«خارطة طريق ذات ثلاث محاور: القضاء على تنظيم داعش، ورحيل «الأسد» عن السلطة، واتفاق كافة الأطراف الفاعلة على الساحة السورية على كيفية تطهير سوريا من التطرف، وإعادة إعمارها»

نشر موقع «ميدل إيست بريفينج» تقريرًا يحاول استعراض التغيرات الأخيرة في مواقف الأطراف الفاعلة على الساحة السورية، وكذلك نشأة تحالفات جديدة وأثرها على تطور الأحداث، وهل سيتمخض عنها خارطة طريق تنجح في إيجاد مخرج من الأزمة السورية المتشابكة الأطراف؟

يصف التقرير الوضع في سوريا «بالعاصف»، فالولايات المتحدة في سبيلها للتراجع عن دفعها المحموم – غير الواقعي – لتفعيل وقف إطلاق النار، حتى لو كان ذلك على حساب ترك مجالٍ أوسع لسيطرة الروس. كذلك أدرك الروس أنهم في طريقهم إلى مستنقع عسكري طويل المدى تشكلت ملامحه في حلب إن لم تتصرف بشأن المسار السياسي. أما «الأسد» فقد استفاق من نشوة تقدمه في حلب على دقات ناقوس الخطر نتيجة الهجمات المضادة الناجحة للمعارضة. والسعودية في طريقها لقبول تجميد إنتاج البترول. أما الأتراك فيغيرون مواقفهم بسرعة وسلاسة.

يذكر التقرير أنه صار من الواضح أن كل الأطراف أدركت استحالة فوز طرف واحدٍ دون الآخرين، وأن تطور الأحداث لتحويلها إلى معادلة صفرية لن يجدي أيًا منهم نفعًا. ما حدث في حلب كشف مواقف كافة الأطراف، فجاء محطمًا آمال قوات «الأسد» وحلفائه، والذي بدوره سيؤدي لبدء مفاوضات «ماراثونية» ذات طابع مختلف، ولكن من حيث المحصلة النهائية لكافة هذه التحركات، يجب أن نركز على عودة العلاقات التركية الروسية باعتباره التغيير الأهم في الشأن السوري.

عودة العلاقات التركية الروسية

 

قال «أردوغان» بعد اجتماعه مع «بوتن» في 9 أغسطس (آب)، في «سان بطرسبرج»، أنهم سيعملان سويًا من أجل إنهاء النزاع السوري، وأضاف أنه يجب على روسيا وتركيا اتخاذ خطوات مشتركة لحل الوضع المتأزم في سوريا.

تبعت تلك التصريحات بعض التغيرات الواضحة في سياسات أنقره تجاه سوريا مؤخرًا؛ إذ نقلت وكالة أنباء «ريا» عن سفير تركيا لدى روسيا «أوميت يارديم» تصريحه، في مؤتمر صحفي في 11 أغسطس (آب)، أن الحكومة التركية تعتقد «أن القيادة السورية الحالية بإمكانها المشاركة في المحادثات الرامية إلى حل النزاع الدائر بسوريا»، مضيفًا «نحن نريد من القيادة الحالية لسوريا أن تشارك في المفاوضات».

إلا أن وزير الخارجية التركي «تشافوش أوغلو» قد صرح في مقابلة تليفزيونية أن الانتقال السياسي في سوريا مستحيل في ظل وجود الرئيس «بشار الأسد» على رأس السلطة.

لعل أحد المفارقات المثيرة للدهشة أن موسكو، وليست واشنطن، وراء اقتناع القيادة التركية (المفترض أنها حليفًا للولايات المتحدة) مؤخرًا بتبني وجهة النظر الروسية الأمريكية بشأن الحل السياسي للموقف السوري، لكن في الحقيقة لم يكن «بوتين» يروج في محادثاته مع الرئيس التركي لموقف سياسي مشترك بين الدبلوماسية الأمريكية والروسية معًا، بل ببساطة كان يروج للأجندة السياسية الخاصة بموسكو في سوريا، وبنفس الأسلوب الذي اتبعه مع وزير الخارجية الأمريكي «جون كيري» في إقناعه بالتخلي عن سياسات الولايات المتحدة السابقة وربط الموقف الأمريكي بنظيره الروسي.

الأجندة الروسية

 

أصبح جليًا أن روسيا كانت تروج لرؤيتها الخاصة، فعندما نستمع لتصريحات «فرانتس كلينتسفيتش» (نائب رئيس لجنة الدفاع في مجلس الاتحاد الروسي) عن قاعدة «حميميم» أنها سوف تصبح قاعدة عسكرية روسية بعد الانتهاء من بعض التسويات القانونية، وسيتم بناء بنية تحتية مناسبة؛ ليتمكن الجنود والعاملين في الجيش الروسي من المعيشة في ظروف مناسبة، وأن المهمات الاستطلاعية والدعم الحربي الذي سيقدمه سلاح الجو الروسي سيمكن الجيش السوري من إنهاء مهماته بنجاح، وأن روسيا على وعي تام بأهمية اتخاذ التدابير اللازمة، وإلا «ستواجة تهديدات إرهابية ضخمة» هناك. يعد ذلك مؤشرًا على سعي روسيا لإقامة وجود عسكري دائم آخر في سوريا بجانب قاعدتها البحرية في «طرطوس».

علاوة على ذلك طالب «بوتين» البرلمان بالتصديق على اتفاق لإقامة قاعدة عسكرية أخرى تم التوقيع عليها مع دمشق العام الماضي، في خطوة استباقية لزيارة «أردوغان» للكريملين.

تركيا وروسيا: تصريحات وتوجهات واحدة

«تشافوش أوغلو» وزير الخارجية التركي

وبينما بدأت روسيا في استخدام قاعدة عسكرية في إيران لشن هجماتها على سوريا، صرح «تشافوش أوغلو» وزير الخارجية التركي في 11 أغسطس (آب)، أن الطائرات الحربية التركية ستشارك في عمليات مكثفة ضد تنظيم (داعش)، يأتي ذلك عقب استئناف العلاقات المتبادلة بين تركيا وروسيا، والتي توترت جراء إسقاط الطائرة الروسية. وأضاف «تشافوش أوغلو» أنه في حال لم يتمكنوا من القضاء على المنظمات الإرهابية في البداية، فسوف «تهاجمهم كالوباء»، لذا سوف تشارك القوات الجوية التركية مجددًا وبقوة في العمليات ضد تنظيم داعش في هذه المرحلة.

من الواضح الآن أن «القضاء على تنظيم داعش أولًا» أصبح توجهًا عامًا في السياسة الدولية، فبالإضافة إلى ضرورة وجود تحالف إقليمي لمحاربة تنظيم داعش، كان ذلك موقف موسكو من البداية، ويبدو أن خطة «بوتين» كانت قائمة على إقناع الولايات المتحدة بسياستها في سوريا، من أجل تمرير استراتيجيتها بـ«القضاء على داعش أولًا»، وبالطبع ساعدته الظروف لاحقًا بانضمام الأتراك له في تأييد هذه الاستراتيجية، وبرفعه هذا الشعار، لم يعزز «بوتين» مصالح روسيا في محاربة الإسلاميين فحسب، لكنه وسع نطاق تواجده العسكري المباشر في الشرق الأوسط. لم يكن غرضه محاربة تنظيم داعش فحسب، بل تهيئة نقطة انطلاق؛ لتحقيق الأهداف الاستراتيجية بعيدة المدى، ومن ثم تصبح روسيا لاعبًا أساسيًا في التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب.

لكن كيف سيؤثر ذلك على الأوضاع في سوريا؟

يذكر التقرير أن وصف محاربة تنظيم «داعش» بأنه «أولوية» يؤدي إلى افتراض ضمني أن هناك شيئًا ما سيأتي في المرتبة الثانية. عندما ندرس عن كثب تطور مواقف الولايات المتحدة وروسيا، فسوف نصل إلى فروق جوهرية بين الطرفين مختلفة تمامًا عن «البدايات»، لكن يرى بعض المراقبين، أنه على الرغم من أن هذه الاختلافات قد تبدو طفيفة في الوقت الراهن؛ إذ ما نزال في المرحلة الأولى، ليس من المستبعد أن تخرج هذه الاختلافات البسيطة عن حدود التوقع، وتؤدي إلى انفجار الأوضاع، ونسف كل المساعي سواء التسويات بين القوى الفاعلة، أو التحولات التي تحدث على أرض الواقع. كما أنه من الضروري الأخذ في الاعتبار احتمال أن روسيا ليست لديها أية أولويات أخرى.

يضيف التقرير أن الأزمة ليست «داعش» وحدها، بل تعد «جبهة النصرة» أحد أهم العناصر التي ستظهر مدى صلابة العلاقات بين الأطراف الفاعلة، سواء كانت إقليمية أو دولية. فبمجرد التوصل لاتفاق مع روسيا يمكَّن من قصف داعش و«جبهة النصرة»، ستتمكن الولايات المتحدة من قصف الغالبية العظمى من الثوار في سوريا، مع العلم أن بعض هؤلاء الثوار تدعمهم أنقرة، والبعض الآخر قامت الولايات المتحدة نفسها بتدريبهم. إذ لا يزال هناك بعض الثوار من غير الإسلاميين مثل «الجيش السوري الحر» يحاربون «الأسد»، لكن معظم عناصر «الجيش السوري الحر» أجبروا على الانضمام إلى «جبهة النصرة» في تحالف غير متجانس يسمى «جيش الإسلام».

جدير بالذكر أن «جبهة النصرة» أنشأت تحالف «جيش الإسلام» لتحيط نفسها بمجموعة من الجماعات غير الإسلامية؛ كي تتجنب القصف الأمريكي لها.

تحديات أمام تركيا

 

من الناحية النظرية سوف يتحتم على تركيا التخلي عن حلفائها الإسلاميين في شمال سوريا، لكن يصعب تحقق ذلك على أرض الواقع. علاوة على ذلك، تخبر تركيا المعارضة السورية أن عودة العلاقات مع موسكو وطهران، ما هي إلا نتيجة لخيبة الأمل في حلفائها الغربيين، وأن عودة العلاقات سوف يمكن أنقرة من لعب دور وساطة فعال.

أما من الناحية العملية، فقد تختزل كافة المساعي السياسية وفقًا لاعتبارين.
– الأول: ليس لتركيا أية مصلحة في استمرار الحرب الأهلية في سوريا؛ إذ لم تنل أنقرة منه، سوى المشكلات طوال الخمس سنوات الماضية.
– الثاني: عودة تركيا للعب دورها التقليدي كجسر يربط بين مختلف الأجندات «الجيواستراتيجية»، باعتبارها المستفيد الأكبر من هذا الدور.

«يتحتم على أنقرة أن تثبت لحلفائها، الجدد والقدامى، أنها قادرة بالفعل على إحداث فرق»

لكن يذكر التقرير أن القضية هنا ليست التنبؤ بكيفية تغيير «أردوغان» الاتجاهات، ولكن القضية الحقيقية هي: إلى أي مدى ستؤثر هذه الاتجاهات على الوضع الإقليمي، وبالأخص في سوريا؛ إذ سيكون من الضروري لأنقرة أن تثبت لحلفائها، الجدد والقدامى، أنها قادرة بالفعل على إحداث فرق.

لن يتخلى «أردوغان» بسهولة عن صورته كقائد لدى قطاع كبير من الإسلاميين؛ فلا طبيعته، ولا مصلحته تقتضى ذلك، إلا أنه سوف يقَوِّم ويعدل موقفه وفق خطوات بطيئة وتدريجية؛ كي يصبح «جسرًا للتواصل» مع الإسلاميين، بدلًا من أن يصبح عدوًا لهم.

بوتين والأسد

 

«لا أحد يتحدث بجدية عن التخلص من الأسد سوى الشعب السوري»

لا يزال موقف «الأسد» غير واضح، فإلى أي مدى يثق «بوتين» أن «الأسد» سيترك منصبه بمجرد تحقق أهداف خطة «القضاء على تنظيم داعش أولًا»، والذي تطور في وقت لاحق إلى القضاء على تنظيمي داعش وجبهة النصرة أولًا؟ وهل يمكن اعتبار «الأسد» أولوية «تالية»؟ وما مدى قبول كل من أنقرة وواشنطن ذلك؟ وما هي فرص إحلال السلام بسوريا، بعد الانتهاء من المرحلتين؟

أولًا: لا يوجد ما يؤكد أن «بوتين» يريد إزاحة «الأسد»، بغض النظر عما يصرح به خلال المرحلة الأولى.

ثانيًا: قد يكون «بوتين» على قدر من الدهاء الذي يجعله ينتظر؛ ليرى أين سيميل ميزان القوة على الأرض خلال تطور القتال ضد تنظيمي داعش وجبهة النصرة.

ثالثًا: يدرك «بوتين»، كما يدرك الجميع، أنه يحقق مكاسب وأرباح جوهرية من استثماراته المحدودة في الصراع.

ولا يسع القارئ للوضع السوري، إلا أن يلاحظ أن واشنطن غيرت موقفها، وكذلك فعلت تركيا، ويفكر العرب في التغيير، ولا أحد يتحدث بجدية عن التخلص من «الأسد» سوى الشعب السوري.

إذن.. كيف يتحقق السلام في سوريا؟

 

يذكر التقرير أن النقطة المركزية لتحقيق سلام في سوريا، بعد استبعاد تنظيم داعش وجبهة النصرة، وفي ظل وجود «الأسد» و«حزب الله» و«إيران»، هي إدراك كافة الأطراف استحالة تحقيق أهداف المرحلة الأولى كاملة، ما لم تعلن جميع الأطراف المعنية بوضوح عن نواياها بشأن «المرحلة التالية»، أو بعبارة أخرى: لا يمكن بأية حال أن نتصور وحدة تجمع كافة أطياف الشعب السوري للتعاون في محاربة الجهاديين، دون إخبارهم مسبقًا كيف سيتم التعامل مع الديكتاتور الذي ثاروا عليه في الأساس، كما أنه لا يمكن تصور القضاء على الجهاديين من خلال الضربات الجوية الروسية، حتى لو انضمت لها تركيا والولايات المتحدة الأمريكية؛ فما حدث في حلب أكبر دليل على ذلك.

يختلف بعض الخبراء مع ما سبق؛ إذ يقولون إنه لو تم التصريح علنًا بأن «الأسد» سيترك منصبه لاحقًا، قد ينهار النظام في دمشق في اليوم التالي، في حين يعتقد الكثير من السوريين أن هذا الافتراض «مبالغ فيه»، وأنه يمكن تنحية «الأسد» عن المشهد بطريقة «منظمة»، لكن مجرد افتراض حدوث انهيار مهما تضاءلت احتماليته، يظل يشكل خطرًا حقيقيًا.

تخوفات وتفاؤلات مبالغ فيها

بطريقة أو بأخرى، لابد من وجود مخرج من هذه الأزمة، فهناك العديد من السيناريوهات الخلاقة المطروحة للخروج بأقل الخسائر الممكنة، وبمجرد اقتناع كل الشعب السوري أن «الأسد» سيغادر السلطة، سيبذل السوريون جميعًا كل ما في وسعهم لمواجهة الجهاديين، بعد أن صار وجودهم «غير مبرر»، وانتهت حجة وجودهم من أجل مقاومة «الرئيس السفاح»، وإذا قالوا إنهم يريدون أن يحكموا وفقًا لمرجعياتهم الدينية، فإن معظم السوريين سيرفضون ذلك.

يعتقد الكثيرين في الشرق الأوسط أن «أردوغان» توصل إلى تعهد من «بوتين» خلال زيارته الأخيرة إلى «سان بطرسبرج» أن روسيا لن تدعم أي وجود كردي مستقل على الحدود التركية السورية، ويُعتقد أيضًا أن تركيا لن تشارك بشكل كبير في الحملة الروسية التركية على تنظيم داعش في الأراضي السورية، أو على الأقل في الوقت الراهن.


الفرق الحقيقي الذي يمكن أن تحققه تركيا بشأن الأزمة السورية والمنطقة بشكلٍ عامٍ هو أن تكون جسرًا بين كافة الأطراف؛ فإذا استطاعت أنقرة أن تأخذ الخطوات الصحيحة خلال الأشهر القليلة المقبلة، سيشكل ذلك خريطة سياساتها المستقبلية، ويمكنها بالفعل من لعب دور بناء.

أما الافتراض بأن «أردوغان» سوف يصعد من حدة التوترات مع الغرب هو افتراض «مبالغ فيه» لعدة أسباب:

أولاً: أنه لا يتناسب مع دور الجسر الذي تدعيه تركيا الآن.

ثانيًا: هناك علاقات متجذرة بين الطرفين ستكبح جماح أية سياسات متهورة من كلا الجانبين.

ثالثًا: التوترات مع الغرب لا تخدم الموقف التفاوضي التركي مع روسيا وإيران.

من المفارقة أن احتمالات رسم خارطة طريق عملية وأكثر وضوحًا أصبحت ممكنة أكثر من ذي قبل، ولا يعني ذلك بالضرورة سهولة العقبات، بل إن تحرك الأطراف الفاعلة على الساحة السورية يتجه لأداء دور بناء سواء على الأرض أو من خلال القنوات السياسية.

خارطة طريق!

ولتحقيق توازن بين المبالغة في التفاؤل أو التشاؤم، جدير بالذكر ما صرح به رئيس الوزراء التركي أن بلاده وروسيا قد اتفقتا على كيفية حل الأزمة السورية، ولكن «لا نريد أن نبالغ في التوقعات»، وبعبارة أكثر دقة «يمكن أن نقول أن تهيئة الظروف وإجراء تفاهمات لنزع فتيل التوتر على مدار عقد أو عقدين من الزمان، كفيل بحل الأزمة السورية، بما في ذلك القضاء على الراديكاليين».

ويختتم التقرير بالتأكيد على أن أية خارطة طريق من شأنها النجاح في حل الأزمة، يجب أن تنطوي على ثلاثة عناصر ضرورية: القضاء على تنظيم داعش، ورحيل «الأسد» عن السلطة، واتفاق كافة الأطراف الفاعلة على الساحة السورية على كيفية تطهير سوريا من التطرف، وإعادة إعمارها.

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد