تناول كولين كلارك بالتحليل الشائعات المتداولة حول مقتل زعيم تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) أبو بكر البغدادي في غارة جوية روسية، مشيرًا إلى أنّ قطع رأس الأفعى لا يعني موتها. وقال كلارك في مقال له على موقع مجلة «فورين بوليسي» إنّه إذا صحت تلك الأنباء، فهذا لن ينهي الخطر الذي يمثله التنظيم على العالم.

كانت تقارير قد نقلت في منتصف يونيو (حزيران) أنباءً تفيد بأن الروس ربما يكونون قد قتلوا البغدادي قرب الرقة في سوريا. وقد أعاد الروس تأكيد هذه الأنباء بعدها بأسبوع، زاعمين أن نسبة مقتله تتعدى 90%.

يرى كلارك أنه إذا صحت هذه الأنباء، فإن هذا ليس سوى نصر معنوي على الدولة الإسلامية، إذ إن هيكل التنظيم لا يقوم على شخص واحد، وإنما هو منظمة عالمية لها ما يسمونه ولايات. وهذا يجعل المنظمة متصلة ببعضها، وليس مثل القاعدة، وتتمتع بمرونة لم نشهدها في جماعات العنف من قبل. وبينما ساعد تولي البغدادي زعامة التنظيم على تجنيد مقاتلين أجانب وتدشين شرعية مزعومة لدولته، فإن الهدف الأهم هو مواصلة تقطيع أوصال التنظيم على ولايات في مصر وليبيا وأفغانستان وغيرها.

اقرأ أيضًا: 8 محطات هامة شكَّلت حياة أبو بكر البغدادي

سقطت لكن لم تنهزم

قال كلارك: إنّ التنظيم مُني بخسائر قاسية خلال العام الماضي، وجرى تجفيف معظم منابع تمويله، وانخفض بشدة عدد الملتحقين به، لكن هذا لم يمنعه من شن هجمات دامية في أنحاء مختلفة من العالم، مثل لندن وطهران وأماكن أخرى. وحتى لو لم يكن مسؤولًا بشكل مباشر عن هذه الهجمات، فإن قدرته على إلهام المتشددين على تنفيذ هجمات باسمه تظهر حجم تغلغله في العالم.

ومع ازدياد حدة القتال في الموصل والرقة، بدأ التنظيم في سحب رجاله ومعداته نحو مدينتي دير الزور والميادين، مما ينذر باحتمالية اندلاع صراع دموي بالقرب من حدود العراق والأردن. وبصرف النظر عن مكان المعركة مع التنظيم – يؤكد كلارك – سيتعين على أمريكا وضع استراتيجية طويلة الأمد لمواجهة التنظيم على مستوى العالم. إنّ قتل البغدادي غير كافٍ، ولكن يتوجب على واشنطن أن تعد العدة على كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في هذه المواجهة.

أعلنت أمريكا عزمها استعادة الأسلحة التي منحتها لوحدات حماية الشعب
الكردية التي تقاتل تنظيم الدولة في شمال سوريا بعد القضاء عليه، بالرغم
من صعوبة ذلك على أرض الواقع. إن إدارة ترامب أمامها اختبار صعب، فإما تبديد
المخاوف الكردية، أو مواصلة دعم القوة الأكثر فعالية على الأرض.

ويرى كلارك أن العنف الطائفي والحرب الأهلية السورية والفقر والاستبداد في المنطقة هي الدوافع الرئيسة لوجود تنظيم الدولة، ولا بد من وضع حد لها. إنّ التهديد الذي تمثله منطقة الشرق الأوسط سيمتد إلى شتى بقاع العالم. ففي عصر العولمة، يمكن للمتشددين الترويج لأفكارهم وتجنيد أجانب كي يشنوا عمليات فردية في أوطانهم. كما أن الإرهابيين العائدين إلى بلدانهم يشكلون تهديدًا كبيرًا للغرب.

ومع تراجع تنظيم الدولة في سوريا والعراق، قد ينتقل مقاتلوه إلى فرع آخر، مثل ولاية سيناء، أو لعلهم يدشنون أذرعًا جديدة في مناطق مثل جنوب شرق آسيا، مثلما رأينا في الفلبين. إن الدول الفاشلة والمناطق التي يغيب فيها القانون هي ملاذ آمن للتنظيم وأنصاره.

اقرأ أيضًا: الدولة الإسلامية (النسخة الثانية): «الخلافة» تتداعى و«داعش» ينمو

وحتى اليوم، لم تكشف أمريكا عن خطتها للقضاء على تنظيم الدولة، على الرغم من تناثر شائعات تفيد أن مستشار الأمن القومي في إدارة ترامب ومسئولين آخرين يعكفون على صياغتها. ويؤكد التقرير أن الخطة المزعومة تشبه خطة أوباما، ولكن مع تركيز أكبر على قطع التمويل عن الجهاديين والطعن في أفكارهم وملاحقتهم أينما كانوا.

قتال تنظيم الدولة

يتساءل كلارك عما يمكن فعله أكثر من ذلك للقضاء على التنظيم في الشرق الأوسط؟ ويجيب بأنه على المستوى السياسي، يجب مواجهة الأسباب الحقيقية للإرهاب، التي تتمثل في رأي الكاتب في حتمية إقامة حكم شرعي قوي في مناطق الطائفة السنية.

ويرى كلارك أن ما يسميه المسؤولون الأمريكيون بمناطق الاستقرار لا تفي بالغرض. فالمحافظات السنية في العراق يجب أن تتمتع بقدر من الاستقلال السياسي. أما في سوريا، ستكون الفدرالية غير المركزية هي السبيل الواقعي للوصول إلى تسوية سياسية في المستقبل المنظور. ويمكن للتحالف الدولي مواصلة تقديم الدعم للفصائل التي تقاتل تنظيم الدولة على الأرض، مع ضرورة مواصلة عمليات القصف الجوي التي يشنها التحالف.

إذا صح نبأ مقتل البغدادي، سيعمل التنظيم على تعيين بديل له سريعًا عبر ما يسمى مجلس أهل الحل والعقد، لكن التنظيم لن يتعجل في توصيف زعيمه الجديد بالخليفة، لأنها مرتبة شرفية تمنح لمن هم من نسل النبي محمد.

ويشدد كلارك على ضرورة أن تعيد الولايات المتحدة تقييم استراتيجيتها الحالية لمعرفة تأثيرها على طموحات الأكراد الساعين إلى الاستقلال. أعلنت أمريكا عزمها استعادة الأسلحة التي منحتها لوحدات حماية الشعب الكردية التي تقاتل تنظيم الدولة في شمال سوريا بعد القضاء عليه، بالرغم من صعوبة ذلك على أرض الواقع. إن إدارة ترامب أمامها اختبار صعب، فإما تبديد المخاوف الكردية، أو مواصلة دعم القوة الأكثر فعالية على الأرض.

لا يمكن التنبؤ بعواقب أي استراتيجية في المستقبل – يضيف كلارك – لكن استخدام القوة العسكرية مع استراتيجية سياسية تهدف إلى حرمان الإرهابيين من الشرعية، سيفقد تنظيم الدولة القدرة على شن هجمات عالمية، وسيقوي من أنظمة الحكم في الشرق الأوسط مما يضمن الاستقرار الإقليمي.

تنظيم الدولة بعد رحيل البغدادي

إذا صح نبأ مقتل البغدادي، سيعمل التنظيم على تعيين بديل له سريعًا عبر ما يسمى مجلس أهل الحل والعقد، لكن التنظيم لن يتعجل في توصيف زعيمه الجديد بالخليفة؛ لأنها مرتبة شرفية تمنح لمن هم من نسل النبي محمد.

ومع ذلك – يؤكد كلارك – فإن أهمية البغدادي رمزية أكثر من كونها استراتيجية عسكرية. وكانت شخصية البغدادي قد اكتسبت شهرة كبرى بين عامي 2014 و2016، وهي الفترة التي شهدت تدفقًا غير مسبوق للمقاتلين الأجانب على مناطق التنظيم في سوريا والعراق.

يختتم التقرير بالقول إنّ قتل البغدادي لا يعني القضاء على الأفكار السلفية الجهادية، ولا حتى القضاء على التنظيم بشكل كامل. ولا بد من مواصلة طرد التنظيم من المناطق التي استولى عليها في العراق وسوريا وليبيا، مما سيساعد على أفول نجمه. وعلينا ألا نتوقع أن موت رجل واحد سيقرر مصير منطقة بأسرها.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد