حين يستضيف باراك أوباما 6 من زعماء الملكيات العربية ضمن قمة كامب ديفيد المزمع عقدها في وقت لاحق هذا الأسبوع، فإنها ربما محاولة منه لطمأنتهم أن أمريكا تدعمهم ضد الإيرانيين والمتطرفين الإسلاميين.

لكن ربما بينه وبين نفسه يفكر أوباما في شيء أقل لطفًا: إن أيامكم معدودة.

تضع الفوضى في الشرق الأوسط أوباما في موقف حرجٍ بخصوص الأنظمة الاستبدادية في العالم العربي. يؤمن أوباما أن تلك الأنظمة بحاجة إلى إصلاح هائل، أو أنها ستضطر لمواجهة اضطرابات شعبية قد تطيح بهم وتحول بلادهم إلى سوريا أو ليبيا أخرى. في مقابلة له الشهر الماضي، قال أوباما محذرًا الحكومات العربية أن على الحكام العرب القلق من شعوبهم الغاضبة أكثر من قلقهم من إيران.

هذه الكلمات أثارت غضب بعض القادة العرب المدعوين إلى كامب ديفيد هذا الأسبوع، والذين يُشَبّهون منطقتهم المضطربة بمريض ينزف على سرير العمليات في غرفة الطوارئ. «أنقذ حياة المريض أولًا»، هكذا يقولون، عن طريق اجتثاث خطر إيران والإسلاميين المتطرفين بالطبع، ثم يمكن أن تأتي الأحاديث الفلسفية لاحقًا.

بعد أن أعلنت المملكة العربية السعودية يوم الأحد أن ملكها لن يحضر القمة – سوف يرسل وليَّ عهده ممثلًا عنه – قال محللون إن التوتر بينه وبين أوباما قد يكون السبب. تقول مصادر إن ملكين فقط من الملوك الستّة المدعوين قد يحضران؛ والباقون قد يكتفون بتمثيل دبلوماسي أقل مستوى. يقول المسؤولون في إدارة أوباما إن الحديث عن الإصلاح السياسي ليس على جدول الأعمال الرسمية للقمة التي يستضيف فيها أوباما ملوك دول مجلس التعاون الخليجي، وهو اتحاد إقليمي يشمل السعودية وقطر والبحرين والكويت وسلطنة عمان ودولة الإمارات العربية المتحدة.

«ليس الإصلاح السياسي هو ما ستتناوله كامب ديفيد، وليس ما صُممت كامب ديفيد لأن تناقشه؛ ينصب التركيز على تعزيز الشراكة لمواجهة التحدّيات المشتركة، سواء كان مصدرها إيران أو الجماعات الإرهابية مثل داعش». هذا ما يقوله مسؤول كبير في الإدارة.

يضيف المسؤول أن حقوق الإنسان والقلق بشأن الديمقراطية هي «أمور دائمًا في الخلفية» عندما يتعامل أوباما مع قادة الشرق الأوسط. لكن نشطاء حقوق الإنسان يعتقدون أنه من السيء جدًا أن تكون هذه المواضيع «في الخلفية». تقول سارة مورجان ممثلة منظمة هيومان رايتس ووتش في واشنطن: «ستركز القمة على التحديات الأمنية المشتركة. سيكون من المهم أن نحضر. لكن المشكلة أن أهداف الأمن القومي قد تم فصلها حتى الآن بشكل كبير عن الأمور الأخرى. مع أن الواقع يظهر أن الاهتمام بتلك الأمور الأخرى قد يساعد الاستقرار والأمن القومي».

في رسالة إلى أوباما الأسبوع الماضي حصلت عليها «بوليتيكو»، طالبت منظمة «هيومن رايتس ووتش» الرئيس الأمريكي بطرح قضايا الحرية والحقوق الساسية في لقائه مع ضيوف دول مجلس التعاون الخليجي، وكلها – بحسب المنظمة – دول تعاملت مع المعارضة السياسية المشروعة باعتبارها تهديدات للأمن القومي منذ اندلاع الربيع العربي في أوائل عام 2011.

المسؤولون العرب يأملون أن تسفر القمة عن ضمانات أمنية جديدة من واشنطن تمكنهم من احتواء قوة إيران، التي تعتبرها دول الخليج تشكل تهديدًا إقليميًا متزايدًا.

يحاول قادة دول مجلس التعاون الخليجي الحصول على طمأنات وسط مخاوف من أن أوباما قد يطور شراكة استراتيجية جديدة مع إيران. يشير البعض إلى أن أوباما كثيرًا ما يتحدث بإعجاب عن عظمة «الحضارة الفارسية»، وأنه ربما يكون معجبًا بالثقافة الفارسية أكثر من تلك العربية.

هذا التوتر، بجانب التوقعات المنخفضة – والتي تزيد انخفاضًا – بشأن الضمانات الأمنية التي قد تسفر عنها القمة، يمكن أن يفسر الحضور المنخفض المتوقع من ملوك وأمراء وسلاطين دول مجلس التعاون الخليجي. أمراء الكويت وقطر يتوقع أن يكونا الحاضرين الوحيدين، بينما من المتوقع أن ترسل السعودية، البحرين، عمان والإمارات العربية المتحدة ممثلين من العائلات المالكة. لكن بعض قادة الدول ممن يُتوقع ألا يحضروا القمة هم من كبار السن أو يعانون بالفعل من صحة متهالكة، وغالبًا لا يسافرون لمسافات طويلة. يقول المسؤولون في إدارة أوباما أن القضايا العالقة هي ليست سبب التمثيل المنخفض.

يلقي أوباما خطابات عامة فيما يخص الإصلاح في المنطقة، لكنه لا يعلق بشكل خالص على الانتهاكات السياسيّة الأخيرة داخل دول مجلس التعاون الخليجي، حيث يتم سجن المعارضين والتنكيل بهم؛ كما مررت كل من المملكة العربية السعودية والإمارات المتحدة قوانين قاسية بخصوص مكافحة الإرهاب العام الماضي تشمل أشكالًا واسعة من المعارضة السياسية والدينية.

في مارس، قضت محكمة سعودية بجلد المدون السعودي رائف بدوي ألف جلدة بالإضافة إلى الحكم بالسجن عشر سنوات والذي يقضيه بالفعل، في تهم تتعلق بـ «إهانة الإسلام». البحرين هي الدولة التي تقول عنها منظمة هيومن رايتس ووتش أن بها قمعًا لم يتم التحقق منه منذ أن قام النظام السني بدعم عسكري سعودي بإخماد انتفاضة للشيعة عام 2011 والتي دعت لاستبدال النظام الملكي بآخر جمهوري.

خفف أوباما أيضًا من ضغوطه على الديكتاتورية العسكرية في مصر، والتي عززت من سلطتها بعد حملة شديدة مدعومة بقوة من المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، حيث أنفقتا مليارات الدولارات لإسقاط حكومة الإسلاميين هناك.

إنه واقع يختلف كثيرًا بالتأكيد عن تلك الأيام التي حاول فيها أوباما مواءمة نفسه مع الشارع العربي، عندما اندلعت احتجاجات شعبية واسعة في أنحاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

«أحداث الشهور الستة الماضية تبين لنا أن استراتيجيات القمع والتفرقة لن تجدي نفعًا بعد اليوم. جيل جديد قد ظهر، وأصواتهم تخبرنا بأن التغيير لا يمكن إنكاره». هذا ما قاله أوباما في خطابه في مايو 2011 تعليقًا على الاضطرابات في العالم العربي.

تحدثت وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون بعبارات مماثلة، قائلةً في خطاب لها في العاصمة القطرية الدوحة: «أولئك الذين يتشبثون بالوضع الحالي قد يكونون قادرين على كبح جماح مشاكل بلدانهم بعض الوقت، ولكن ليس إلى الأبد».

مذ ذلك الحين، فإن أوباما قد شهد تلك الاحتجاجات الشعبية تُغرق سوريا والعراق وليبيا واليمن في الفوضى، بينما تساعد في انتشار جماعات متطرفة مثل داعش.

واجه أوباما أيضًا رد فعل غاضب إزاء محادثاته النووية مع إيران من الحكومات العربية السنية، والتي تعتبر إيران الشيعية عدوًا لدودًا.

«لقد ربح الوضع الأمني الرهان فيما يخص التوسع الديمقراطي» قال سيث جونز، وهو محلل لشؤون الإرهاب في مؤسسة «راند» البحثية. الكثير من المسؤولين العرب يقولون أنهم لا يستطيعون القيام بالإصلاحات إلا بشكل تدريجي، لتجنب غضب المتطرفين دينيًا، ومنع الاضطرابات السياسية المفاجئة. البعض يذكرون أيضًا أن أنظمتهم هي أكثر موالاةً للولايات المتحدة من المواطنين، وأن ديمقراطيةً نقيةً قد ينتج عنها أعداء جدد للولايات المتحدة في المنطقة الأغنى بالنفظ على مستوى العالم.

يبدو أن هذا الكارت رابح فيما يتعلق بمصر على الأقل. في مارس استأنف أوباما برنامج المساعدات العسكرية الأمريكية إلى البلاد، والتي كانت قد توقفت جزئيًا بعد أن مارس الديكتاتور العسكري المصري، الجنرال عبدالفتاح السيسي قمعًا وحشيًا ضد معارضيه السياسيين عقب انقلاب يوليو 2013.

الانقلاب أطاح بحكومة الإخوان المسلمين المنتخبة ديمقراطيًا، بعد أن أسقط الربيع العربي الديكتاتور حسني مبارك والذي حكم البلاد لمدة 30 عامًا. كان أوباما قد دعا إلى الإطاحة بمبارك، معلنًا في فبراير 2011 أن «المصريين أوضحوا اليوم ألا شيء بخلاف الديمقراطية الحقيقة سيستمر».

بعد تعليق المساعدات العسكرية في أكتوبر 2013، قال أوباما أنه سيتم استئنافها فقط عندما يُظهر النظام العسكري المصري تقدمًا نحو الديمقراطية. لكن أوامر أوباما في مارس – والتي سمحت بنقل طائرات F16 وأسلحة أخرى إلى مصر – لم تتطرق إلى الديمقراطية.

استئناف المساعدات أسعد المملكة العربية السعودية، الكويت والإمارات، وهي دول تضخ أكثر من 12 مليار دولار في الاقتصاد المصري، كما تقدم الدعم الاقتصادي والمالي لضمان صمود السيسي أمام ما يعتبرونه معارضةً إسلامية متطرفة. لكن خطوة أوباما أثارت انتقادات نشطاء حقوق الإنسان من اليساريين، وداعمي الديمقراطية من اليمينيين.

«السيسي يخلق نموذجًا غير مستقر، السؤال بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية هو ما إذا كان رفض الإسلام أمرًا كافيًا لجعلك صديقًا لنا. الجواب بالنسبة لي مع مرور الوقت: لا. ليس من الكافي فقط أن ترفض الإسلام المتطرف، عليك أن تتبنى نظامًا يغير بالفعل من الشرق الأوسط نحو الأفضل». هكذا يقول السناتور الجمهوري ليندسي غراهام.

يقول ريتشارد ليبارون سفير الولايات المتحدة السابق لدى الكويت: «إننا بحاجة للتوقف عن التصرف كما لو أن الشيء الوحيد المهم هو القوة العسكرية. إنها ضرورة استراتيجة أن نتواصل مع شعوب الشرق الأوسط ونتوقف عن الاهتمام كثيرًا بشؤون قادتهم».

يبدو أن أوباما يوافق على ذلك. في مقابلة الشهر الماضي مع الكاتب بصحيفة نيويورك تايمز توماس فريدمان، قال أوباما أن دولًا مثل المملكة العربية السعودية قد أحبطت شبابها الذين يواجهون معدلات مرتفعة من البطالة دون أن يكون لديهم أي منافذ سياسية مشروعة للمطالبة بحقوقهم. قال أوباما: «أعتقد أن التهديد الأكبر الذي يواجهونه قد لا يكون قادمًا من الغزو الإيراني، ولكن من الغضب المتصاعد داخل بلدانهم. إنها حقيقة يصعب ذكرها، لكنّها يجب أن تذكر».

فاجأ هذا الكلام القادة العرب وأزعجهم. هم يعتبرون الانتقادات العلنية من الإدارة الأمريكية ذات نتائج عكسية. «إنها حقيقة لا نرحب بمناقشتها في العلن». هكذا علق سفير دولة الإمارات العربية المتحدة يوسف العتيبة.

أشار العتيبة إلى أن بلادهم قد شاركت بجوار الولايات المتحدة في العديد من العمليات العسكرية، من كوسوفو إلى أفغانستان إلى الحرب ضد داعش. ثم ختم بالقول: «إن دولة لا تشاركك قيمك حاربت معك ست مرات، ما زلنا لا نشاركك قيمك الديمقراطية، لكننا بالرغم من ذلك شركاء عظماء».

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد