هل بمقدور المغرب أن يتعامل بفعالية مع أزمة فيروس كورونا المُستجد؟ يشترك في الإجابة عن هذا السؤال كل من: الدكتور محمد مصباح، مدير المعهد المغربي لتحليل السياسات، وآنا جاكوبس، مساعد أبحاث أول في مركز بروكنجز، من خلال مقالٍ نشره موقع المعهد الملكي للشؤون الدولية، المعروف بـ«تشاتام هاوس».

وخلُص الباحثان إلى أن الحكومة المغربية تستغل تدفق روح الوحدة والتضامن الاجتماعي والدعم الشعبي في مواجهة هذه الأزمة. ومع ذلك، إذا فشلت في التخفيف على نحو فعال من الآثار الصحية العامة والآثار الاقتصادية لجائحة فيروس كورونا، فإن روح التضامن والتعاون هذه لن تستمر طويلًا.

اقتصاد الناس

منذ شهرين
هل تصمد دول المغرب العربي اقتصاديًّا أمام جائحة كورونا؟

ويلفت الكاتبان في البداية إلى أن جائحة فيروس كورونا في المغرب أدت إلى زيادة ثقة الجمهور في الحكومة، لكن لا يزال لدى الناس شكوك حول فعالية نظام الرعاية الصحية. وبحسب دراسة حديثة أجراها المعهد المغربي لتحليل السياسات، فإن غالبية المغاربة الذين شملهم الاستطلاع راضون بوجه عام عن الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لمكافحة فيروس كورونا المُستجد. ورغم ذلك، أظهر الاستطلاع نفسه أيضًا أن المغاربة ليس لديهم ثقة في قدرة قطاع الرعاية الصحية على التعامل مع هذه الجائحة.

تدابير صارمة ومكثفة لاحتواء الفيروس

يمكن تفسير التفهم الإيجابي الذي استقبل به المواطنون الإجراءات التي اتخذتها الحكومة من خلال التدابير السريعة والصارمة التي جرى تنفيذها. إذ عقد الملك محمد السادس اجتماعًا رفيع المستوى مع رئيس الوزراء ووزير الصحة وكبار المسؤولين الأمنيين في 17 مارس (آذار)، وبعد ذلك بأيام قليلة، وبالتحديد في 20 مارس، أعلنت الحكومة المغربية حالة الطوارئ الصحية وبدأت في تنفيذ تدابير صارمة ومكثفة لاحتواء الفيروس.

شملت هذه التدابير: إغلاق المطارات، والمدارس، والمساجد، والمقاهي، والمحلات التجارية – باستثناء أسواق المواد الغذائية – ومنع التجمعات الكبيرة، بالإضافة إلى توجيهات صارمة لضمان التباعد الاجتماعي. وحتى 2 أبريل (نيسان)، قُبض على حوالي 5 آلاف شخص لخرقهم حالة الطوارئ الصحية.

Embed from Getty Images

إجراءات الإغلاق لمكافحة فيروس كورونا في المغرب 

ومن أجل تلبية الاحتياجات الطبية العاجلة، والتخفيف من الأثر الاقتصادي للجائحة؛ أمر الملك بإنشاء صندوق طوارئ، جمع أكثر من 32.7 مليار درهم مغربي (3.2 مليار دولار). وستبدأ وزارة المالية في إجراء التحويلات النقدية للمواطنين المتضررين، خاصة أولئك الذين فقدوا وظائفهم. ومع ذلك، ستحدد الشروط المتعلقة بهذه التحويلات النقدية في الأسابيع المقبلة.

وتتولى وزارة الصحة الإبلاغ عن المستجدات الخاصة بالفيروس يوميًا، على الرغم من الانتقادات المتزايدة لاستراتيجيتها في التواصل. وحتى يوم الرابع من أبريل، أكدت السلطات المغربية إصابة 883 حالة بالفيروس ووفاة 58 حالة.

دعوة للوحدة الوطنية

يضيف الباحثان: في مثل هذه الأوقات، هناك دعوة للوحدة في مواجهة أزمة وطنية وعالمية، وقد أعربت جماعات معارضة مثل جماعة العدل والإحسان ونشطاء حراك الريف (بمنطقة الريف، شمال المغرب) عن دعمهم للإجراءات الحكومية، وشجعوا الناس على اتباع الإرشادات والقيود الجديدة. 

لكن على الرغم من دعوات الإفراج عن السجناء السياسيين، لم تبدِ السلطات المغربية أي إشارة على أنها ستفعل ذلك. ويرى الباحثان أن هذه تعتبر بمثابة فرصة ضائعة بالنسبة للدولة في علاقتها بالمعارضة؛ إذ كان من الممكن لهذا الأمر أن يكون وسيلة لتعزيز الوحدة الوطنية خلال الأزمة.

يضيف المقال: هذه كلها علامات واعدة، وتشير إلى ما قد يكون دفعة قصيرة المدى على مستوى الوحدة والثقة المؤسسية. ومع ذلك، لم تختفِ نقاط الضعف المؤسسية في الحوكمة ونظام الرعاية الصحية، ولهذا السبب يجب أن تؤخذ هذه الزيادة في الثقة المؤسسية بمنتهى الحذر.

الرضا عن أداء الحكومة لا يزال منخفضًا

يكمل المقال: تشكل هذه الجائحة تحديات هائلة للحكومات في جميع أنحاء العالم، وينطبق هذا خصوصًا على دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث لا يرضى المواطنون عن الأداء الحكومي، ولا يثقون في مؤسسات الدولة الرئيسية. 

وفي هذا الصدد، أظهر الاستطلاع الذي أجرته شبكة «الباروميتر العربي» البحثية المستقلة لعام 2019 أن المغاربة لا يثقون في معظم المؤسسات السياسية في البلاد (وعلى وجه الخصوص البرلمان ومجلس الوزراء) وأن مستوى الرضا عن أداء الحكومة لا يزال منخفضًا للغاية.

وعلى صعيد الصحة العامة، كما يظهر في استطلاعين أجراهما المعهد المغربي لتحليل السياسات مؤخرًا، فإن الثقة في نظام الرعاية الصحية منخفضة جدًا أيضًا. فحوالي ثلاثة أرباع الذين شملهم الاستطلاع لا يثقون في المستشفيات المغربية، مما يسلط الضوء على المشكلات الهيكلية الحادة في نظام الرعاية الصحية. 

Embed from Getty Images

إجراءات الإغلاق لمكافحة فيروس كورونا في المغرب 

والواقع، أن هناك فجوة صارخة بين الرعاية الصحية الخاصة والعامة، وكذلك فجوة كبيرة في الوصول إلى مرافق الرعاية الصحية بين المناطق الحضرية والريفية. وتقع معظم المستشفيات والأطباء في البلاد في المناطق الحضرية الرئيسية، وتقع المختبرات الثلاثة الوحيدة التي لديها قدرات لإجراء اختبار فيروس كورونا المُستجد في الرباط والدار البيضاء، ولكن قدرة الاختبار محدودة للغاية حتى في هذه الأماكن.

ويضيف الكاتبان: وعلى غرار بلدان أخرى، قد يكون هناك نقص كبير في الأطباء والمعدات الطبية في جميع أنحاء المغرب. وقالت وزارة المالية، حتى الآن إن ملياري درهم من صندوق الطوارئ سيخصصا لشراء معدات طبية مثل الأسرّة، وأجهزة التنفس الصناعي، والاختبارات، ومجموعات الوقاية ومعدات الأشعة، لكن الجدول الزمني لتنفيذ ذلك لا يزال غير واضح.

ضربة في مقتل للاقتصاد المغربي

يشير الكاتبان إلى وجود قلق كبير بشأن التأثير الاقتصادي للفيروس على المديين المتوسط ​​والطويل. إذ تضرر قطاعان اقتصاديان رئيسيان بالفعل في البلاد بشدة، وهما: قطاعا الزراعة والسياحة. 

وكان القطاع الزراعي يعاني بالفعل بسبب تأثير الجفاف، ومن المحتمل أن تؤثر جائحة فيروس كورونا المُستجد على صناعة السياحة في المغرب ليس هذا العام فحسب، بل حتى عام 2021. أما عن موقف الحكومة في هذا الشأن، فيعد صندوق الطوارئ بداية قوية لمعالجة هذه المشكلات، لكن هناك أسئلة مُثارة بالفعل تحيط بإدارة هذه الأموال.

يكمل المقال: لقد تأثرت القطاعات السكانية الأكثر ضعفًا وهشاشة بالأزمة الاقتصادية بسبب تضخم القطاع غير الرسمي في البلاد – حيث يعمل معظم الناس – والقطاع الخاص الضعيف للغاية. في الواقع، ثلثا القوة العاملة غير مشمول بخطة معاشات التقاعد، وما يقرب من نصف السكان العاملين لا يستفيدون حاليًا من التغطية الطبية، ولا يوجد نظام رعاية اجتماعية للقطاعات المُهمشة من السكان. وحتى الأول من شهر أبريل، فقد أكثر من 700 ألف عامل وظائفهم.

معركة شاقة وعواقب وخيمة

يضيف الكاتبان: إذا كان المواطنون يظهرون تفهمًا إيجابيًا للتدابير التي اتخذتها الحكومة في الوقت الحالي، فمن المرجح أن يكون ذلك مجرد فورة قصيرة المدى لا ينبغي اعتبارها أمرًا مسلمًا به. فعلى الرغم من الجهود التي تبذلها الحكومة، فإن النظام الصحي المغربي غير مجهز للتعامل مع هذه الأزمة. 

دولي

منذ شهر
بعضها يساعد في فرض الحظر! رحلة حول العالم مع العصابات في زمن كورونا

وحتى في ظل الإجراءات الجديدة التي تم تنفيذها، إذا خرج انتشار الفيروس عن نطاق السيطرة، فستكون هناك حاجة إلى المزيد من الأموال، والمزيد من الأطباء، والمزيد من المعدات. وبالنظر إلى نقاط الضعف الهيكلية في نظام الرعاية الصحية، ستكون هذه معركة شاقة.

علاوة على ذلك، حتى لو تمكنت الحكومة من تخفيف التأثير على قطاع الصحة العامة، فإن العواقب الاقتصادية ستكون وخيمة – خاصة في صناعة السياحة – وسوف تضر بشدة العاملين في القطاع غير الرسمي الذين يعيشون بدون شبكة تأمين توفر لهم الأمان. وتمثل هذه الفئة معظم السكان العاملين في المغرب.

وتسلط هذه الأزمة الضوء على ضرورة أن تعالج الحكومة المغربية على وجه السرعة ملفاتها الكبيرة المتعلقة بالإصلاحات غير المكتملة، ولا سيما في مجال الرعاية الصحية والاقتصاد وحقوق العمال. 

يختم المقال بالقول: تستفيد الحكومة حتى الآن من روح الوحدة والتضامن الاجتماعي والدعم الشعبي. بيد أن المسار المستقبلي للجائحة وفعالية الحوكمة سيحددان ما إذا كانت روح التضامن هذه ستستمر أم لا. وإذا فشلت الحكومة في تخفيف الآثار الصحية العامة والآثار الاقتصادية لهذه الجائحة على نحو فعال، فلن يستمر هذا التضامن والتعاون طويلًا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد