تعيش ليبيا هذه الأيام أجواء مشابهة لتلك التي حدثت منذ 4 سنوات في أعقاب خلع العقيد معمر القذافي من الحكم، فمع تعرض ليبيا للعديد من الأخطار الكارثية، ودخول البلاد في دائرة مفرغة بسبب التهور وعدم وجود إدارة موحدة إلا أنه بشكل أو بآخر تستطيع ليبيا الصمود حتى الآن، ولكن السؤال الأهم إلى متى سيستمر هذا الوضع العشوائي في ليبيا؟

يستعرض الكاتب “جيمي ديتمر” في مقاله بعض النقاط التي جعلت ليبيا تصل إلى هذا الموضع المضطرب ومن أهمها:

وجود حكومتين في ليبيا واحدة في طرابلس، والأخرى في طبرق، ووجود العديد من الميلشيات التي ينتمي بعضها إلى تنظيم القاعدة وينتمي البعض الآخر إلى تنظيم داعش، ولكن الوضع الفوضوي هذا ليس بالجديد على ليبيا ولا بد من إيجاد حل لهذا الوضع حتى لا تتكرر نفس الأخطاء مستقبلا ويترتب عليها أحداث خطيرة كالتي أدت إلى مقتل السفير الأمريكي في بنغازي عام 2012.

وقد حذر “برناردو ليون” – مبعوث الأمم المتحدة لليبيا – هذا الأسبوع في جولة جديدة من محادثات السلام من خطورة عدم التوصل لاتفاق سريع ما بين الحكومتين المتنازعتين في ليبيا لأن البلاد أصبحت على حافة “اللا دولة”، فليبيا أصبحت على شفير الإفلاس وخلال 6 أسابيع لن تتمكن أي من الحكومتين من دفع أجور العاملين في المصالح الحكومية ولا حتى من دفع أجور مقاتيلهم في شوارع ليبيا، وهذا لن يقلل من خطورة الميلشيات الموجودة في ليبيا والتي تمثل السواد الأعظم من المقاتلين في كلتا الحكومتين بل على العكس سيكون الوضع أسوأ، لأن الصراع يتضمن أيضا العديد من القبائل الليبية المتناحرة على مختلف توجهاتهم السياسية وهو ما يُنبئ باستمرار الصراع لمدة أكثر من المتوقع.

في خضم الصراعات والصدامات التي تحدث داخل ليبيا يقوم تنظيم داعش بالاستفادة من الوضع الفوضوي في ليبيا إلى أقصى الحدود، فأصبح التنظيم يسيطر على الشريط الساحلي لمدينة سرت مسقط رأس معمر القذافي هذا بالإضافة إلى السيطرة على مدينة صغيرة بحانب سرت الأسبوع الماضي.

وقد أخبر ضابط أمن يُدعى “مصطفى” – والذي طلب عدم ذكر اسم عائلته – أن العديد من أفراد تنظيم داعش هم من قُدامى المحاربين السوريين، وأن هناك أيضا نسبة كبيرة من المقاتلين من تونس بجانب السودان والعراق، ومن المعروف أن تنظيم داعش يعد من أكثر التنظيمات الدموية الموجودة على الساحة حاليا؛ حيث قام التنظيم بإعدام 21 مصريًا مسيحيًا بداية العام الجاري، كما قام التنظيم بذبح 28 رهينة إثيوبيًا في فبراير الماضي، والقبض على 86 من المهاجرين الإرتريين المسيحيين، هذا بجانب أن التنظيم يقوم بإجبار الأطفال على مشاهدة الأحداث الدموية وهذا ما حدث عندما قام التنظيم بإعدام عامل بريد بجانب مسجد يقع في شرق مدينة درنه الليبية، ويُذكر أن هناك حوالي 2000 من مقاتلي داعش في مدينة سرت وحوالي 700 مقاتل في مدينة صبراتة التي تقع في الركن الشمالي الغربي من ليبيا على بعد 41 ميلًا فقط من طرابلس.

وقد سرد الكاتب بعض الأحداث التي جاءت على لسان ظابط الأمن “مصطفى”، والتي تعزز من قوله بأن مقاتلي داعش متعددو الجنسيات، حيث إنه في يوم 27 يناير الماضي كان مصطفى موجودًا في أحد فنادق طرابلس الفاخرة ويُدعى فندق “كورنيثا” عندما قام بعض المتطرفين بتخطيط وتنفيذ عملية إرهابية بشكل احترافي أدت إلى مقتل 10 أشخاص، وقد كان واحد من هؤلاء الإرهابين سودانيًا، وكان يرتدي حزامًا ناسفًا، والذي انفجر قبل موعده مما أدى إلى إصابة زميله الآخر وهو تونسي الجنسية، والذي كان يحمل معه قنبلة يدوية ولم يستطع تفجيرها لأنه كان يحتضر جراء الإصابة التي لحقت به، ويعتقد مصطفى أن وفدًا من إحدى الدول الغربية الذي غادر الفندق كان هو هدف هذه العملية الإرهابية.

يعتبر المجال الجوي الليبي الآن من أخطر المجالات الجوية في العالم حيث لا تجرؤ أي طائرة تابعة لأي شركة طيران من الاقتراب منه، وبعد محاولات مضنية استطاعت شركات الطيران الليبية الحفاظ على بعض الرحلات من المطارات الشرقية والتي تذهب إلى إسطنبول والأسكندرية، هذا بالإضافة إلى أن الطريق الساحلي الليبيي المؤدي إلى تونس أصبح محفوفًا بالمخاطر والدليل على ذلك أن السفير الأوكراني تعرض للسرقة بالإكراه على هذا الطريق، بالإضافة إلى حالات الخطف الكثيرة التي تحدث بالقرب من العاصمة الليبية.

ومن المضحك المبكي ما جاء على لسان “جمال زوبيا” – المتحدث باسم وزارة الخارجية لحكومة طرابلس – عندما تم تداول مسألة أن حكومة طبرق تطلب حصتها في البضائع الموجودة في ليبيا، وأيضا تطلب الأجور لموظفيها من الحكومة المنافسة وهو ما أجاب عليه بأن هذا ما يحدث على أرض الواقع وأن حكومة طرابلس تدفع التأمينات الاجتماعية للموظفين، وورواتب المقاتلين لحكومة طبرق لأن معظمهم كان ينتمي للقوات المسلحة الليبية أو من الذين قاموا بالانتفاضة ضد نظام حكم القذافي.

وقد جاء رد فعل “عبد القادر هويلي” – وهو عضو بارز في الحكومة الإسلامية التي تتبع المؤتمر الوطني العام في ليبيا وهو ما يعرف ببرلمان طرابلس – على الضحكات والسخرية الناتجة من أن حكومة طرابلس تدفع رواتب القوات الموالية لخليفة حفتر بأن الخلاف بين الحكومتين هو خلاف عائلي حيث قال: “أنني لدي 8 أشقاء، أربعة منهم موالون لحكومة طبرق، لذلك فحكومة طبرق هي من العائلة الليبية ويجب أن ندفع لهم”، ويعتقد “هويلي” أن هذا الطابع العائلي للنزاع هو ما يخفف نسبيا حدة النزاع بين الحكومتين آملا في الوقت ذاته توصل الحكومتين إلى توافق بينهم، وذلك خلال الجولة القادمة من المفاوضات والتي ستنعقد في المغرب الأسبوع المقبل وربما يكون نتاجها هو التوصل لحكومة موحدة لليبيا.

وفي سياق متصل جاء رأي “هويلي” في صف معظم صانعي القوانين في ليبيا، وملخصه أن لا أحد من الطرفين باستطاعته الربح في هذه الحرب وهي النقطة التي قد تم التأكيد عليها في ورقة بحثية سيتم نشرها قريبا بواسطة أكاديميين ليبيين برعاية مؤسسة بحثية ألمانية تُدعى فريدرش إيبرت، والتي تنص على أن العمل العسكري في مثل هذه المواقف غير قادر على كسب المزيد من الأراضي بالنسبة للطرفين، وأن خيار التهدئة وإنهاء الحرب هو الحل الأمثل لأنه يمهد الطريق لعمل حوار سياسي لإنهاء الأزمة.

تتمتع العاصمة طرابلس في الوقت الراهن بوجود القليل من النظام بها، ومن أهم المظاهر الإيجابية لهذا الانضباط هو الوجود الأمني الذي ظهر لأول مرة منذ اختفائه من أربع سنوات، وحدوث انخفاض نسبي في حوادث التهديد المسلح التي كانت تحدث في شوارع ليبيا من قبل بعض المسلحين، بالإضافة إلى أن القمامة يتم جمعها بين الحين والآخر من الشوارع.

وبالرغم من أن شوارع العاصمة الليبية طرابلس تخلو حاليا من أعمال البلطجة إلا أن النظام والانضباط في شوارع بها يمكن أن ينهار في أي لحظة مثلما حدث الصيف الماضي عندما ضربت المعارك الطاحنة جميع أنحاء طرابلس، والتي كانت أعنف من المعارك التي شهدتها العاصمة أثناء الانتفاضة الأولى لخلع القذافي، يأتي هذا في الوقت الذي تعاني فيه ليبيا من تكميم الأفواه والخوف الذي يخيم على الأجواء من انتقاد جماعة مثل فجر ليبيا في طرابلس العاصمة، ويحدث نفس الأمر في طبرق عندما يجهر أحد برأي معارض لمن يسيطر على المنطقة هناك.

وبالحديث عن حرية الرأي والتعبير في ليبيا فقد صرح الصحفي الليبيي “عصام زبور” – والذي يظهر على التليفزيون الرسمي الليبي – أنه تلقى العديد من التهديدات منذ أن بدأ بانتقاد أداء جماعة فجر ليبيا، يأتي هذا في الوقت الذي تواصل فيه قوات الأمن في طرابلس القبض على عصابات الخطف المنتشرة في ليبيا، بالإضافة إلى تحجيم نشاط تجار المخدرات والقبض عليهم، وهو ما أكد عليه مصدر أمني ليبي عندما قال أن لديهم في السجن حوالي 900 مشتبهه به جنائي تم القبض عليهم خلال الأسابيع القليلة الماضية.

ومع تردي الأوضاع في ليبيا وانتقالها من سيء إلى أسوأ، يُنظر إلى تنظيم داعش بأنه الخطر الأكبر الذي يهدد ليبيا، وهذا ما يدعو دائما إلى الترقب بحذر ما سيفعله التنظيم مستقبلا وذلك مع تزايد معدل العمليات الانتحارية في مصراتة، والتي تبعد 3 ساعات فقط عن طرابلس، وقيام أحد المسلحين مؤخرا – والذي يُعتقد أنه تونسي الجنسية وانضم لداعش – بعمل هجوم انتحاري على نقطة تفتيش بوابة دافينة على الطريق الرئيسي لطرابلس.

ويعتقد “عبد الوهاب محمد قايد” – والذي يعتبر نفسه الآن من الإسلامين المعتدلين بعد أن قام بعمل مراجعات لفكره المتطرف حيث أنه كان عضوًا سابقًا في إحدى الجماعات الليبية الإسلامية المقاتلة المناهضة لحكم القذافي – وهو شقيق أبو يحيى الليبي الذي قُتل عام 2012 في باكستان بواسطة طائرة استطلاع أمريكية – أنه يستطيع فهم عقلية الجماعات الجهادية مثل داعش وأن هذا التنظيم لا يقول شيئًا في الفراغ، وأنه يعني الشعار الذي رفعه سابقا في ليبيا وهو “نحن هنا لنبقى، نحن هنا لننتشر”، والمقصود بنحن هنا تنظيم داعش.

وقد أضاف “قايد” – والذي يتحرك بشكل دائم خوفا من أن يتم استهدافه من قبل تنظيم داعش – أن الخوف من التهديد الذي يمثله تنظيم داعش على ليبيا هو الدافع الحقيقي الذي سيؤدي إلى نجاح التفاوض بين الحكومتين في ليبيا والتوصل لحل توافقي يجنب ليبيا الأخطار التي تحيط بها من كل جانب؛ وذلك لأن تنظيم داعش مازال في طور النمو داخل ليبيا، ولكن إذا تم تجاهل التهديد الذي يمثله التنظيم، ومع عدم توصل الحكومتين إلى وفاق سيؤدي هذا إلى ترعرع التنظيم بشكل كبير إلى أن يصبح القضاء عليه واقتلاع جذروه من داخل ليبيا أمرا مستحيلا.

وفي النهاية ذكر .الكاتب أن تنظيم داعش سيلجأ إلى عمل المزيد من العمليات الإرهابية داخل ليبيا وأن التنظيم سيحاول السيطرة على مزيد من المدن لتعزيز سيطرته على ليبيا، وهو ما يؤكده قول “عبد الوهاب قايد” بأن جناح التنظيم في ليبيا والذي يأخذ أوامره من زعيم التنظيم “أبو بكر البغدادي” سيكون هدفه مستقبلا جذب انتباه المجتمع الدولي تجاه ليبيا وذلك لتخفيف هجمات التحالف الدولي على التنظيم في سوريا والعراق

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد