٍ متكررةٍ للتعليق على هذه المقالة.

وكانت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) قد أعلنت أن هذا الحي التاريخي الذي تبلغ مساحته خمسة كيلومترات (نحو ميلين مربّعين) والذي يوجد به إحدى أكبر مجموعات فن العمارة الإسلامية في العالم هو أحد مواقع التراث العالمية. ولكن على الرغم من أن معظم آثاره الرئيسية ليست مهددة بالخطر، إلا أن العديد من المنازل والمباني الصغيرة يجري هدمها.

ويتابع الكاتب: أعلن المفتشون الحكوميون، خشية تعرضهم للمساءلة القانونية على أية مشكلات، أن العديد من المباني التي يبلغ عمرها قرونًا عديدة مهددة بالانهيار منذ الزلزالين اللذين ضربا البلاد في عام 1992 و2005. وقد هُدِمَت العديد منها واستُبدِلَت بها مبانٍ شاهقةٍ من الأسمنت والطوب، يصفها النقاد بالمبهرجة.

ويبدو أن عمليات الهدم تتعارض مع تعهد المسؤولين الحكوميين بالحفاظ على دور القاهرة عاصمةً ثقافية وسياحية وتراثية لمصر، على الرغم من العمل على بناء عاصمة جديدة في شرق القاهرة لتخفيف الضغط على المدينة التي يقطنها ما يربو على 20 مليون شخص.

ولفت الكاتب إلى أن الذين يحاربون من أجل إنقاذ المباني القديمة في مدينة القاهرة التاريخية يقولون: إن عمليات الهدم تدمّر التدفق المحتمل للسائحين والإيرادات من السياحة التي حصلت مصر منها على 11.6 مليار دولار في عام 2018، طبقًا لإحصاءات البنك المركزي.

كابوس البيروقراطية

بدأ كابوس حبشي البيروقراطيّ عندما تقدم بطلب للحصول على تصريح لبدء ترميم منزله بعد وقت قليل من شرائه، وقال حبشي: إن الحكومة أبلغته أن المنزل نُزِعَت ملكيته لأنه على وشك الانهيار، وأنه إذا أراد حبشي العمل في هذا الموقع، يجب أن يهدمه ثم يعيد بناءه.

ناشد الحبشي هيئتين حكومتين اثنتين: هيئة الآثار، المسؤولة عن قرابة 600 أثر تاريخي، والجهاز القومى للتنسيق الحضارى، المكلف بالحفاظ على العديد من المباني الأخرى. وأضاف حبشي أن مفتشين من كلتا الوكالتين جاءوا على حِدَة لفحص المنزل. وقال حبشي: «وقفوا على عتبة الباب وقالوا: هذا مبنى متداعٍ، ما الذي تحاول إنقاذه؟».

وأوضح الكاتب أنه فقط بعد الحصول على خطاب من مسؤول في اليونسكو يؤكد أهمية المبنى التاريخية، استطاع حبشي عام 2011 الحصول على حكم من المحكمة بإمكانية ترميمه.

لا صوت يعلو فوق صوت المنفعة المالية

ونقل الكاتب عن مرمم آثار أجنبي درس حي الدرب الأحمر التاريخي بالقاهرة قوله: إن عمليات هدم المباني التاريخية منذ عام 2011 كانت تحدث على نطاق واسع، وقد كانت معظمها داخل أسوار المدينة القديمة. وأضاف: «تحليلي هو أن ما يناهز 15% من النسيج الحضري في الدرب الأحمر استُبدِل بمنشآت مبنية حديثًا يبلغ طولها من سبعة إلى 10 طوابق». ولكن لم توجد إحصاءات رسمية تؤكد ذلك».

Embed from Getty Images

وقال طارق المري، المهندس المعماري الذي لديه سنوات من الخبرة في العمل في هذا الحي: استُبدِل قرابة 100 مبنى تاريخي في الدرب الأحمر بمبانٍ شاهقة في ظل انهيار السلطة المركزية بعد انتفاضة 2011 التي أنهت 30 عامًا من حكم الرئيس الاستبدادي حسني مبارك.

يضيف الكاتب: «أما بالنسبة للمؤرخة الفنية شهيرة محرز وستة أشخاص آخرين اشترت معهم منزلين متداعيين، فقد أعاقت قوانين الإيجار المعقدة أعمال الترميم، فهم يرغبون في تحويل هذه المنازل إلى فنادق أثرية، إلا أن أشخاصًا منعوهم من ذلك بحجة حقوق الانتفاع بالغُرَف والحجرات في منزلين اثنين».

اختتم الكاتب مقاله بالإشارة إلى قوانين أخرى أحبطت شريف عبد المجيد، مطوِّر الفنادق الذي اشترى ثمانية منازل تاريخية في منطقة درب اللبانة بالقرب من القلعة بالقاهرة. وعندما تقدم بطلب للحصول على تصريح ترميم هذه المنازل، أبلغته السلطات أن أربعة منها صدر بحقها أمر بالهدم. ومن أجل ترميمها، يجب أن يتراجع عبد المجيد مترًا أو مترين عن الواجهات بما يتوافق مع قانون الخمسينيات الذي وُضِع لتوسيع الشوارع. لكنه لم يفعل ذلك، بل تقدم بخطط لإعادة بناء الجدران الداخلية مع الحفاظ على الواجهات، وفي انتظار الحصول على رد.

مترجم: بين الثلج والخضرة.. فلسفة تغطية المصريين للحوائط بصور المناظر الطبيعية

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات