بعد ميلادنا مباشرة، وحتى من قبل أن نعي أي شيء عن العالم من حولنا، يكون أول ما يربطنا بهذا العالم هو البيانات، وذلك من خلال بيانات ميلادنا التي يجري تسجيلها في قواعد البيانات الحكومية، وتتوالى الأيام والسنوات وتتراكم معها البيانات المتعلقة بنا وبأنشطة حياتنا المختلفة، وحتى بعد أن تتوقف قلوبنا عن الحركة، فإن البيانات المتعلقة بنا لا تتوقف عن الحركة ولسنوات طويلة قادمة لن نكون فيها بين الأحياء، واليوم أصبحت قواعد البيانات الضخمة تحتوي على كميات ضخمة من البيانات التي تتعلق بنا وبالخدمات المختلفة التي نتلقاها من الحكومات والشركات الخاصة والتي تتعلق بكافة أنشطة حياتنا؛ من استخدامنا للإنترنت، إلى قائمة تسوقنا، ووسائل المواصلات التي نستخدمها، وكذلك الخدمات الصحية والتعليمية والاجتماعية التي نتلقاها، وغير ذلك من أنشطة حياتنا التي ينتج عنها كميات ضخمة من البيانات يجري تخزينها داخل قواعد بيانات ضخمة ليجري التنقيب والبحث فيها ودراستها.

السؤال الهام الذي يطرح نفسه هو: هل من الممكن توظيف هذه البيانات لتقديم خدمات أفضل لعامة الناس وتحسين مستوى معيشتهم دون أن يتم الاعتداء على خصوصيتهم، حتى لو تطلب الأمر محو كل البيانات المتعلقة بهوية هؤلاء الأشخاص؟

هل كان الرجال الذين يترددون على إحدى بيوت البغاء في نيويورك يتوقعون أن تكون خصوصيتهم مثارًا لجدل واسع تلعب البيانات فيه دور البطولة؟ لقد قام أحد علماء البيانات لأغراض بحثية بالتنقيب والبحث داخل قاعدة بيانات تحوي بيانات رحلات التاكسي لمدينة نيويورك، وبالرغم من أن البيانات لا يوجد بها أية بيانات لتعريف هويات الزبائن، فبإمكان من على اتصال بقاعدة البيانات هذه أن يعد قائمة بالوجهات والعناوين التي قصدها الركاب الذين ركبوا من جوار بيت البغاء، ومن خلال البحث عن هذه العناوين داخل قاعدة بيانات الناخبين والمتاحة للعامة يستطيع التعرف على من يعيش في هذه العناوين، ما يمكن أن ينعكس بشكل سلبي على حياتهم الزوجية والأسرية!

لإخفاء هوية أي سِجّل داخل قاعدة بيانات يتطلب الأمر حذف كل البيانات التعريفية والشخصية، ويأتي على رأسها: الأسماء، وأرقام الهواتف والعناوين، وأية تفاصيل شخصية أخرى. عندها سيعتبر هذا السِجل من غير هوية، ويمكن استخدامه بأمان من قبل الباحثين وحتى من قبل العامة دون أن ينتهك خصوصية الأشخاص الذين تخصهم هذه البيانات.

لكن التهديد يظل قائما لكشف هوية أحدهم وانتهاك خصوصيته من خلال الربط بين قواعد بيانات مختلفة، فالمتطوعون المشاركون في بعض الأبحاث الجينية تم التعهد لهم بحذف بيانات تعريف هوياتهم من قاعدة البيانات الخاصة بهذا المشروع، ولكن تم التعرف عليهم من خلال الربط بين قاعدة بيانات المشروع وبعض قواعد البيانات المتاحة للعامة مثل قاعدة بيانات الناخبين، وتم كشف السجل الطبي لحاكم ولاية ماساشوستس بالولايات المتحدة باستخدام هذه الطريقة بمعرفة أحد الموظفين بإحدى مستشفيات الولاية.

نحن إذا أمام معضلة حقيقية؛ إذ كيف نستطيع الحفاظ على خصوصية الأشخاص في نفس الوقت الذي نستطيع فيه توظيف كنوز البيانات ودراستها وتحليلها لنستفيد منها بفاعلية؟ فاليوم وعلى سبيل المثال تُخَزن أجهزة الكمبيوتر المدمجة بالسيارات الحديثة بيانات كثيرة عن تحركات سيارة محددة ومن خلال تحليل هذه البيانات يمكن زيادة الأمان على الطرق، وفي المملكة المتحدة التي تتمتع بنظام تأمين صحي قومي يستطيعون من خلال الربط بين قاعدة بيانات السجلات الطبية وقواعد البيانات الأخرى التي قد تحتوي بيانات شخصية من تحسين الخدمات الصحية المقدمة للمواطنين، وتتبع بعض الأمراض بسهولة.

وأحد العقبات التي تحول دون حل هذه المعضلة أنه لا توجد قواعد موحدة يجري التعامل بها مع بيانات تعريف الهوية، ففي الولايات المتحدة على سبيل المثال يوجد في كل ولاية تشريعات وقواعد مختلفة، وقد يرجع هذا إلى أنه من الصعب جدا الحصول على قواعد ثابتة وموحدة لتنظيم هذا الأمر، فالبيانات عُرضة للتغيير باستمرار، وما قد ينطبق على أحد قواعد البيانات قد لا ينطبق على بقيتها، ولتجاوز هذه العقبة فقد نادى البعض بمنع إتاحة البيانات للعامة، وبإتاحتها للباحثين فقط تحت قيود وصلاحيات محددة، رغم أن هناك بعض الأصوات التي تقول أن هذه الإجراءات قد تحد من القدرة على الاستفادة من هذه البيانات ودراستها بفاعلية.

وحتى لو تم إهمال أمر حذف بيانات الهوية، فلابد من حد أدنى يضمن حدًّا معقولًا من الخصوصية، وفي هذا الشأن تستطيع الرياضيات أن تمد لنا يد العون من خلال المعادلات الرياضية والخوارزميات التي يمكن استخدامها لتشفير البيانات وتأمين عمليات البحث والتنقيب فيها، ويمكن أيضا الاستعانة بعلم قواعد البيانات وما يمكن أن يقدمه من طرق ووسائل تنظم عمليات تخزين البيانات واستدعائها بأمان، وهناك طرق رياضية أخرى بدأت تستخدم على نطاق محدود لدى شركات مثل جوجل وميكروسوفت لتضمن جودة البيانات سواء احتوت على بيانات الهوية أم لم تحتوِ عليها، وتشترك هذه الطرق وغيرها أنها ما تزال تستخدم في نطاق ضيق، فضلا عن الكثير من التحديات التي تواجهها لتطبيقها في نطاق واسع وخاصة مع محيط ضخم من البيانات لا تتوقف أمواجه عن الحركة.

وفي سبيل السعي للوصول لحل هذه المشكلة، فلابد من إشراك عامة الناس في حوار شفاف ومستمر مع كافة الأطراف التي لها علاقة بهذا الأمر، من أجل الوصول لمعادلة متوازنة توازن بين حماية الخصوصية واستخدام البيانات بشكل عملي وفعال، لينعكس هذا كله بشكل إيجابي على تطوير وتحسين ما يقدم للناس من خدمات.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد