بدأت الكاتبة إليزابيث، مقالها المنشور على موقع صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية، أنّ الزواج بين الثقافات المُختلفة، كأيِ زواجٍ آخر، أساس نجاحه هو التوازن والمرونة. وبعد أن تُدركَ أن تغيير الشخص الآخر، مهمة صعبة المنال، تبقى مسألة الأولاد المعركة المُشتعلة.

وذكرت إليزابيث أن الأولاد هم حاملو السلالة، وطريق الخلود، والمسؤولية العظمى، وأنّ أثناء تربية الأولاد، يوجد مساحات سهلة التفاهم عليها، كتعليم الطفلِ أكثر من لغة مثلًا. ومساحات أخرى من الصعب التفاهم عليها، كقصِّ شعر الطفل، أو هل يرتدي الطفل حذاءه داخل المنزل، ومتى يمكن أن يخلعه وهو خارج المنزل. وأنّ السؤال الأصعب، الذي واجهها منذ أن أصبحت أمًا: «هل يمكن أن يصبح طفلنا يهوديًا ومسلمًا؟».

تقول إليزابيث أنه قبل حفل زفافها، قالت لها أمها: «إنّ أطفالك يجب أن يعتنقوا اليهوديّة؛ فالهويّة اليهودية تُورّث لأي طفلٍ أمهُ يهودية»، وقارنت إليزابيث الموضوع، نفسه في الإسلام، ولكن من طرفِ الأب، أنّ الأبناء عادة ما يتم تورثيهم الهوية الدينية للأب، ولهذا السبب؛ فمن المُباح أنّ يتزوج الرجل المسلم يهودية أو مسيحية. على عكس المرأة، التي إن تزوجت غير مسلمٍ، فقد يثير هذا جدلًا كبيرًا.

مصدر الصورة

تقول إليزابيث أن قرار زواجها من زوجها أفوق لم يكن سهلًا، فقد انتظروا ست سنوات للمواعدة. وأثناء الست سنوات، كانت نقاشاتها اليومية مع زوجها الحالي، تحوم حول الإمكانيات أو الاحتمالات لما قد يحدث مستقبلًا. وسألت إليزابيث زوجها يومًا: «ماذا لو أنجبنا طفلة، هل تريد منها ارتداء الحجاب؟»، فأجاب أفوق: «ماذا ستقولين لطفلنا إن سألكِ عن الله؟»، تقول إليزابيث: «حاولنا أنا وأفوق استشراف مستقبلنا معًا، وتصورناه مستقبلًا مجهولًا، ليس له معالم واضحة»، وكتبت ملاحظة على أنّ زوجة الرسول محمد «صفيّة» كانت يهودية، وصفيّة تعني النقاء.

تذكر إليزابيث أن بعد زواجها، وعند إنجابها لطفلها «سامي»، كانت فترة توقعاتها وأفوق، وتوقعات عائلتيهما لهويّة سامي، مرحلةً رئيسية. فحماتها كانت ترسلُ لها، فيديوهات لأطفال صغار يقرؤون القرآن، باعثة رسائل الأمل والتلميح، وأنّه بسبب أنّ الحمل على سامي ثقيلًا، فأطلقوا عليه، هي وزوجها، لقب «طفل السلام»، راجين أنّ تنتهي الانقسامات، وتقول: «سامي تجلٍ حيّ للسلام، يُوحّدنا في الطقوس الدينية، وينشر الحب في محيط العائلة».

وتذكر أيضًا: «عندما بلغ سامي الرابعة من عمره، كان يُرافق أباه إلى المسجد، بعض أيام الجمعة، ويحذو فعل والده في السجود. وفي جُمعات أخرى، يبقى في المنزل ليساعدني في صنع الخبز».

وتحدثت إليزابيث على أن وجود الثقافتين في بيتهم، أزعج الكثير من الناس، بما فيهم أهلهم وأصدقاءهم المقربين. فهم يريدون جوابًا حاسمًا، إن كان سامي مسلمًا أم يهوديًا. ففي زواجهم، رأوا الناس الخسارة، ورأت إليزابيث وأفوق الربح. ذات مرة، سألها جارها اليهوديّ مذعورًا: «كيف يمكنك أنّ تقرري لمستقبل ابنك هذا القرار الذي لا يغتفر، فعدد اليهود عالميًا في انخفاض مستمر!».

«الحب مقامٌ إلهيٌ».. أسرار العشق بين التصوف الإسلامي والمسيحي

وتذكر أنها أجابته: «نمو طفلنا في بيئة مسلمة ويهودية أعظم هدية له، ففي عمر الرابعة، لديه إمكانية أن يعيش ويُقدّر الاختلاف. ومنحنا طفلنا هدية أعظم، ففي حياتنا باعتبارنا والدين، لم نعش في عالم منفصل، دينيًا وثقافيًا، بل استطعنا أن نجمع الثقافات في بيت واحد، فنحتفل ونُقدّر المشترك بيننا، بداية من قصص الكتاب المقدس، إلى فعل الصيام، وأيضًا طرق إعداد الطعام». وتقول الكاتبة أنه أحيانًا، عندما تواجه موقفًا أخلاقيًا، يأتيها الخاطر: «ماذا كان ليفعل محمد في هذا الموقف؟»، وأحيانًا، يستشهد زوجها من كتاب التوراة، لدعم بعض حججه.

وأسهبت إليزابيث قائلة: «عندما يكبر سامي، ونشرح له كيف علمتنا أدياننا تقبل الاختلاف. وسنركز على أن نعرض له المشتركات بيننا، من زمن إبراهيم إلى يومنا هذا».

تروي إليزابيث أنها تعلمت من عائلتها، ومن سنٍ مبكر، أنّ تكونَ يهوديًا هو أن تسأل الأسئلة. وتذكر أنّ الآن، يعيش طفلها سامي المرحلة الممتعة، مرحلة أسئلة «لماذا؟». وستكلف إليزابيث سامي في عيد الفصح القادم، بطرح الأسئلة الأربعة. وتذكر أنّ العام الماضي، مرَّ أخو زوجها بهذه المرحلة، وطرح الأسئلة، وحينها توتر الجميع، وكانوا يأملون أنّ لا يفقد شعوره بالانتماء لمكانه، في حين أنّه رأى (أخو زوجها) ما كانوا يرونه، أنهم ينتمون لثقافات ذات سلالات مشتركة، وقصص متشابهة، وأخلاق وآمال متقاسمة.

«ما هي القصص التي سنشاركها سامي؟» تذكر إليزابيث أن هذا هو السؤال الملح، والذي تطرحه على نفسها وعائلتها.

تسهب الكاتبة وتقول: «قرّرنا، أن نشاركه القصص التي تُوحدّنا. أحيانًا، نشعر أننا نقف على جزيرة، بعيدة عن عالمنا، ولكنه مرتبط به من خلال عائلاتنا ومعارفنا. وبالنسبة لسامي، فبيت عائلاتنا اليهودية والمسلمة، البيت الوحيد الذي يعرفه ويألفه».

يوم الوئام، يُحتفل به في أستراليا يوم 21 مارس من كل سنة بمناسبة تعدديتهم الثقافية – مصدر الصورة

كل هذا يعني، أنّ هناك المزيد من الاحتفالات. تروي الكاتبة تجربتها عندما علمت سامي ابنها، أول كلمات من صلاة الحانوكا، وكررها أمامها بلهجة مُتقنة، وقالت: «لا يمكن إلا لشخص متعدد اللغات أن يتقنها». «باروخ عطا، وتعني عيد ميلاد سعيد!»، قالها سامي ببهجة، وأشعل الشموع بعناية. فسألته إليزابيث: «عيد ميلاد من؟ هل هو عيد ميلاد ماما؟ أم عيد ميلاد سامي؟»، أجابها سامي وعينيه مليئة بالسعادة: «إنه عيد ميلاد محمد!»، وتذكر الكاتب أنهم احتفلوا الأسبوع الماضي بـ«القنديل»، (مولد الرسول محمد) ، ولكن من غير الشموع، وإنما بتجهيز كعكة الشوكولاتة بالتوت.

تنهي إليزابيث مقالها، وكلها أمل قائلة: «يوما ما، سيدرك سامي الاختلافات، بكل جوانبها المعقدة». وتضيف: «نحن لسنا ساذجين، فلن تكون مهمة سامي سهلة. سيسأل أسئلة صعبة، وسنجاوب عليه بكل صراحة. وسيختار سامي، بإرادته، طريقه الخاص»، وأنه بالنسبة لإليزابيث بوصفها أمًّا يهودية، وأمًّا مُحِبّة لوالد سامي، كما والده محبٌ لها، أنّ يتعلم سامي المشتركات بين ثقافاتيهما.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!