مؤتمر برلين الذي سيعقد قريبًا؛ يوفر فرصة الحل الدبلوماسي لكل الأطراف في الحرب التي تدور رحاها بالوكالة في ليبيا. فهل ينتهزون هذه الفرصة؟

يتساءل طارق المجريسي، الباحث والمحلل المتخصص في شؤون الشرق الأوسط، عبر موقع المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، حول المؤتمر المزمع عقده في برلين قريبًا لحل الأزمة الليبية. ويرى الباحث أن ألمانيا، خلافًا لكل الأماكن السابقة التي نظمت مؤتمرات أو مبادرات مماثلة، هي الأوفر حظًا في النجاح نظرا لعدم انخراطها في حرب الوكالة والصراعات في ليبيا. 

دخول ألمانيا المعترك يغير قواعد اللعبة

يقول الباحث: كان نهج المجتمع الدولي تجاه ليبيا هو جعله مقصورًا في التعامل على عدد قليل من البلدان منذ عدة سنوات وحتى الآن، وليس لدى هذه الدول سوى القليل لتقديمه. لذا فإن دخول ألمانيا مؤخرًا في المعركة هو تغيير محتمل في اللعبة: من المقرر عقد مؤتمر دولي للأمم المتحدة بشأن ليبيا هناك في نوفمبر (تشرين الثاني). وجاء قرار أنجيلا ميركل باستضافة المؤتمر بعد تحذير من المستشارة حول مخاطر انزلاق ليبيا إلى الفوضى الشبيهة بسوريا.

لا يعني المؤتمر الكثير في حد ذاته بحسب المجريسي: فعلى أي حال، عقدت العديد من مؤتمرات القمة هذه وتفرقت على مر السنين، بنفس الوجوه الليبية ونفس الدول حول الطاولة. وتخرج إعلانات ثم تنسى. وإذا كانت ألمانيا تريد أن تؤدي مبادرتها الجديدة، ودخولها النادر في السياسة الخارجية لشمال أفريقيا، إلى استقرار ليبي أكبر، فسيتعين عليها العمل بجد لضمان وضع جدول الأعمال الصحيح على الطاولة، وأنها لديها ما يكفي من الحلفاء لوضعه موضع الاعتبار.

ليبيا

محاباة طرف على حساب الآخر

ويضيف الباحث: إن اختيار المكان لعقد الاجتماعات السابقة رفيعة المستوى بشأن ليبيا، والدول الرائدة في المبادرات الأخيرة، تروي حقيقة ما حدث: اثنان لباريس، واثنان لأبو ظبي، ومصر هي الدولة الوحيدة المكلفة بتنفيذ جزء من مشروع توحيد عسكري ضمن أحدث خطة عمل للأمم المتحدة من أجل ليبيا. وبالنظر إلى أن فرنسا والإمارات العربية المتحدة ومصر هي أيضًا أكبر ثلاثة مؤيدين لجانب واحد في الحرب في ليبيا، وهو المشير خليفة حفتر؛ فليس من المستغرب أن تنتهي هذه الاجتماعات بمحاباة ذلك الجانب، من خلال رفع مركز حفتر أو تشويه الانتقال السياسي في ليبيا في محاولة لتأمين موقعه.

لتوضيح ذلك، يتابع المجريسي: رفع الاجتماع الأول الذي عقده إيمانويل ماكرون، في مدينة لاسيل سان كلو، مرتبة حفتر للتكافؤ مع رئيس حكومة الوفاق الوطني المدعومة من الأمم المتحدة فايز السراج. فاقمت هذه الخطوة التعقيد الكبير للوضع السياسي والأمني ​​في ليبيا في قالب من جزأين أدى إلى تحويل البرلمان المنتخب في البلاد إلى عالم النسيان.

وفي الآونة الأخيرة، قوض «اتفاق أبو ظبي» في مارس (آذار)، والذي لم تنشر محتوياته بعد، عملية المؤتمر الوطني التابعة للأمم المتحدة، وهي مبادرة من القاعدة إلى القمة تهدف إلى إعادة إطلاق المشهد السياسي في ليبيا ومن ثم بدء عملية انتقالية. ولو كانت مبادرة أبو ظبي نجحت، لكانت أسفرت عن صفقة فجة، من شأنها أن تمنح حفتر السلطة المطلقة تقريبًا، والتي لم يوافق عليها سراج أو حتى حفتر في نهاية المطاف.

القمم والمبادرات أججت الحروب بدلًا من وقف الصراع

ويتابع الباحث في تعليقه الذي نشره على موقع المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية: كانت النتيجة النهائية لسلسلة مؤتمرات القمة والمبادرات على مر السنين هي حرب على نطاق لم تشهده ليبيا منذ انتفاضة 2011 ضد معمر القذافي. وعلى وجه الخصوص ، شهدت البلاد تشجيعًا لحفتر على مهاجمة طرابلس في صورة مستترة للاستيلاء على السلطة.

حفتر يهدد مصالح تركيا

وأدت أعمال القتال المتجددة إلى زيادة تدويل النزاع، وقادت خصوم حفتر إلى مطالبة تركيا بتقديم تكنولوجيا عسكرية مناظرة وأدت إلى تطبيع حالة الحرب في جميع أنحاء البلاد وسمحت لتنظيم الدولة بإعادة ترسيخ أقدامها ودمرت البنية التحتية الليبية المصابة بالفعل بالشلل. وأدى النزاع المتجدد إلى تعميق الانقسامات القائمة وخلق انقسامات جديدة، مما يعني أن التحالفين الفضفاضين بالفعل يمكن أن يتفككا إلى خليط من الصراعات التي تغطي البلاد كلها.

كل هذا لم يثن مؤيدي حفتر عن مواصلة تعزيز وحماية حليفهم. واستغلت فرنسا والإمارات العربية المتحدة ومصر نفوذها الدبلوماسي في واشنطن العاصمة ونيويورك لضمان استمرار الولايات المتحدة في التعاطف وأن يظل مجلس الأمن الدولي غير قادر على معالجة القضية، على الرغم من الانتهاكات الصارخة والمستمرة لحظر لأسلحة المفروض من قبل الأمم المتحدة. 

ويتابع المجريسي: تدرك ألمانيا المشكلة التي تواجهها جيدًا، نظرًا لأن هجوم حفتر تزامن مع رئاستها لمجلس الأمن، حيث تم خلال هذه الفترة عرقلة محاولاتها لتمرير قرارات في جلسات استثنائية أو تمييع هذه القرارات. تشير التصريحات الأخيرة لميركل وسفير ألمانيا في ليبيا إلى أن ألمانيا تدرك مخاطر السماح لليبيا بالاستمرار في مسارها الحالي، وأهمية تقييد التدخل الدولي في ليبيا.

ألمانيا اختارت توقيتًا جيدًا بعد كسر شوكة حفتر

لقد اختارت ألمانيا توقيتًا جيدًا على الأقل، بحسب الكاتب. ذلك أن هجوم حفتر العسكري على العاصمة ينهار منذ أن فقد قاعدة العمليات الأمامية في بلدة غريان في أواخر يونيو (حزيران). وفشلت هجماته منذ ذلك الحين في السيطرة على الأرض لأكثر من بضع ساعات، كما أن التحالف المناهض لحفتر يطبق ببطء حول آخر معقل له وهي بلدة ترهونة. وتعتمد قواته بشكل متزايد على الزيادة الأخيرة في الضربات الجوية المصرية والإماراتية، وعلى شحنات الأسلحة الثقيلة، لمجرد الاحتفاظ بأهميتها في ساحة المعركة، بصرف النظر عن أضرارها الجانبية. هذا يمكن أن يخلق بالتالي فرصة للمؤتمر لكي يخرج باتفاق جديد.

ويرى الباحث أن التأثير المزعزع للاستقرار لضعف حفتر في جنوب البلاد، ومعقل المشير في شرقي ليبيا، يبدو أنه يتسبب في ذعر بين مؤيديه الدوليين، بالنظر إلى دعواتهم المتزايدة إلى حل دبلوماسي. إلى جانب ذلك، أعربت دول شمال أفريقيا الأخرى منذ فترة طويلة عن قلقها بشأن استقرار ليبيا، كما فعلت دول غرب أفريقيا: وسمع اجتماع للمجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس) عقد مؤخرًا دعوة واضحة إلى قرار عاجل.

هذه العوامل تتجمع الآن لخلق إرادة واسعة النطاق نادرة لحل تفاوضي. على هذا النحو، فإن مؤيدي حفتر منفتحون الآن على إعادة النظر في الخطة المكونة من ثلاثة أجزاء التي طرحها الممثل الخاص للأمم المتحدة غسان سلامي في يوليو (تموز)، والتي تدعو إلى هدنة وممارسات لبناء الثقة ومؤتمر دولي لدفع عملية سياسية من القاعدة إلى القمة.

ألمانيا تحتاج للتركيز على الأطراف الدولية

يكمل الباحث تحليله قائلًا: لقد قبلت ألمانيا تحدي الجزء الثالث من هذه الخطة. ولإنجاح هذا، سيتعين عليها التركيز على الجهات الفاعلة الحكومية الدولية، وتجنب الاستدراج الجانبي إلى السياسة الليبية. وفي انتظار القمة، تطرح حكومة حفتر الثلاثية بالفعل مقترحاتها للتوصل إلى حل تفاوضي.

ويشمل ذلك طرح تنازلات اقتصادية وعسكرية من طرابلس والترويج لانتخابات سريعة في صفقة من جانب واحد، والتي من المؤكد أن تُرفَض دون نقاش من قبل القوات التي تقاتل في ظل حكومة الوفاق الوطني، والتي تشعر أن حفتر الآن واقع في شباكها. وإذا سمح للمؤتمر بالتركيز على إضفاء الطابع الرسمي على مثل هذه المقترحات وإلقاء ثقل دولي خلفها، فسيفشل في التوصل إلى اتفاق.

مثل هذا النهج من شأنه أن يعزز عقلية الحصار الموجودة بالفعل في غرب ليبيا، مما يدفع التحالف المناهض لحفتر إلى الاعتقاد بأن المجتمع الدولي ضدهم وبالتالي يجب عليهم مضاعفة الجهد لتأمين النصر العسكري. فيما يتعلق بالديناميات الدولية، فإنه سيقوي الروابط بين غرب ليبيا وتركيا ويعزز طابع الوكالة الإقليمي للصراع.

حظر الأسلحة وإنفاذ قرارات الأمم المتحدة بشأن النفط

تكتسب المتابعة أهمية أيضًا: إذا كان مؤتمر ألمانيا هو الخطوة الأولى نحو الاستقرار، فسيتبعه حتمًا عملية وساطة. يجب أن تعمل برلين على ضمان استخدام هذا الحدث لتزويد سلامة بالمساحة لاستئناف عملية الصعود من القاعدة إلى القمة باعتبارها عملية الوساطة. على هذا النحو، فإن أفضل ما يمكن أن تفعله ألمانيا هو وضع الأسس لمناقشة أكثر واقعية من خلال قصر المؤتمر على خلق مواقف تلقى توافقًا في الآراء بشأن وقف الأنشطة الدولية التي تحرك الحرب. 

ويردف المجريسي: يجب أن يكون الهدفان الرئيسيان هما الاتفاق على التزام يخضع للرقابة بفرض حظر الأسلحة ووضع آلية مماثلة لإنفاذ قرارات الأمم المتحدة الحالية التي تحمي المؤسسة الوطنية للنفط بصفتها البائع الشرعي الوحيد للنفط الليبي. هذا سيمنع حفتر من بيع النفط بصورة غير مشروعة، أو من محاولة عزل المؤسسة الوطنية للنفط في البلاد ومحاولة الاستيلاء عليه مرة أخرى وبيعه بنفسه.

تحييد دور الأطراف الثالث في الصراع

المنطق وراء هذا الموقف – على حد قول المجريسي – هو: أن تحييد الدور المزعزع للاستقرار للأطراف الثالثة في صراع ليبيا ربما يكون هو السبيل الوحيد للرغبة الدولية الحالية في أن تجد الدبلوماسية تعبيرًا على أرض الواقع. إن التفاوض الصعب الحتمي بين اللاعبين الدوليين والليبيين للتوصل إلى تسوية لن يحدث بمصداقية إلا بمجرد اختفاء احتمال استمرار الحرب أو الاستقلال المالي. يجب أن يكون هذا حافزًا لجميع الدول الأجنبية المشاركة حاليًا في ليبيا. علاوة على ذلك، إذا انجذبت ألمانيا في الجانب الليبي من المحادثة، فقد يؤدي هذا بشكل فعال إلى إنشاء مسار وساطة آخر وتشجيع الجهات الفاعلة الليبية على الالتفاف على الأمم المتحدة.

على هذا النحو، يمكن لمؤتمر ألمانيا أن يحدث فرقًا من خلال تسهيل طريق سلامة بمجرد أن يأتي دوره في محاولة مرة أخرى للتوسط في تسوية ليبية. يمكن أن يفعل ذلك عن طريق إقناع اللاعبين العالميين في الحرب الأهلية الليبية بأن هناك صفقة يجب إبرامها، لكن ذلك لم يحدث إلا إذا استطاعوا تقييد العوامل الدافعة للحرب. بعد أن أدخلت نفسها في خضم عالم السياسة الليبية، سيكون من المرجح أن تنجح ألمانيا أيضًا إذا ضمت إليها دولا أوروبية لا تدعم أي جانب معين ولكن تريد الاستقرار في ليبيا. إن حشد هذه الدول حول موقف مشترك من شأنه أن يساعد في خلق كتلة محايدة بين الجانبين الحاليين وتغذي بشكل بناء الوساطة النهائية.

ويختتم المجريسي بأن ألمانيا دخلت حيزًا خاضعًا للتنافس الشديد عندما أعلنت أنها ستستضيف المؤتمر. ولكن، إذا لعبت ألمانيا أوراقها بشكل صحيح، فقد تصبح الممثل المحايد، لكن الحازم، والذي غاب منذ فترة طويلة عن الجهود الرامية إلى تحقيق الاستقرار في الأزمة الليبية.

هل تصبح ليبيا «سوريا جديدة» بفعل التدخل الروسي؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد