لا يستبشر خيرًا المستشار الدولي والكاتب المتخصص بشؤون أفريقيا ويتني شنايدمان بسياسة إدارة ترامب تجاه قارة أفريقيا، ويفنّد في مقاله الجديد في موقع معهد «بروكينجز» الخطوات التي اتخذتها الإدارة في السنوات الأخيرة تجاه الاستثمارات وتعزيز التعاون الأفريقي-الأمريكي، متسائلًا عن مدى جدية ترامب في توفير الأمن والبيئة الملائمة لازدهار الأعمال التجارية الأمريكية في هذه القارة.

تنافس القوى على الاستثمار في أفريقيا

منذ أربعة عشر شهرًا، بدأ جون بولتون –مستشار الأمن القومي آنذاك- بتطبيق سياسة ترامب المتعلقة بأفريقيا. ما تزال هذه السياسة توجّه نهج الإدارة تجاه المنطقة حتى الآن، وترتكز هذه السياسة من وجهة نظر بولتون على وضع الأولوية العليا للولايات المتحدة في أفريقيا على مجال التنافس بين القوى العظمى، أو كما يعبّر عنها بولتون: «توجّه -الصين وروسيا- استثماراتهما في المنطقة عمدًا بطريقةٍ تكتسبان فيها ميزة تنافسية على الولايات المتحدة».

وللردّ على هذه المنافسة التجارية الشديدة ظاهريًا على السوق الأفريقية، أعلن بولتون عن البرنامج الأمريكي «Prosper Africa» (ازدهار أفريقيا) والذي يهدف إلى «دعم الاستثمارات الأمريكية عبر القارة وتنمية الطبقة الوسطى في أفريقيا وتحسين مناخ الأعمال العام في المنطقة».

اشتدّت المنافسة في أفريقيا منذ تصريحات بولتون، ويسرد الكاتب أمثلةً مما حدث بعدها: عقدت روسيا أول قمة أفريقية لها على الإطلاق واستقطبت إليها 43 رئيس دولة. للعام الثلاثين على التوالي، ذهب وزير الخارجية الصيني لـجولةٍ أفريقية في أول رحلةٍ دولية له لهذا العام. يتحرك الشركاء التقليديون حفاظًا على نفوذهم من الضياع في المنطقة. كما أنهى إيمانويل ماكرون في الشهر الماضي مسيرة عملة الفرنك الأفريقي في محاولةٍ منه لاسترجاع رتم علاقات فرنسا مع غرب أفريقيا. وحتى المملكة المتحدة مع انشغالها بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، استضافت 15 رئيس دولة أفريقية لحضور قمة استثمارية.

Embed from Getty Images

أما بالنسبة للولايات المتحدة، فإن برنامج ازدهار أفريقيا يمشي بخطا بطيئة. يعد هذا البرنامج بالنسبة لمجتمع الأعمال الأمريكي الأوسع إلى الآن مجرد صفحة ويب ثابتة موجودة على موقع وزارة التجارة الأمريكي. لم تتحقق المشاركة رفيعة المستوى في أفريقيا من قبل إدارة ترامب فعليًا، رغم أهميتها الكبيرة لتعزيز المصالح التجارية. أما آخر زيارة أجراها عضوٌ حاليّ في حكومة ترامب لأفريقيا فتعود لويلبر روس، حين عبر في جولته على غانا ليتوقف فيها لمدة يومين في شهر يوليو (تموز) 2018. وفي الأسبوع الماضي، فرضت الإدارة حظرًا على السفر على نيجيريا (أكثر الدول الأفريقية سكانًا وهي السوق الأفريقي الأكبر)، وكذلك على تنزانيا والسودان وإريتريا، ما سيزيد فقط من إدراك المخاطر عبر القارة للمستثمرين الأمريكيين.

«إذا لم تكن إدارة ترامب مستعدة للاستثمار في أمن أفريقيا، فكيف يمكن لها أن تدعو الأعمال التجارية الأمريكية للتنافس على الفرص التجارية للقارة؟»

ومع ذلك، يعتبر الكاتب أن هناك نقطة إيجابية تتمثل بجاهزية مؤسسة تمويل التنمية الأمريكية (DFC) الجديدة للعمل. ومن الأمور الإيجابية أيضًا وفقًا للكاتب، دعوة السفير الأمريكي في جنوب أفريقيا لانا ماركس للرئيس سيريل رامافوزا –بصفته رئيس الاتحاد الأفريقي- للمشاركة في استضافة قمة أعمال أمريكية-أفريقية في واشنطن مع الرئيس ترامب. ويأمل الكاتب أن يقبل الرئيس رامافوزا الدعوة. وعلى الرغم من ذلك، يبقى السؤال فيما إذا كان لدى هذه الإدارة استراتيجية متماسكة ستمكن الشركات الأمريكية من المنافسة بفعالية في أفريقيا، ناهيك عن اكتساب ميزة تجارية.

Embed from Getty Images

مبادرة ازدهارٍ متعرقلة

عُقدت قمة الأعمال الأمريكية-الأفريقية في يونيو (حزيران) 2019 في مابوتو موزمبيق، وحضرها أكثر من ألف من كبار رجال الأعمال من الولايات المتحدة وأفريقيا. في هذه القمة، قدّم مدير الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية مارك غرين رؤية مؤثرة لبرنامج ازدهار أفريقيا. تضمنت أجندة البرنامج إنشاء فرقٍ للصفقات في السفارات الأمريكية لتسهيل الاستثمارات والوصول إلى الأسواق، ووضع مركز رابعٍ للتجارة والاستثمار في شمال أفريقيا، وسيسهّل الموظفون الأمريكيون المعاملات من خلال التمويل المختلط وضمانات القروض والمعلومات المتعلقة بالأسواق لإزالة المخاطر عن الاستثمارات.

كما شدّد المنسق المرحلي لمبادرة ازدهار أفريقيا مات ريس في نسخة «استشراف أفريقيا» لهذا العام، على أن برنامج ازدهار أفريقيا يُفترض به أن «يغير علاقتنا مع أفريقيا من علاقة نهجٍ مستدام للمساعدة والشركة والإغاثة الإنسانية، لنخطو خطوتنا الأولى نحو واحدةٍ من شراكاتنا للقطاع الخاص والاستثمار».

لكن بصرف النظر عن اجتماعاتِ العمل المعقودة في كينيا وتونس، فإن إدارة ترامب لم تحوّل بعد هذه الفكرة الجيدة إلى أداة سياسية فعالة. فوفقًا للكاتب، تعرقل بدء تنفيذ برنامج ازدهار أفريقيا بسبب التنازع البيروقراطي حول المكان الذي سيستضيفه -الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، أو المؤسسة الأمريكية الجديدة لتمويل التنمية، أو وزارة التجارة، أو غير ذلك كله – تبقى قيادة مبادرة ازدهار أفريقيا معلقة، ولا تظهر القيادة المؤقتة حتى على موقع المبادرة، كما لا توجد هيئة أو فريق عمل أو أي جهة اتصال. لم يتضح حتى الآن كيف يمكن للوكالات الحكومية الأمريكية الست عشر المشكلة للمبادرة أن تعمل بمثابة كيان موحد لمساعدة الشركات الأمريكية على التنافس في أفريقيا.

مؤسسة تمويل التنمية الأمريكية

يشدّد الكاتب على قدرة مؤسسة تمويل التنمية الأمريكية المؤسسة حديثًا على تغيير قواعد اللعبة بالنسبة لأعمال الولايات المتحدة الأمريكية في أفريقيا، ويشيد بقدرتها على تمويل المشاريع بالعملات المحلية وإتاحة المساعدة التقنية وهو ما سيكون مفيدًا للشركات الأمريكية. سارع الرئيس التنفيذي الجديد للمؤسسة آدم بوهلر -الذي يتمتع بخبرة في مجال الرعاية الصحية ورؤوس المال الاستثمارية- إلى إبراز أهمية الوكالة الجديدة عبر خطواتٍ متعددة، بما ذلك زيارته لإثيوبيا في نوفمبر الماضي ومشاركته في منتدى الاستثمار الأفريقي في جنوب أفريقيا.

ومع ذلك، يتمثل أكثر التحديات إلحاحًا لبوهلر في حل المسألة العالقة بين مكتب الإدارة والميزانية من جهة ورعاة الكونجرس لمشروع القانون الذي أتى بالمؤسسة من جهةٍ أخرى. حاليًا، لدى مؤسسة تمويل التنمية 150 مليون دولار فقط لتُشغّل في استثمارات الأسهم، وهو مجرد جزء صغير من الالتزامات الطارئة -وتبلغ 60 مليار دولار- التي أذن بها الكونجرس للوكالة الجديدة.

ما بعد قانون النمو والفرص

يقول الكاتب أن الوقت قد حان للتفكير في المرحلة التالية لقانون النمو والفرص في أفريقيا (AGOA) والذي ينتهي بعد خمسِ سنواتٍ من الآن -2025-، ويعد هذا القانون حجر الأساس في العلاقات التجارية بين الولايات المتحدة وأفريقيا. لم تتضح بعد الخطوات التالية المتعلقة بالاتفاقيات التجارية مع أفريقيا، على الرغم من ظهور بعض التلميحات وفقًا للكاتب: بعد وقت قصير من توليه منصبه، عرض الممثل التجاري الأمريكي روبرت ليثيزر التفاوض بشأن اتفاقية تجارة حرة (FTA) مع أي دولة أفريقية مهتمة.

وبعد ثلاث سنوات تقريبًا من ذلك العرض – تحديدًا هذا الأسبوع – يُحتمل إعلان الولايات المتحدة وكينيا عن خططٍ لبدء مفاوضات تجارة حرة خلال زيارة الرئيس الكيني أوهورو كينياتا لواشنطن. تأمل إدارة ترامب في أن تغدو هذه الاتفاقية التجارية نموذجًا للمزيد من اتفاقيات التجارة الحرة مع الدول الأفريقية الأخرى، لكن هل تخطط إدارة ترامب لاستبدال قانون النمو والفرص في أفريقيا بعدة اتفاقيات تجارة حرة؟ بغض النظر، ما زال يتعين رؤية كيف ستؤثر اتفاقية التجارة الحرة بين الولايات المتحدة وكينيا على تنفيذ اتفاقية التجارة الحرة القارية الأفريقية.

يشدّد الكاتب مجددًا على ضرورة تمديد فوائد قانون النمو والفرص في أفريقيا إلى ما بعد 2025، طالما جرى التوصل إلى بدء التنفيذ التدريجي للفوائد التجارية التبادلية.

Embed from Getty Images

اختلال التوازن بين الأمن والتنمية

منذ إنشاء القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا عام 2007، سعت الإدارات المتعاقبة إلى تحقيق توازن بين الأمن والتنمية الاقتصادية في القارة. في الواقع، تكلّم القادة العسكريون الأمريكيون بصراحة مناصرين لميزانيات التنمية المتينة باعتبارها ضرورية للحفاظ على الأمن العالمي. يقول الكاتب أن مثل هذا التوازن ضروري لأهداف إدارة ترامب في المساهمة في تحقيق طبقة وسطى مزدهرة وبيئة استثمار ملائمة للأعمال في أفريقيا. ستتسبب التقارير التي تفيد بأن البنتاجون يفكر في «انسحاب واسع النطاق» من غرب أفريقيا بإعاقةٍ كبيرة للجهود السابق ذكرها.

إذا قلصت إدارة ترامب دعمها لحلفائها الأوروبيين والأفارقة الذين يقاتلون تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي وبوكو حرام في نيجيريا، ستجابه الشركات الأمريكية صعوبة أكبر في فهم سببِ وجوب استثمارهم في القارة. يذكر الكاتب مثلًا الهجوم الأخير الذي قامت به حركة الشباب على القوات الأمريكية المتمركزة في قاعدة جوية في شمال كينيا، والذي يؤكد على الحاجة إلى سياسة أمريكية تساهم في تعزيز الأمن والتنمية على قدم المساواة، وهو ما يولد بالنهاية فرصًا استثمارية حقيقية. إذا لم تكن إدارة ترامب مستعدة للاستثمار في أمن أفريقيا، فكيف يمكن لها أن تدعو الأعمال التجارية الأمريكية للتنافس على الفرص التجارية للقارة؟

«مع ضرورة الدعم التجاري لتحفيز المزيد من الاستثمارات الأمريكية في أفريقيا، إلا أن الاستراتيجية الدبلوماسية والتجارية والأمنية المنظّمة لا تقل أهمية عنه»

مصاعب في أوجه الاستثمار

تعتمد العديد من الشركات الأمريكية على شكل ما من أشكال الشراكة مع الحكومة الأمريكية لتخفيف المخاطر وممارسة الأعمال التجارية في أفريقيا. يأتي ذلك بأشكال عديدة: الدعم من واشنطن أو السفارة، أو موارد من مؤسسة تمويل التنمية الأمريكية، أو تمويل الصادرات من بنك الاستيراد والتصدير الأمريكي –والذي جدد الإذن له حديثًا- وذلك على سبيل المثال لا الحصر. يعتقد الكاتب بأن مبادرة ازدهار أفريقيا -إذ تؤدي كلّ مهامها وتُمول من مؤسسة تمويل التنمية بالكامل- من الأمور الأساسية لتعميق العلاقات التجارية بين الولايات المتحدة وأفريقيا، وأن مؤتمر الاستثمار الأمريكي الأفريقي سيشكّل عاملًا حاسمًا بالمثل.

مع ضرورة الدعم التجاري لتحفيز المزيد من الاستثمارات الأمريكية في أفريقيا، إلا أن الاستراتيجية الدبلوماسية والتجارية والأمنية المنظّمة لا تقل أهمية عنه. لن تظهر سياسة استشرافية متكاملة تجاه القارة حتى يقرر أعلى القادة مرتبةً في الإدارة أن أفريقيا منطقة ذات أولوية بالنسبة للولايات المتحدة.

سياسة

منذ سنتين
وصفها بـ«بؤر القذارة».. كيف تنظر أمريكا إلى أفريقيا في عهد ترامب على أرض الواقع؟

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد