تناول الكاتب جرانت روملي في مقاله لمجلة «بوليتيكو» الأمريكية الوضع السياسي القائم على الساحة الفلسطينية، واحتمالات قيام عملية السلام في ظل الظروف الراهنة، كما يعرض حلًا مقترحًا لإدارة أوباما لمواصلة مفاوضات السلام التي ذكر مرارًا أنه يسعى لدفعها.

هذا الأسبوع، يزور الرئيس الفلسطيني محمود عباس البيت الأبيض، في زيارة تعد الأولى منذ ثلاث سنوات. في المقابل، يبدو ترامب في انتظاره لدفع مفاوضات السلام الفلسطينية الإسرائيلية، والتي صرح مطلع الشهر الجاري أنه «يعمل بقوة لإحداث السلام المنتظر بين الشعبين». دائمًا ما تحدث ترامب عن رغبته في إتمام تلك الصفقة، إلا أن مساعي ترامب ربما للوهلة الأولى يبدو محكومًا عليها بالفشل كأسلافه إذا لم يعالج العقبة الأكبر أمام إحداث السلام، وهو قطاع غزة.

اقرأ أيضًا: «نيويورك تايمز»: وثيقة حماس.. هل هي محاولة لكسب تأييد دولي وصداقة مع مصر؟

نظرة تاريخية

وبحسب المقال، فمنذ أن طردت حماس السلطة الفلسطينية من قطاع غزة في 2007، أصبح احتمال التوصل لحل الدولتين أشبه بالمستحيل، فيما كان خيار إدارتي أوباما وبوش هو دعم المفاوضات بشكل حازم بين إسرائيل وبين القيادة الفلسطينية في الضفة الغربية، وكلاهما اختار إبقاء غزة جزءًا بلا حل، وأنه محكوم عليه بالصراع الدائم مع إسرائيل طالما واصلت حماس سيطرتها على القطاع.

يؤكد الكاتب أن هذا المنطق معيب بشدة، إذ إن أي اتفاقية للسلام بين البلدين تتطلب تنازلات جادة من الطرفين، ولا يمكن لأي زعيم فلسطيني في الضفة الغربية أن يقدم تنازلات بشأن قضايا كبرى من القدس، واللاجئين، والحدود، فيما يتحكم حزب منافس في نصف أراضي الدولة الفلسطينية المستقبلية. هنا، يظهر الخوف الحقيقي لعباس، وهو أن حماس يمكنها أن تشعل غضبًا شعبيًا – وربما تحركًا – ضده وضد حركة فتح في حال تبنى مثل هذه الحلول.

يقول الكاتب إن أحد المفاوضين الفلسطينيين ممن كانوا جزءًا من محادثات السلام في 2013 والتي قادها وزير الخارجية الأمريكي في ذلك الوقت جون كيري أن قطاع غزة كان «قضية هامشية» في الحوار، وأن عباس لا يريد التحكم في القطاع أو التفاوض نيابة عنه. ذكر المصدر أيضًا أن عباس لا يحكم الفلسطينيين في سوريا ولبنان، إلا أنه يتفاوض عنهم بصفته ممثلًا للقيادة الفلسطينية، وهنا يرى أن عباس ربما لا يحتاج للسيطرة على القطاع، بل يحتاج للشرعية التي تمكنه من التوقيع على اتفاق ما.

اقرأ أيضًا: عباس يخنق غزة: لإزالة حماس أم للسيطرة عليها

حماس والمعادلة الصعبة

يعتقد الكاتب أن عباس لن يحصل على تلك الشرعية بالتصالح مع حماس، كما يرى أن الفجوة بين الفصيلين الفلسطينيين اتسعت خلال السنوات العشر الأخيرة مع انهيار اتفاقات المصالحة بينهما. الفارق الأيديولوجي بين فتح وحماس، إلى جانب التاريخ الدامي الممتد، يعني أن كلا الطرفين لا يستطيع النظر إلى الأمور سوى كونها معادلة صفرية. وفي مطلع مايو (أيار) الجاري، دعا المستشار الديني لمحمود عباس سكان غزة للإطاحة بحركة حماس، وفي المقابل، ردت حماس باقتحام مكاتب منظمة التحرير الفلسطينية في غزة.

الأسبوع الماضي فحسب، أوقف عباس تسديد أموال الكهرباء عن قطاع غزة، فيما أصدرت حماس وثيقة جديدة تعترف فيها بحدود 1967، وهو ما يمكن تفسيره باعتباره حيلة لتأمين بعض التمويل الإقليمي، ومحاولة لنسف القاعدة الجماهيرية لحركة فتح، أكثر من كونها بادرة لإثبات حسن النية، بحسب مقال بوليتيكو.

الفارق الأيديولوجي بين فتح وحماس، إلى جانب التاريخ الدامي الممتد، يعني
أن كلا الطرفين لا يستطيع النظر إلى الأمور سوى كونها معادلة صفرية.

يقول الكاتب إن حماس لن تذهب بالجسد السياسي الفلسطيني لأي مكان، وأنها ستتسبب دائمًا في إفساد فرص التوصل لاتفاقية سلام سواء بالقوة أو برغبتها واتجاهه، ويدلل على ذلك بالتفجيرات الانتحارية في التسعينيات، أو الحرب الأخيرة في 2014. وبدلًا من تجاهل حماس، يمكن للقيادة الأمريكية دعم عملية سياسية تقلل من سلطة حماس، وتعطي مزيدًا من السلطة لحركة فتح، وإعطائها الشرعية اللازمة للتفاوض حول قطاع غزة في المستقبل.

يضيف جرانت روملي أن تلك الدفعة الجديدة لعملية المفاوضات ستثير بلا شك ذكريات إدارة بوش، والتي أصرت على عقد الانتخابات في 2006 – بدعم من عباس – لتمهد بذلك الطريق لفوز حماس والذي رفضت الولايات المتحدة نفسها الاعتراف به فيما بعد، إلا أنه يصف أخطاء بوش بكونها تكتيكية وليست استراتيجية، وأنها لم تعمل كثيرًا على الأرض لمنع انتصار حماس. وعلى الرغم من أن السياسيين ربما يكونون عرضة لجولة أخرى من الانتخابات، إلا أنها تظل الطريق الأقوى بالنسبة لفتح في سبيل الحصول على الشرعية.

اقرأ أيضًا: «فورين أفيرز»: «علول» و«سنوار».. دماء جديدة في فتح وحماس

الانتخابات هي الحل

ويرى روملي أن الخطوة الأولى على الطريق قد تكون دعوة السلطة الفلسطينية لانتخابات رئاسية وتشريعية خلال 60 يومًا، وهي المدة المنصوص عليها في الدستور الفلسطيني في حالة الأزمات، ومن خلال هذه الانتخابات، سيتمكن عباس وفتح من تقديم أنفسهما من جديد باعتبارهما يملكان «حكم القانون»، وسيمنح فرصة لعباس البالغ من العمر 82 عامًا إما للتنحي أو للترشح لدورة أخرى.

الخطوة الثانية على الطريق هي أن يُجري عباس إصلاحات داخلية عامة في حركة فتح، فالسبب الوحيد وراء عدم إجراء أية انتخابات على مدار أكثر من 10 سنوات هو الخوف من أن تحقق حماس فوزًا كبيرًا كما حدث في 2006، إلا أن حقيقة الأمر أن حماس لم تحقق فوزًا كاسحًا، إذ حصدت 44% من الأصوات مقابل 41% لفتح، في الوقت الذي كانت تمر فيه فتح بانقسامات داخلية عميقة حول مرشحي الحركة، ما دفع عددًا من أعضائها لخوض الانتخابات بوصفهم مستقلين.

لذلك، يمكن القول إن الإصلاح الداخلي لفتح يعد العقبة الأكبر أمام إعادة تنشيط الديمقراطية الفلسطينية، فالأوضاع داخل فتح اليوم هي أكثر انقسامًا مما كانت عليه في 2006، وهنا ينصح الكاتب عباس أن يتواصل مع أعضاء الحركة المنشقين، ومن بينهم من تحالفوا مع خصمه محمد دحلان، وأن يدعوهم لتوحيد الحركة في قائمة واحدة في كل المناطق.

سيكون على مسئولي حماس الاختيار بين نبذ العنف والمشاركة في أول انتخابات حرة نزيهة منذ أكثر من 10 سنوات، أو رفضها والمخاطرة بفقدان اتصالهم بالشعب الفلسطيني. قبل كل ذلك، يجب أن تشعر الولايات المتحدة بحالة من الاتحاد والتوافق داخل فتح وفرصها في التفوق على حماس.

الخطوة الثالثة من نظر الكاتب هي وضع شروط أولية للمشاركة في الانتخابات. في 2006، رفضت إدارة بوش ضغوطات عباس لوضع بعض الشروط، مثل نبذ العنف والتقيد باتفاقيات منظمة التحرير الفلسطينية مع إسرائيل، وهو ما أعطى الفرصة لحماس بإقحام مرشحيها دون تراجعهم عن بعض «الأفكار الإرهابية» كما يصفها التقرير، وهو ما ندم عليه المسئولون الأمريكيون فيما بعد.

يقول الكاتب إن هذه الخطوة من شأنها أن تمثل العنصر الأهم في حالة السياسة الفلسطينية الداخلية، إذ سيكون على مسئولي حماس الاختيار بين نبذ العنف والمشاركة في أول انتخابات حرة نزيهة منذ أكثر من 10 سنوات، أو رفضها والمخاطرة بفقدان اتصالهم بالشعب الفلسطيني. قبل كل ذلك، يجب أن تشعر الولايات المتحدة بحالة من الاتحاد والتوافق داخل فتح وفرصها في التفوق على حماس. في حال رفضت حماس المشاركة، سيرى الشارع الفلسطيني بوضوح من يقف في طريق وجود ديمقراطية حقيقية.

يؤكد روملي أيضًا أن هذه الخطة ليست خالية تمامًا من المخاطر، فقد تشارك حماس وتتمكن من الفوز، وقد يحدث تفتت داخلي لفتح في اللحظات الأخيرة، وربما تُجرى الانتخابات في الضفة الغربية فقط. من المسلم به أيضًا أن الفساد المستشري في الضفة الغربية، وبعض النفقات التي تضعها الحكومة في المكان الخاطئ، تجعل من فتح شريكًا ليس مثاليًا للسلام في الوقت الحالي، إلا أن ذلك لا يجب أن يمنع الولايات المتحدة من التفكير في حلول مبتكرة لقطاع غزة، فما يحتاج إليه أي قائد فلسطيني هو رغبة في التوقيع على اتفاقية ما، وقدرة على تنفيذها، وهو ما لا يتوافر حاليًا في عباس، والذي لا يملك السيطرة على قطاع غزة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد