قال مايكل أوسلين في مقال له على موقع «فورين أفيرز»: إنه عندما حطت الطائرة المسيرة على سطح السفينة «يو إس إس جورج إتش دبليو بوش» في يوليو (تموز) 2013، اعتبرها البعض لحظة تاريخية تضاهي لحظة تحليق أول طائرة في عام 1902. حلقت الطائرة بدون طيار من طراز X-47B بمفردها، وأكملت بمفردها المهمة التي أعطاها لها البشر. بدا أن فجر أنظمة الأسلحة الآلية قد بزغ. ومع ذلك، لم تكن الطائرة مستقلة تمامًا؛ إذ لا يزال البشر يبرمجون جميع قراراتها المحتملة، ويُترك لها حرية الاختيار. واليوم، يؤكد الخبراء أن مستقبل الحرب على وشك التغير؛ إذ أضحى الذكاء الاصطناعي هو ميدان المنافسة الجديد، ويرى البعض أن الصين وروسيا تتفوقان على أمريكا في هذا المجال.

«ناشيونال إنترست»: أمريكا لم تعد الأقوى.. جيشان يمكنهما هزيمة أمريكا عسكريًّا


الموجة الجديدة من الذكاء الاصطناعي

وفي اعتراف منها بأهمية الذكاء الاصطناعي –يشير أوسلين– منحت وزارة الدفاع الأمريكية مؤخرًا شركة Booz Allen Hamilton عقدًا بقيمة 885 مليون دولار على مدى خمس سنوات؛ لتقديم أول استخدام واسع النطاق لأنظمة الذكاء الاصطناعي لتحليل تدفق البيانات المقدمة من طائرات المسيرة، وكذلك لتشخيص الأمراض من البيانات الطبية. وفي الوقت نفسه، تبني وكالة استخبارات الدفاع «DIA» نظام المسح السريع للتحليل بمساعدة الماكينة «MARS»، وهي قاعدة بيانات للمعلومات لجعل التفاعل بين المحلل البشري، وخدمات التخزين السحابي، وأنظمة معالجة البيانات الآلية أكثر كفاءة.

في أيلول (سبتمبر)، أعلنت وكالة مشاريع الأبحاث الدفاعية المتقدمة «DARPA»، التي ساهمت في تدشين ثورة الذكاء الاصطناعي في الستينيات، برنامجًا بقيمة ملياري دولار لتعزيز مستقبل تقنيات الذكاء الاصطناعي، أو «الموجة الثالثة من الذكاء الاصطناعي». ركزت الموجتان الأوليان على إتاحة القيام بأول مهمة محددة آليًّا، والتعرف إلى النمط الإحصائي في وقت لاحق استنادًا إلى مجموعات كبيرة من البيانات، أما المبادرة الجديدة، التي تدعى AI Next، ستركز على «تمكين الآلات من التكيف مع مختلف الظروف». والهدف هو تسهيل عملية اتخاذ القرار في «ساحة المعركة المعقدة». وقد يعني ذلك تحديد أسرع للتهديدات، أو استهداف أسرع وأكثر دقة للعدو، أو خلق خيارات مرنة للقادة على أساس الظروف في ساحة المعركة.

على الرغم من ظهور الفكرة قبل خمسة عقود –يضيف أوسلين– لم يصل الذكاء الاصطناعي إلى مرحلة متطورة. يركز عقد شركة The Booz Allen على المستوى الأكثر ثباتًا، وهو ما يُعرف بـ«الذكاء الاصطناعي الضيق»، إذ يحاكي الكمبيوتر ما يفعله البشر «مثل تصفية البريد الإلكتروني». أفاد هذا النوع من الذكاء الاصطناعي المجال الصحي، إذ سمح بتشخيص أسرع للمرض، وعالم المراقبة، من خلال التعرف إلى الوجه والصوت. يسعى البنتاجون إلى توفير التكلفة والوقت بتحرير العنصر البشري من المهام المعقدة. ومع ذلك، لا يزال هذا المستوى من الذكاء الاصطناعي يعتمد على الكثير من المدخلات البشرية، وهو ما يعرف باسم «التعلم تحت الإشراف»، إذ تستخدم الآلات خوارزميات مبرمجة مسبقًا مصممة للقيام بمهمة معينة. مثال على ذلك هو التمييز بين لقطات فيديو لراكب دراجة نارية يحمل بندقية، ومدني أعزل.

يطمح مشروع DARPA إلى ما هو أبعد من ذلك. وفقًا لمدير المشروع ستيفن ووكر، يسعى برنامج AI Next إلى «استكشاف كيف يمكن للآلات التفكير والتصرف مثل الإنسان، مع القدرة على التعرف إلى المواقف والبيئات الجديدة والتكيف معها. بهدف تحقيق مستويات أعلى بكثير من الذكاء التي ستحتاجها الآلات لبناء نظم أسلحة أكثر استقلالية، تتجاوز بكثير الطائرات المسيرة التي تخضع للسيطرة البشرية، والتي كانت جزءًا من الترسانة العسكرية لسنوات».

يشدد أوسلين على أن الجيل التالي من الذكاء الاصطناعي يرتبط بما يسميه العلماء بـ«التعلم غير الخاضع للإشراف»؛ إذ تحاول الخوارزميات تحديد أنماط البيانات. ويمكن للشبكات العصبية المعروفة أيضًا باسم «التعلم العميق» القيام بمهام التصنيف والتنبؤ، عن طريق ربط الآلاف من عقد المعالجة التي تتضمن برامج التعلم الآلي والخوارزميات. وهذه العمليات ليست مبرمجة مسبقًا، لكنها تسمح للآلات بالتعلم عبر الملاحظة. على سبيل المثال، من خلال مقارنة الآلاف من صور المباني مع مثال معروف، يمكن للشبكات العصبية أن تتعلم ما هي القلعة، وما هو الكوخ. يهدف التطور العصبي إلى تمكين الذكاء الاصطناعي من تطوير نفسه بشكل أكثر فاعلية. ويأمل مبرمجو الذكاء الاصطناعي الانتقال من النتائج الترابطية، أي اعتماد الآلة على المدخلات البشرية، إلى النتائج المسببية التي تتضمن في الأساس الحدس والبصيرة الإدراكية. لذا، فإن هدف DARPA هو أن تصبح الأجهزة التي تنبثق من المشروع زملاء موثوقين للبشر.

بدأت واشنطن في استكشاف التداعيات السياسية للموجة المقبلة من الذكاء الاصطناعي –يواصل أوسلين كلامه– والتي تتراوح بين الجدوى التكنولوجية، والمسائل الأخلاقية. إن معظم السياسيين في الولايات المتحدة يجهلون الكثير عن ماهية الذكاء الاصطناعي، أو كيف يمكن تطوير المجال. ومع ذلك، فهم مدركون لحقيقة تفوق خصوم أمريكا في مجال الذكاء الاصطناعي. على رأس هؤلاء الخصوم هي الصين، تليها روسيا. تعتبر الصين بالفعل رائدة على مستوى العالم في هذا المجال، فقد خصصت أكثر من ملياري دولار لبناء حديقة صناعية للذكاء الاصطناعي، وتأمل في دعم المجال بـ150 مليار دولار في غضون ثلاثة عقود. ومع أن روسيا تعتبر متأخرة في هذا السباق، فإنها تبدأ خطة شاملة لزيادة الاعتماد على الآلة في المجتمع والقوات المسلحة، فأنشأت مركزًا وطنيًّا لتطوير الذكاء الاصطناعي، وبدأت بإنتاج سلسلة من ألعاب الحرب لفهم إمكانات التكنولوجيا على ساحة المعركة. وبسبب تطورات كهذه، ثمة قلق من أن الولايات المتحدة قد تخلفت بشدة عن الركب في مجال الذكاء الاصطناعي، خاصةً أمام الصين.

ويكشف أوسلين عن أن البنتاجون بدأ يسعى للحاق بالركب بإعلان إنشاء مركز الذكاء الاصطناعي المشترك «JAIC»، تحت إشراف كبير موظفي المعلومات في وزارة الدفاع. وبدعم من مجلس الدفاع عن الابتكار الاستشاري، الذي يرأسه رئيس شركة Google السابق، إريك شميدت. سيدرس المركز دور الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي في المجالات العسكرية، عبر دعم مبادرات الذكاء الاصطناعي عالية الأولوية، والتعاون مع القطاع الخاص والأوساط الأكاديمية، وتخريج دفعة جديدة من خبراء الذكاء الاصطناعي. ومن المرجح أن يدعم المجلس أيضًا عمل وحدة الابتكار الدفاعية التجريبية «DIUx»، التي أُنشئت بالقرب من وادي السيليكون في عام 2015؛ للدخول في شراكة مع الشركات المدنية لإدخال أساليب عالية التقنية وغير تقليدية لبرامج وزارة الدفاع، والتي تستخدم عمليات الذكاء الاصطناعي. على سبيل المثال، يأمل القائمون على الشراكة تطوير قدرات تحديد الطائرات المسيرة المعادية وتعقبها وتدميرها، وأيضًا استعمال خوارزميات للتنبؤ بالأعطال الميكانيكية في المركبات القتالية المدرعة للجيش.

هل ستلحق واشنطن بالركب؟

يرى أوسلين أن مفتاح النجاح الأمريكي في مجال الذكاء الاصطناعي سيكون عبر الشراكات بين القطاعين العام والخاص، من النوع الذي تدعمه مبادرة DIUx. ولكن ثمة شركات تكنولوجية مثل جوجل لا تريد التعاون مع واشنطن. إذ تعهدت الشركة بأنها لن تعمل أبدًا على التطبيقات العسكرية للذكاء الاصطناعي. وذلك ردًّا على الانتقادات بسبب تعاون الشركة في مشروع سلاح الجو الأمريكي Maven، وهي مبادرة للتعرف الآلي إلى الأنماط من الكم الهائل من الصور المتحركة والثابتة التي التقطتها الطائرات المسيرة والأقمار الصناعية. يأمل البنتاجون في تطوير قدرات الجيش الأمريكي، وهذا يعني المزيد من التدمير. ويرى أوسلين أن النقص الحالي في استثمارات الذكاء الاصطناعي في صناعة الدفاع يمكن أن يترك واشنطن في وضع غير مؤاتٍ في سباق تسلح الجيل القادم، ولهذا فقد يُضطر القادة العسكريون إلى البحث عن شركات ناشئة في وادي السيليكون على استعداد للتعاون مع البنتاجون.

ربما تتمكن الصين من الوصول إلى البيانات اللازمة لبرمجة الخوارزميات من أجل الاستهداف الأسرع للعدو، والتعرف إلى الأنماط، لكنها لا تزال بعيدة عن التقنيات الأساسية التي تحرك الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك العتاد. وهذا يعني أن الولايات المتحدة تتفوق نسبيًّا على الصين في سباق التسلح الذي يوظف الذكاء الاصطناعي، بما قد يسمح لها بدمج المفهوم في أنظمة الأسلحة الناشئة. وبالتالي، يتعين على أمريكا التعجيل بدمج تقنيات الذكاء الاصطناعي المعروفة في القدرات التشغيلية. والأولوية الثالثة، كما تقترح DARPA، هي رعاية البحوث الأساسية في مجال الذكاء الاصطناعي، وذلك لإطلاع الجيش على المستقبل المحتمل للذكاء الاصطناعي.

في غياب هذه الخطوات –يقول أوسلين– ستضعف قدرات الجيش الأمريكي، وربما أسرع من المتوقع. في الوقت الذي تعمل فيه الصين على بسط نفوذها على منطقة المحيط الهندي والهادي وما وراءها، فإن تفوقها في مجال الذكاء الاصطناعي سيزيد من قوتها بفضل عقود من التحديث التقليدي. وفي المقابل، سيؤدي تفوق الجيش الصيني في هذا المجال إلى تغيير حسابات الدول الكبيرة والصغيرة، الأمر الذي قد يقودها إلى الإذعان، لتجنب المواجهات مع بكين.

إن سباقات التسلح هي شيء سيئ، ولكن على مدار التاريخ، لم يسبق لأحد أن نجح في احتواء التقدم التكنولوجي الذي يصنع الجيوش الفتاكة. فقط الدول التي لا تستطيع حماية مصالحها تفشل في التكيف. إن عصر الذكاء الاصطناعي قد وصل، وفي عالم تنتشر فيه قوى الاستبداد، سيتعين على الجيش الأمريكي احتضان التكنولوجيات الجديدة ودمجها في ترسانته بأسرع وأقصى قدر ممكن.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد