ما هي نظرتك العامة للتعذيب ومدى أخلاقيته؟

أعتقد أن التعذيب خطيئة يجب حظرها بالقانون، لأسباب أخلاقية. كثيرًا ما يُستخدم التعذيب لانتزاع الاعترافات، وترويع أقارب وذوي الضحايا، وعقاب المذنبين والمحتملين، بل وحتى لإشباع الرغبات السادية. هذه استخدامات غير سويّة أخلاقيًا بالطبع. ربّما كان الاستخدام الوحيد للتعذيب الذي يمكن تبريره أخلاقيًا، هو عندما يستخدم في استخراج معلومات مهمة للغاية. وحتى في هذه الحالة، يكون المباشرون لعملية التعذيب عادة مجرمين لديهم أهداف غير سويّة. وحتى إن كانت أهدافهم سويّة، يكون الضحايا في الغالب أبرياء، أو غير مطلعين على المعلومات المطلوبة. وربما يكون لديهم من قوة الإرادة ما يسمح لهم بالتلاعب بالمعذِّبين وتضليلهم، مما يجعل التعذيب وسيلة غير فعالة، أو ذات نتائج عكسية. ومع ذلك، وبغض النظر عن مدى مشروعية الهدف، سيظل التعذيب أمرًا مغريًا للجميع إن كان من السهل الإفلات من العقوبة. لذا فإن التعذيب تمت ممارسته مرارًا على الرغم من كونه فعلًا خاطئًا في كل الحالات تقريبًا. يعني هذا أن القانون يجب أن يستهدف ردع الاستخدام الخاطئ للتعذيب، حتى وإن كان ذلك على حساب تكبيل الأيدي عن استخدامه في تلك الحالات النادرة التي قد يكون للتعذيب فيها مبرر أخلاقي. يجب أن يكون المنع القانوني مطلقًا؛ لأن أولئك الذين يجدون التعذيب ورقة رابحة في جعبتهم سيحاولون استغلال أية ثغرة قانونية وأي مبرر لاستخدامه.

لكنك توافق أن التعذيب – في بعض الحالات القصوى – يمكن أن يكون أخلاقيًا. لماذا ترفض وجهة النظر بحتمية عدم أخلاقية التعذيب تحت أي ظرف؟

يمكن تبرير التعذيب أخلاقيًا، بل في بعض الأحيان يكون إجباريًا عندما يكون دفاعيًا بالكلية، على سبيل المثال، عندما يكون تعذيب المجرم سيمنعه من إلحاق أذى بالغ لأشخاص أبرياء، إن كان استخدام التعذيب سيدفع المجرم إلى الكشف عن موضع قنبلة زرعها، أو رهينة أخفاها وتركها معرّضة للموت في حال عدم الوصول إليها. وإذا كان القتل يمكن تبريره أخلاقيًا إن وقع على شخص كان سيتسبب في مقتل أبرياء، فإن التعذيب – وهو أهون بشكل عام من القتل – يمكن تبريره أخلاقيًا في حالة الدفاع. في هذه الحالة لا يكون الشخص الذي وقع عليه التعذيب قد تعرض للظلم، لأنه يمكنه تفادي التعذيب عن طريق الإفصاح عن موضع القنبلة، أو الرهائن، وهو مطالب أخلاقيًا بأن يفعل ذلك منذ البداية.

هل يقلقك مجرّد القول بأن التعذيب يمكن أن يكون أخلاقيًّا مما يفتح الباب أمام التعذيب غير الأخلاقي؟

نعم، بشدة. هناك قصة الفيلسوف هنري شو الذي كتب مقالًا في عام 1978 بعنوان “(التعذيب)، الفلسفة والشؤون العامة”. شكره بعدها رجلا استخبارات قاما بممارسة التعذيب. حمل المقال هجومًا عنيفًا على مشروعية التعذيب لكنه أقرّ في النهاية بأن المنع الأخلاقيّ للتعذيب ليس منعًا مطلقًا، وهو ما امتنّ له الرجلان وجعلهما يتخلّصان من الشعور بالذنب عند ممارسة التعذيب. أعتقد أن هذا يفسّر لِمَ يجنح الكثير من الأشخاص الذين لا يؤمنون بالحتمية الأخلاقية في العديد من المسائل الأخلاقية، يؤمنون بالحتمية الأخلاقية في مسألة التعذيب. هم لا يريدون إعطاء أي نوع من المساعدة أو الشعور بالارتياح لهؤلاء الذين يسعون لتبرير التعذيب طبقًا للظروف. هنا تنشأ المعضلة، فالرفض التامّ للتعذيب يعدّ تطرّفًا أخلاقيًا مفتقرًا للمصداقية. لا بد أن نعترف بأن التعذيب قد يكون مسموحًا به في بعض الحالات، كما ذكرنا سابقًا.

هل يجدر بنا معاملة قضايا التعذيب المبرر بنفس الطريقة التي يتبعها البعض في قضايا العصيان المدني: لديك – في الحالات القصوى – مبرر أخلاقي لانتهاك القانون لكن سيتوجب عليك بعدها تحمّل التبعات؟

نعم، أعتقد هذا. لكي نردع التعذيب بفاعلية لا بد أن يدفع القانون كل من تسول له نفسه التعذيب بأن يشعر أنه سيضحي بنفسه في سبيل الأخلاقية. سيكون من الأفضل بالتأكيد أن يحدد القانون عقوبة واضحة، لكني لست مع ذلك الاختيار. يجب أن نترك مساحة للمحكمة تمكنها من التساهل في حكمها على القضايا التي لها مبررات أخلاقية واضحة. لكن لا يجب أن يظن أحدهم ولو للحظة أنه يمكنه تفادي العقاب من خلال ثغرات في القانون.

إننا نستخدم مصطلح «التعذيب» ولم نعرّفه. هل نكتفي بالأشياء التي نعرفها يقينًا؟ أي أن حبس السجين في زنزانة ليس تعذيبًا أمّا تعرضه للضرب فهو من قبيل التعذيب؟ أم أنه من الواجب علينا مناقشة أدق التفاصيل عن طبيعة التعذيب؟

كل من الأخلاقيين والمنظّرين القانونيين يجب أن يناقشوا أدق التفاصيل. هناك العديد من الأسباب التي تجعل حوادث التعذيب أمرًا مرفوضًا: فظاعة المعاناة؛ الإذلال والترويع، والتجريد من الإنسانية؛ النُدب النفسية التي تتركها العملية؛ الأشكال المتعددة للخيانة (خيانة الآخرين، والمُثل، والنفس). يمكن أن يعتمد التقييم الأخلاقي في كل حالة على مدى توافر هذه العناصر وبأية درجة. التعذيب لا يخضع لقانون “الكل أو لا شيء”، هناك حالات أسوأ من غيرها، وهناك حالات من الإيذاء يمكن القول أنها في المنطقة الرمادية، حالات مروّعة لكن لا يمكن وصمها بأنها تعذيب. هذه هي أحد مشاكل أنصار الحتمية الأخلاقية فيما يتعلق بالتعذيب، يتوجب عليهم وضع حد معين على مقياس المعاناة، ثم القول بأنه لا شيء، ولا حتى منع ألف جريمة، يمكن أن يبرر إلحاق هذا القدر من الأذى لأي شخص. وفي الوقت نفسه، فإن أي إيذاء لا يتجاوز الحد الموضوع هو إيذاء مسموح به، حتى بدون مبرر أو بمبرر ضعيف. ومن هنا نستخلص أن فكرة وجود حد ثابت وواضح هي فكرة غير واردة أصلًا.

قد يعارضك بعض أنصار الحتمية الأخلاقية لأنك ترى أن الأفعال يمكن الحكم عليها بنتائجها بينما يؤمنون هم أن بعض الأفعال الخاطئة – إن لم يكن كلها – تستمد خطأها من ذاتها بغض النظر عن العواقب. هل هذا الخلاف الأخلاقي غير قابل للحل؟

لا أظن ذلك. لقد انتقدت الحتمية الأخلاقية في النظر إلى التعذيب لأنها تتطلب رسم خط واضح بين الأفعال المسموح بها بغض النظر عن عواقبها، والأفعال التي يمكن قبولها ولو جزئيًا بالنظر إلى العواقب. ولكنني لا أظن أن العواقب وحدها تحكم. قلت على سبيل المثال أنه ربما يكون من المسموح تعذيب إرهابي للكشف عن مكان قنبلة، أو رهينة، لكن الأمر يختلف تمامًا إن كان التعذيب سيقع على ابن الإرهابي لإجباره على البوح بنفس المعلومات. عندما زرع الإرهابي القنبلة أو احتجز الرهائن فإنه جعل نفسه أكثر عرضة للتعذيب من الناحية الأخلاقية، لمنعه من تنفيذ ما اعتزمه من إيذاء الأبرياء. لكن الابن الذي لم يفعل شيئًا من ذلك وبالتالي لا يمكن تبرير الأمر أخلاقيًا.

نرى هنا أن الاعتراض الأكبر على الزعم بأن التعذيب محرّم على إطلاقه، هو عدم التفرقة بين تعذيب المجرمين أو الأبرياء. الفيلسوفة البريطانية “إليزابيث أنسكوم” كانت من المؤمنين بالحتمية الأخلاقية، ولكنها أدركت أن التحريمات المطلقة يجب أن تضع في الاعتبار كون المجني عليه بريئًا أم لا. لذا، ورغم إيمانها بأن القتل العمد لأي بريء هو عمل محرّم على إطلاقه، لم تحترم كثيرًا فكرة السلمية المطلقة، فهي على حد قولها “تعلّم الناس أنه لا فرق بين إراقة دماء الأبرياء وإراقة أية دماء. وهي بهذا الشكل أفسدت عددًا هائلًا من البشر”. ومعتنقوا الحتمية الأخلاقية حين يتخذون نفس الموقف من التعذيب فإنهم يرتكبون ذات الخطأ. وبعيدًا عن حقيقة أن القتل أسوأ بكثير من التعذيب، فإن الفرق الوحيد المهم بين القتل دفاعًا عن الأبرياء، والتعذيب دفاعًا عن الأبرياء، هو أن التعذيب الدفاعي أمر شديد الندرة وقوعه.

بصفتك فيلسوف أخلاقيّ كيف ترى الخلافات التي دارت حول تقرير مجلس الشيوخ عن C.I.A؟

من المنطقي أن نطلب تحرّك الحكومة لتبرير ما جرى للمواطنين. حكومة بوش كذبت على مواطنيها بشأن سياسات التعذيب، وهذا خرق صريح للقانون الدولي وبالتالي للقانون الأمريكي الذي يعتبر القانون الدولي ساريًا على أرض أمريكا. لم يتحرك أي فرد من تلك الحكومة لإظهار أن أيًا من تلك الحالات التي استخدم فيها التعذيب كانت مبررة أخلاقيًا كما ذكرت. والمدافعون عن التعذيب لا يمكنهم إيجاد أي عمل إرهابي بشع كان يمكن لإدارة أوباما منعه لو لم تقض على سياسة التعذيب القديمة. وبما أن الإدارة تمكنت من إلغاء هذه السياسات بلا آثار سيئة واضحة للعيان، فإنه لا سبب أمني يبرر الاستمرار في إخفاء الحقائق عن ممارسات إدارة بوش. بل إن هناك أسباب ديمقراطية قوية لكشفها، على سبيل المثال، ردع الإدارات القادمة لألا تتصرف بطرق مماثلة، ودحض الأوهام التي تدور في عقول المواطنين عن مدى نزاهة الحكومة وثقتهم فيها. غضب بعض المدافعين عن التعذيب بشدة من هذا الكشف عن جرائم إدارة بوش، ولكن لم يغضبوا من حقيقة أن هذه الجرائم ارتكبت بالفعل. يبدو لي هذا التصرف معاديًا للديمقراطية من الأساس.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد