تبدو الخلافات الأخلاقية عسيرة الحلّ، أكثر من الخلافات الأخرى، لنأخذ مثالًا لموقف أخلاقي قد يعتبره معظمنا واضحًا؛ جرائم الشرف أمر خاطئ. ولكن لجرائم الشرف مؤيِّدوها، ومَن يقول إنَّ بإمكاننا الوصول إلى حلٍّ وسط للمسألة مع مؤيِّديها يُسيء فهم طبيعة هذا النوع من الخلافات، فهو خلاف قطعي، لا بد أن يكون أحد الأطراف مُحقًّا، نحن! إذًا لِمَ لا يمكننا إقناع أولئك الذين يؤمنون بالرأي المُضاد؟

أمَّا الخلافات السياسية فهي ليست كذلك، مع بعض الاستثناءات، فعندما يختلف الناس حول السياسة، غالبًا ما يتَّفقون على الغايات ولكنَّهم يختلفون حول الوسائل المُتَّبَعة لتحقيقها. ربما يختلف الجمهوريون والديمقراطيون في سياسة الرعاية الصحية مثلًا، ولكنَّهم يتَّفقون على هدف النمو الاقتصادي للأمة، وغالبًا ما يكون هذا الاختلاف في الدرجات. يمكن أن تكون للخلافات السياسية جوانب خُلُقية أيضًا، فمن الواضح أنَّ طرفي الجدال حول الحق في الإجهاض على سبيل المثال لا يتَّفقون على الغايات، فهناك خلاف أخلاقي يكمُن في قلب هذا الجدال، ويمكن القول إنَّه كلما كان الخلاف السياسي أخلاقيًّا أكثر، أصبح على الأرجح ساخنًا وعسير الحل أكثر.

جريمة الشرف هي قتل شخص ما لأحد أفراد أسرته والذي يُنظَر له باعتباره قد جلب العار على الأسرة، وغالبًا ما يكون امرأة. وهي ممارسة يعتبرها معظمنا خاطئة تمامًا، مهما كان الهدف؛ وهو في هذه الحالة استعادة كرامة الأسرة، وحقيقة كَون هذه الممارسة مقبولة منذ زمنٍ طويلٍ في ثقافات أخرى لا تهمنا. ومَن يوافقون على جرائم الشرف أو يرتكبونها في هذه الأثناء يرفضون إدانتنا لها، ويرونها على الأرجح سقطةً أخلاقيةً لثقافتنا. ما الذي يجعل الخلافات الأخلاقية عسيرة الحل للغاية؟ لا ينبغي أن تكون الأخلاق صعبة مثل علم الصواريخ.

هل يمكن أن يكون للدين دور؟

قد يبدو أنَّ بإمكاننا الانتهاء سريعًا من أمر الأخلاقيَّة إذا كانت تتعلَّق بطاعة الأوامر الإلهية، إذا عرفنا فقط ما العقيدة الحقَّة. لا نعرف بالطبع، ولكن أوضح أفلاطون منذ 2300 عام أنَّ مناشدة حكمة الإله، بغض النظر عن العقيدة، ليست مرتبطة بما يُحقِّق الاستقامة الأخلاقية.

كانت حُجته بسيطة، فلنقُل مثلًا «جرائم الشرف خاطئة»، والآن لنسأل؛ هل إدانتنا لجرائم الشرف صائبة لأنَّ الله يأمرنا بفعل ذلك؟ أم أنَّ الله يأمرنا بمعارضتها لأنَّ ذلك صائبٌ أخلاقيًّا؟ لا يمكن أن يكون كَونه صائبًا وكَون الله اختاره لنا من قبيل الصدفة. إذًا، فأيهما صحيح: هل هو أمر صائب لأنَّ الله اختاره أم أنَّ الله اختاره لأنَّه صائب؟ يعتقد معظم الناس أنَّ الخيار الثاني هو الصحيح، ولكن حينها يجب أن يكون أي ما يجعل جرائم الشرف خاطئة أمرًا مُتعلِّقًا بجرائم الشرف في ذاتها، وليس فقط أنَّ الله اختار تحريمها. إذًا، حتى عندما نقبل أنَّ الله اختار الأخلاقيات الصائبة لنا، نظل جاهلين بما يجعلها صائبة. إذًا فالدين ربما يميل إلى تعزيز أخلاقيات مُعيَّنة، ولكنَّه لا يستطيع بالتأكيد توضيح أنَّها صائبة.

ماذا عن المنطق؟

لقد حاجَّ العديد من الفلاسفة أنَّ الكائنات العقلانية يمكنها التفكير بالمنطق للوصول إلى الإجابات الصحيحة في الأخلاق، حاول كلٌّ من كانط وميل فعل هذا، ولكن انتهى بهما الأمر بوضع نظريات أخلاقية متعارضة بسبب الانطلاق من نقطتي بداية مختلفتين قليلًا.

أسَّس ميل مفهومه عن الأخلاقية على الشعور باللذة، والتي اعتبرها الشيء الوحيد الذي يسعى إليه الجميع لِذاته فقط. ومن ثم، كان عليها أن تكون الخير الداخلي، والأخلاقية هي محاولة لمضاعفة مقداره. كانت مشكلة هذه الحُجَّة واضحة منذ البداية؛ فسعينا جميعًا وراء اللَّذة لِذاتها لا يجعلها ذات قيمة أخلاقية.

بدأ كانط بوعينا بالحرية ومَنطَق المبادئ الأخلاقية التي على أي فاعل عاقل مستقل إقرارها منطقيًّا لنفسه. ولكن للأسف لم يُحوِّل أحد قط كتابات كانط المُلتَفة إلى حُجَّة واضحة يمكن للجميع الاتفاق على أنَّها منطِق مُقنِع وراء أي قاعدة أخلاقية. على الرغم من تعقيد حُجَّة كانط، إلَّا أنَّ قاعدته الأخلاقية الناتجة عنها؛ «الفريضة المنطقية»، تبدو مختلفة قليلًا عن «القاعدة الذهبية»، فلن تحل أي منهما الخلاف حول جرائم الشرف على الأرجح.

زعم بضعة فلاسفة أنَّ لدينا حسًّا أخلاقيًّا يُدرِك الصواب الأخلاقي للأشياء أو الخطأ الأخلاقي لها مباشرةً وفورًا، ربما تستحق هذه النظرية أن تُؤخَذ على محمل الجد إذا كانت الأخلاقية مثل الرياضيات. يتَّفق علماء الرياضيات جميعًا على أنَّنا نعرف يقينًا عددًا كبيرًا من الحقائق الرياضية، وبما أنَّ التجربة والملاحظة لن يكونا أبدًا مصدرًا لمثل هذا اليقين، فعلينا – أو على علماء الرياضيات- العثور على طريقةٍ أخرى لمعرفة الحقائق الرياضية؛ وحسٍّ رياضيٍّ يُدركها مباشرةً. لكي تنجح هذه الحُجَّة في مجال الأخلاق، ينبغي ألَّا يكون هناك خلاف أخلاقي من الأساس، وبما أنَّ العديد من الخلافات الأخلاقية يبدو عسير الحل حتى للخبراء، فإنَّه من الصعب الحفاظ على استمرارية فرضية أنَّنا مُعَدِّين لنعرف الحقائق الأخلاقية مباشرةً.

هناك طريقة أخرى لمحاولة تبرير الأحكام الأخلاقية ترجع إلى أرسطو؛ وهي أنَّ الأمر الصائب أخلاقيًّا هو ما يفعله الأشخاص الأفاضل، يمكننا معرفة ما الصائب أخلاقيًّا عبر مراقبة كيفية تصرُّف الأفاضل. يعكس مُجرَّد وجود جرائم الشرف المشاكل التي يواجهها هذا المنهج، فالممارسات التي تعتبرها ثقافةٌ ما أثيمة تُعتبَر فضائل في ثقافات أخرى، وليست هناك نقطة خالية من التأثيرات الثقافية للفصل منها في مثل هذه الخلافات حول ما يُعَد فضيلةً.

لقد حاجَّ بعض المُفكِّرين في السنوات الأخيرة أنَّنا نعرف أسس الأخلاقيات من خلال ما يوضِّحه العلم؛ وخاصةً الأحياء التطوُّرية، عن شروط ازدهار البشر. يحاج هؤلاء الفلاسفة وعلماء النفس الاجتماعي وعلماء الأنثروبولوجيا التطوُّرية أنَّه كان هناك انتخابًا قويًّا لمجموعة جوهرية من المعايير الأخلاقية المنتشرة على نطاق واسع للغاية حتى أنَّها لا يفتقدها سوى السيكوباتيين، ويؤكِّدون أنَّ افتقادهم للحس الأخلاقي نتيجة تلف عقلي، مثل الحالات العصبية التي تُسبِّبها الطفرات الجينية و/أو الأضرار البيئية.

مشكلة هذه الحُجَّة واضحة؛ فأولًا: تنتخب الطبيعة الأم فقط الصفات التي تؤدِّي إلى المزيد من النسل، ولكن ليس هناك ما هو أخلاقي في إنجاب أطفال أكثر من شخصٍ آخر. حتى إذا كانت بعض المجموعات من المعايير التي نتبعها جميعًا تؤدِّي إلى إنجاب المزيد من النسل، لا يجعلها ذلك بأي شكلٍ المعايير الصائبة أخلاقيًّا. وثانيًا: كما نعرف جيدًا، فإنَّ العمليات الداروينية، سواء كانت بيولوجية أو ثقافية، تنتخب أحيانًا معايير نرفضها تمامًا بوصفها غير أخلاقية.

ربما تصيب هذه الجولة القصيرة في تاريخ التنظير الأخلاقي المرء بالتشاؤم حول إمكانية حل الخلافات الأخلاقية، والتشاؤم جزء ممَّا قد أدَّى إلى ما بعد الأخلاق Meta-ethics؛ وهي مبحث فرعي من مباحث الفلسفة يُلقي بالضوء على سبب كَون الخلافات الأخلاقية عسيرة الحل. فما بعد الأخلاق تبدأ بفحص معنى المزاعم الأخلاقية بصورةٍ عامة بدلًا من محاولة اكتشاف أيٍّ من المزاعم الأخلاقية صائبًا وأيها خاطئًا، إذا أمكننا الاتفاق على معانيها، ربما نتمكَّن من اكتشاف الشروط التي تكون صائبة أو خاطئة وفقًا لها.

أحد الأمور التي ينبغي ملاحظتها أنَّ المزاعم الأخلاقية مثل «جرائم الشرف خاطئة» ليست مُرشَّحة جيدة لأن تكون عبارات صادقة أو كاذبة ببساطة على الرغم ممَّا تبدو عليه، فهي أقرب إلى أوامر مُتخفِّية: «لا ترتكبوا جرائم الشرف». هناك فرق آخر يُبرهن عليه بعض الباحثين في ما بعد الأخلاق وهو أنَّنا عندما نُصدِّق على أحد المزاعم بأنَّه صائب أخلاقيًّا نكون مُستعدين للتصرُّف على أساسه، فالمزاعم الأخلاقية تُحفِّز المرء بطريقة لا تُحفِّزه بها المزاعم الواقعية.

إذا كان الإيمان بالمزاعم الأخلاقية يُحفِّز المرء بطريقة لا تُحفِّزه بها المزاعم الواقعية، ربما يكون ذلك بسبب تعبيرها عن مشاعر يمكنها الحث على اتخاذ أفعال؛ مشاعر إيجابية مثل الإعجاب في حالة المدح الأخلاقي، ومشاعر سلبية مثل الغضب في حالة اللوم الأخلاقي. من الصعب إنكار أنَّ الأخلاقية تتحكَّم على الأقل في مشاعرنا، وهذا ممَّا يجعل الخلاف الأخلاقي غالبًا ساخنًا وعسير الحل للغاية. ولكن هل الصلة أقرب من ذلك؟ يحاج أنصار المذهب العاطفي (Sentimentalism)، مُتَّبعين في ذلك ديفيد هيوم، بأنَّه لأن المزاعم الأخلاقية تُعبِّر عن مشاعرنا (أو عواطفنا) فإنَّها مثل ما تُخبر عنه إحساساتنا الأخرى، فعبارة «السماء زرقاء» تُخبر عن حقيقةٍ عن الإحساس الموضوعي الذي تخلقه فينا أشعة الضوء. يُحاج هيوم والباحثون في ما بعد الأخلاق الذين اتَّبعوه أنَّ البيانات الأخلاقية تُعبِّر عن استجاباتنا العاطفية لأفعال الآخرين.

يساعد تصوُّر أنَّ الأحكام الأخلاقية ليست مجرد مزاعم صادقة أو كاذبة حول السلوك البشري على تفسير فشل النظريات الأخلاقية منذ نظرية أرسطو، بدأت هذه النظريات من نقطة خاطئة، من خلال التعامل مع الأخلاقية واللاأخلاقية باعتبارهما ذاتيين خاصين بالأفعال في ذاتها، وليس باستجاباتنا للأفعال.

يُفسِّر وضع المشاعر البشرية في معادلة الأحكام الأخلاقية الكثير ممَّا يتعلَّق بها، لماذا يكون الإيمان بها قويًّا للغاية؟ لماذا تتميَّز الثقافات المختلفة التي تُشكِّل الاستجابات العاطفية البشرية بمعايير أخلاقية مختلفة؟ وحتى لماذا يتعامل الناس مع الخلافات الأخلاقية المُجرَّدة باعتبارها نقيصةً أخلاقيةً عند الآخرين؟ والأهم من ذلك كله، تساعدنا هذه النظرية في ما بعد الأخلاق على فهم سبب كَون هذه الخلافات عسيرة الحل في بعض الأحيان.

لقد بدأت ما بعد الأخلاق في الاستفادة من النتائج التي توصَّل إليها علم النفس الاجتماعي المعرفي وعلم الأعصاب للمساعدة في فهم طبيعة المزاعم الأخلاقية. لدينا الآن على سبيل المثال بيانات تصويرية جيدة للمخ توضِّح سبب تغيُّر أحكام الشخص الأخلاقية في إشكالية العربة Trolley problem ومثيلاتها نتيجةً لتغييرات بسيطة في طريقة وصف الإشكالية. توجد الفروق في شبكات عقلية مختلفة تولِّد استجابات عاطفية مختلفة.

 

 

تُشجِّع هذه النتائج على التسامح في الاختلافات الأخلاقية والخجل اللائق من أحكامنا الأخلاقية الخاصة، ولكنَّها تُصعِّب كذلك من إدانة جرائم الشرف أو حتى الأفعال الأكثر تطرُّفًا أو عنفًا. إذا كانت عبارة «جرائم الشرف خاطئة» تُخبر عن فزعنا العاطفي من الممارسة، وليس عن خطئها الموضوعي، فسيكون من الصعب إدانة حتى أسوأ الكوارث الأخلاقية.

لن يجد الكثير من الناس هذه نتيجة مُرضية، سيأملون أن يوضِّحوا أنَّه حتى إذا كانت الأحكام الأخلاقية تعبيرًا عن مشاعرنا، إلَّا أنَّ بعض هذه المواقف على الأقل موضوعيًّا، وصائبًا، وصحيحًا، ومُبرَّرًا. ولكن إذا لم نستطِع أن نجد أرضيةً موضوعيةً لاستجاباتنا العاطفية لجرائم الشرف، فقد يتَّضح أنَّ إدانتنا لها مُجرَّد حُكم مُسبَق ثقافي.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد