نشرت «الجارديان» تقريرًا كتبته «لارا فيجل»، ناقدة أدبية، ومؤرخة ثقافية، تدرِّس بكلية كينجز لندن في إنجلترا، تذكر في تعريفها بنفسها أنّها لطالما فُتنت بالعلاقة بين حياتنا والتاريخ والأدب، ولعلَّ القضيَّة التي تناولتها في التقرير وثيقة الصلة بالحياة والثقافة؛ فظهرت في الكثير من الأعمال الأدبية، فمن خلال استكشاف الكاتبة لكفاح «دوريس ليسينج»، الروائية البريطانية الحائزة على جائزة «نوبل» للأدب عام 2007، من أجل تحقيق توازن بين الأمومة والحريَّة؛ تتعرَّض لمعضلة «التناقض الأمومي»؛ فقد هجرت «دوريس ليسينج» زواجها وأطفالها من أجل الكتابة. تتناول الكاتبة مجموعةً من الأسئلة، أهمها: هل تحبُّ الأمُّ أبناءها حبًّا غير مشروط، لكنها في نفس الوقت تكره تخلّيها عن نفسها في سبيل رعايتهم؟ وهل تجد الأمّ مضضًا في التضحية بكلِّ حياتها في سبيل أبنائها، أم أنّ تلك المشاعر ضربٌ من عدم الامتنان والترف؟

تقول الكاتبة: إنَّها عندما كانت تُخبر أحدًا أنها تكتب كتابًا عن «الحرية ودوريس ليسينج»، فعادة ما انحصر رد الفعل في سؤالهم: «أهي التي هجرت أطفالها؟» ما ينمُّ – ضمنيًّا – عن الافتراض بأنَّ الحرية التي سعت إليها، والتمستها، بغضّ النَّظر عن مدى تعقُّد ووعورة الطرق التي خاضتها، كان ثمنُها باهظًا؛ إذ لم تدفع ثمنَ التخلِّى عن الأنوثة فحسب، بل ثمن الوحشية في هجر أطفالها أيضًا. وتضيف أنّها عندما تقول: إنها تكتب الكتاب على غِرار المذكّرات، وأنَّه بدأ أثناء حالة تماهٍ عنيفة مع دوريس، تشعر أحيانًا أنَّها متورّطة في إصدار الأحكام عليها؛ فيبدو من دفاعها عن أفعال دوريس، مع تأكيدها على أنها لم تنجم عن غيابٍ صريحٍ لحبِّ وعاطفة الأم، أنها تعترف بهذا القصور والنقص شخصيًا.

صورة دوريس مع ابنها 

تردف الكاتبة قائلة: إنّ تلك الأسئلة الصعبة كانت إلى حدٍّ كبير الدّافع وراء البدء في الكتاب باعتباره مذكّرات؛ إذ يتيح الفرصة للتحقيق في محاولات دوريس السعي لأجل الحريّة الاجتماعية والسياسية والجنسية والنفسية من خلال عدسات حياتها الخاصة. يبدأ الكتاب بفصل صيفٍ حضَرَت فيه الكاتبة العديد من حفلات الزفاف، وكانت قد بدأت في نفس الوقت في قراءة كتاب دوريس: «المفكرة الذهبية» (The Golden Notebook)، الذي كتبته عام 1962؛ وذلك لمحاولة استكشاف الحياة الفنية الإبداعية والجنسية الخاصة بـ«امرأة حرة» مستعدَّة للتضحية بالسعادة في سبيل التحرر.

عاطفة الأمومة مُقيِّدة؟

مثل دوريس، شعرت أنا أيضًا أنَّ الروابط الأسرية والحب الأمومي أشبه بمصادر للتقييد مثلما هي مصادر للبهجة.

تقول الكاتبة: إن «آنا وولف» في الرواية تعترف قائلة: «أنا أهتمُّ فقط بتمديد نفسي.. وفي العيش على أكملِ وجه قدر استطاعتي»؛ ما أثار داخلها بعض المخاوف في خِضمّ حفلات الزفاف الكثيرة، خشيت أن جيلنا ربما تخلَّى عن «آنا» وغدر بها، وبما تمثله هي ومؤلفة الكتاب، تعتقد «لارا» أنّ الزيجات التي نحتفلُ بها بمعدلاتٍ عالية اليوم، تعتبر الزواج حياةً أبديةً سعيدة، وأنَّ الزواج الأحادي – أي من شخصٍ واحد – والعدد المناسب من الأطفال المولودين على فتراتٍ متباعدة كافية بين كل طفل وآخر، أمورٌ مسلَّم بها؛ فدخلوا إلى عالمٍ حيث العمل هو الوسيلة لتحقيق السعادة القصوى المرجوَّة من الحياة الأسرية، حيث أصبح الحب متمثلًا في كلمة «أحبّك» في ختام كلِّ مكالمةٍ هاتفية. تقول الكاتبة: إنَّها تشعرُ بالراحة في حفلات الزفاف إلى حدٍ ما؛ لأنَّها كانت مقتنعةً بتلك الرؤية؛ ما أصابها بالاختناق؛ بسبب اضطرارها لتبرير إصرارها على حقها في العيش على أكمل وجه، دون حتى معرفة ما يستتبعُ ذلك.

دفعها ذلك إلى التفكير مليًا في تجربة زواجها وأمومتها، تزامنًا مع محاولتها استكشاف ما جنته دوريس، وما فقدته، خلال محاولتها إيجاد حياة جديدة أكثر حريَّة، ولا تُخفي الكاتبة شعورها هي الأخرى أحيانًا بأنَّ الروابط الأسرية والحب الأمومي أشبه بمصادر للتقييد، مثلما هي مصادر للبهجة؛ فقد تعرَّضت للانتقاد كثيرًا، والطَّعن في أمومتها عندما كانت تترك ابنها ذا الستة أشهر – قبل خمس سنوات تقريبًا – مع زوجها؛ حتى تختلي بنفسها بعيدًا لتكتُب، كانت تغيب عادة لمدة أسبوع واحد، فتتساءل: «من يدري ماذا كنت لأفعل لو كنت أعيش في الأربعينات من القرن الماضي في روديسيا الجنوبية محاصرةً بحفلات القهوة الصباحية وملّاك الأراضي، كما كان حال دوريس، قلقة من أنّ اللحظة التي قد أتمكن فيها أن أكون نفسي علانية ربما لن تأتي أبدًا؟».

Embed from Getty Images

دوريس ليسينج في شبابها، عام 1950

كانت «دوريس ويزدوم ليسينج» تبلغ من العمر 23 عامًا عندما تركت طفليها (الابن ثلاث سنوات، والبنت سنة واحدة)، لتبدأ حياةً جديدة على بُعد بضع شوارع من بيتهما. قبل هجرهما انضمَّت إلى حزبٍ شيوعيّ، مقتنعة أنها بذلك كانت على وشك خلق عالمٍ جديد لها ولطفليها، وأرادت الكتابة، لكن سرعان ما اكتشفت أنَّ تحقيق ذلك مستحيل في ظل العيش مع رجل تقليدي للغاية.

الأسرة بناءٌ ميت!

بعد مرور عقد من الزمان، صورت دوريس شخصية «مارثا» التي تهجر ابنتها في رواية «زواج لائق» (A Proper Marriage)، تضمُّ «مارثا» طفلتها مدركةً أنها تحتضنها للمرةِ الأخيرة، مستشعرةً أنَّ تلك الطفلة ذات الثلاث سنوات وحدها فقط تفهمها، ولدقائق قليلة تضمُّ «هذا المخلوق المليء بالحيوية والمفعم بالطاقة» بشدةٍ إلى صدرها، فتهمس في أذنها: «ستكونين حرة تمامًا، كارولين.. ها أنا أطلق سراحك».

تقول الكاتبة: إنه في عالمنا اليوم، حيث لم نعد نعتقد أنَّ الشيوعية قد توفر لنا الحرية، ولا نؤمن بالشعارات الشيوعية، وأنَّ الأسرة «بناء ميت»، لا يبدو أيًّا من ذلك منطقيًّا، لكن ما يبدو أكثر منطقية لنا اليوم هو الوصف المؤلم للحبّ الأموميّ قبل مغادرة «مارثا» وهجرها طفلتها. فمنذ لحظة ولادة طفلتها، بدأت «مارثا» تتخيَّل تركها المنزل وأسرتها، فهي تمقُت «الحبل السريّ الخفي» الذي ما يزال يربطها بابنتها حتَّى بعد الولادة، وتخشى أنها «لم تعد ذات نفع»، إذ لم يعد بإمكانها تأدية مهامها السهلة التي تفعلها كل امرأة بطبيعتها: «أن تكون أمًا».

فنلاحظ مدى تعقيد تجاوب «مارثا» مع هذا الرابط الخفي الذي يربطهما، تقول «مارثا»: «كم هو محبَّبٌ للقلب تحميم المولودة الصغيرة»، وفي وصفٍ آخر تتعجَّب من جمال «رؤيتها مرتديةً فستانها القطنيّ الجميل، وقدميها الرقيقتين ورديتي اللون تحاول الاتزان بثباتٍ وقوةٍ على الأرض». حتى عندما يصير التفاعل بينهما أكثر تعقيدًا، فهي واعية لهذا الحب بطريقة مؤلمة، على سبيل المثال: بعد شجارهما بسبب تناول الطعام؛ إذ تصف قلبها «كقطعةٍ متضخمة ملتهبة من شدة العاطفة تجاه الطفلة، يملؤها الأسى على سوء معاملتها».

تتمثل إحدى تلك الحالات والمشاعر المتضاربة المرتبكة في تساؤلها: «هل أحبها؟»، إلا أنها تدرك أنّ الحبّ يتلاشى بمجرَّد بحثها الحثيث عنه، ولا يذر سوى رابط المسؤولية، ثم تلتفت إليها كارولينا «بابتسامةٍ دافئة ملؤها الثقة»، فيخفق قلب «مارثا» «لينًا من شدة رقتها». تقول الكاتبة: إنّ تلك المشاعر المتناقضة ليست بسيطة؛ فالحبُّ يولِّد رغبة في فرط حماية المحبوب؛ ما يخلق احتمالية أن «كارولينا» ستكرهها يومًا ما بسبب تلك الحماية المفرطة، إلا أنّ – من ناحيةٍ أخرى – فكرة تَولُّد كره بينها وبين كارولينا بدت عبثية.

«السلطة الذكورية» التي تقسم النساء إلى صالحة وطالحة، خيرة وشريرة ، ولود أو عقيم، تخلق توقعات مروعة للأمهات

ما مرَّت به «مارثا» في رواية دوريس يعرف الآن بـ«تناقض الأمومة»، بعد فترةٍ وجيزة من هجرها طفليها، أعلن «دونالد وينيكوت» – محلل نفسي – مؤكدًا مناصرته لما يعرف بـ«الأم الجيدة بدرجةٍ كافية»، في مقالٍ له بعنوان «الكراهية في مكافحة التحوُّل»، أنَّه «على الرغم من كره الأمّ لطفلها منذ لحظة النطق بكلمة (أطلقي)» التي ينادي بها المسعفون أثناء الولادة لتحفيز الأم على الدفع بالطفل خارج رحمها، تتفاقم حدَّة شخصية الأم في نظره جرَّاء متطلّبات الطفل الرضيع الغارق في غفلةٍ عن كمّ تضحياتها، «لاسيما أنَّ هذا الطفل لا يسمح لها حتى بالكُره»، فيقول: إنّ كراهيتها هي مكوِّن طبيعي لحبِّها غير المشروط في البداية، واختبار لقوة أمومتها، محتَّم عليها تقبُّل كراهيتها لطفلها، دون السماح لتلك الكراهية بالتأثير على أفعالها، فكان هذا التقبُّل والتسامح نصرًا مكَّن له الحب.

لم يكن منطق «وينيكوت» معتادًا في نقاشات الأربعينات للأمومة، بيد أنه في الوقت الذي جلدت دوريس نفسها؛ لأنها أمٌّ سيئة، كانت هناك نماذج أدبية تعبِّر عن الأمومة المتناقضة، على سبيل المثال: مُجِّدَت شخصية «مسز رامزي» في رواية «فيرجينيا وولف»، بعنوان: «إلى المنارة» (To the Lighthouse)، باعتبارها نموذجًا أصليًا للأمومة، لكنها تتنفس الصعداء عند نوم أطفالها؛ إذ لم تعد مضطرة للتفكير في شخصٍ آخر سوى نفسها، يمكنها حينها فقط أن تصبح نفسها، مع نفسها، تفكر في نفسها وحدها، فكل ما كانت تحتاجه هو التفكير، لاسيما الصمت.

Embed from Getty Images

فيرجينيا وولف

علاوة على ذلك، يخبرنا «ديفيد هربرت لورنس» حكاية «مسز موريل»: الأمّ الُمحبَّة لدرجة الهوس في رواية «أبناء وعشَّاق» (Sons and Lovers)، والتي انتابتها رهبةٌ من جنينها كما لو كان كارثة محدقة قبيل ولادته، في البداية بدأت تشعر بأن نظراته إليها كالعبء الملقى على قلبها، فوصف «لورنس» لحالتها بعد هذا الخوف من جنينها، وعدم رغبتها في إنجابه، ربما أثر في دوريس، إذ فجعت «مسز موريل» عندما حملت مولودها، وضمَّته إلى صدرها؛ لشعورها كما لو أن «حبل طفلها السرى الذي ربط جسمه الصغير الرقيق بها ما يزال مرتبطا بها، لم يُقطع بعد»، ثم تدفقت إلى قلبها نوباتٌ من «الحب المتقد»، فتقرر محبته أكثر تكفيرًا عن عدم رغبتها فيه من الأساس.

تطوُّر وتقبُّل بدايةً من الستينات

على الرغم من أن رواية «أبناء وعشاق» كتبها «لورنس» في بداية القرن العشرين، تقول الكاتبة: إن فكرة التناقض الأمومي لم تصبح مقبولة علنًا، إلا في الستينات والسبعينات من القرن الماضي، كتبت الشاعرة «أدريان ريتش» في كتابها بعنوان «ولادة امرأة» (Of Woman Born): «أبنائي يتسبَّبون في أروع معاناة اختبرتها يومًا»، ألا وهي «معاناة التناقض، والاختلاف القاتل بين الاستياء المرير، وبين دوامة التوتر التي لا تفني، وحتمية هذا الحب المبطَّن بالمعاناة».

تعتبر «ريتش» هذا التقلُّب بين مشاعر الألم والمتعة والإحباطات والإنجاز والوفاء، نتيجة لـ«السلطة الذكورية»، والتي تقسِّم النساء إلى صالحة وطالحة، خيرة وشريرة ، ولود أو عقيم، ما يخلق توقُّعاتٍ مروِّعة للأمهات. وتعتقد الكاتبة أن الأمر ببساطة يتمثل في أن ذاك الحبل السُّري الذي شعرت «مسز موريل» كما لو أنه مازال يربطها بطفلها، وكذلك «مسز مارثا»، ليس مجرد نتاج اللحظة، بل ينمُّ عن تاريخ ذي معايير مختلفة تمامًا للحبّ الأمومي والأبوي، فعلى سبيل المثال: لم يصوِّر التاريخ ولا الأدب أيًا من الآباء الذين هجروا أطفالهم، مثل: «أوغسطس جون»، و«جون رودكر» (الناشر والشاعر الحداثي)، و«لوسيان فرويد» على أنهم وحوشٍ، وكذلك لم تصوِّرهم القصص الخيالية أنهم مبتلُّون بالشعور بالذنب.

ولادة المرأة تغير فهم المرأة لحقيقة وجودها بشكلٍ جذريّ، فهناك شخصٌ آخر خُلق داخلها، وبعد الولادة يستوطنون داخل حدود إدراكها الواعي.

نشرت رواية لـ«جون أوبديك» بعنوان «هروب رابيت» (Rabbit, Run) عام 1960 – أي بعد ستّ سنوات من نشر كتاب «زواج ملائم»، تصف رواية «جون» قصَّة أبٍ يهجر زوجته وابنه في ملابساتٍ قد تكون مشابهة، إلا أنَّ هروبه من المنزل لم يلاقِ سوى معارضة ضئيلة نسبيًا لقطعه صلته بطفله؛ فلوهلة يفتقد «مستر رابيت» «طفله واحتياجاته الشريرة»، لكنه قانع بإحساس «الحرية» التي يشبِّهها بالأكسجين، وعلى الرغم من أن عواقب أفعاله كارثية، كان شاغله الأكبر مشاكل العمل، لذا لم تكن قدرته على الحب الأبوي المشكلة الرئيسة؛ إذ كان ممزقًا على نحو مأسوي بين حاجته للشعور بإشباع وتحقيق الذات، وبين حاجته للوفاء بدوره في المجتمع، والذي يشمل تبوء مكانة ما في عائلته.

جون أوبديك

تقول الكاتبة إنه بحلول السبعينيات، أصبح من السهل أن تتحدَّث النساء عن تلك المعضلة، تقول «جايين لازار» في تقرير كتبته عام 1976 حول رعايتها لابنها، بعنوان: «عُقدة الأمّ» (The Mother Knot): إنَّ «الأمر الوحيد الذي يبدو أبديًا وطبيعيًا في الأمومة هو التناقض»، وإن كانت دوريس تُمجَّد باعتبارها نموذجًا يحتذى به في الحركة النسوية التحررية للمرأة، فهو بفضل مشاعرها المتناقضة حول الأمومة إلى حدٍ ما، فالمساواة بين الجنسين كانت تنطوي على المساواة بين المرأة والرجل بشكل أساسي في العلاقات الاجتماعية مع أبنائهم، بحيث يتسنَّى قطع الحبل الخفي الذي يربط الأم بابنها أو بنتها مدى الحياة، وتؤكد أن الحركة النسوية حال لم تتمكن من تحقيق ذلك، فإن التناقض الناتج يحتاج لمناقشة علنية مفتوحة.

وبعد قراءة الكاتبة لكل تلك المآخذ والمواقف التاريخية في القرن الواحد والعشرين، تقول: «ساورني المزيد من القلق حول مدى صعوبة الأمر الآن للاعتراف بهذا التناقض، عما كان الوضع عليه منذ أربعين عامًا». تذكر أن في عام 2001، نشرت «راشيل كيوسك»  – روائية كندية تعيش في بريطانيا – سيرتها الذاتية بعنوان: «عمل حياة» (A Life’s Work)، تعبر فيه عن رؤيتها للتناقضات العسيرة للأمومة المبكرة، فالكتاب يعبِّر عن الحب والخوف على السواء، ويركز بالأساس على استكشاف الطريقة التي صارت بها راشيل أمًا، والتي جعلتها تشعر كأنها «طفلة وأمّ في نفس الوقت»، وكذلك شعورها أنها «أشد استقامة وأكثر فظاعة وسوءًا» في نفس الوقت أيضًا. كتبت راشيل أنَّ ولادة المرأة تُغيِّر فهم المرأة لحقيقة وجودها بشكلٍ جذري، فهناك شخصٌ آخر خلق داخلها، وبعد الولادة يستوطنون داخل حدود إدراكها الواعي، فعندما تكون معهم لا تكون نفسها، وعندما تغيب عنهم لا تكون نفسها أيضًا، لذا فإن هجر الأطفال صعبٌ بقدر صعوبة البقاء معهم.

لماذا تغيَّر الموقف العام حديثًا من تناقض الأمومة؟

بعد الاستعداد لدفع كل تكاليف التلقيح الصناعي الجسدية والمادية والنفسية، مقابل أن تصبح المرأة أمًا، يصبح من الصعب الاعتراف بالتناقض، أو أي شيء يخالف مشاعر الامتنان لمعجزة خلق روح جديدة، ويعد ضربًا من الرفاهية البشعة.

تعتقد الكاتبة أن تلك الفكرة لا تختلف في تطرفها عن المشاعر التي عبرت عنها دوريس، أو بالأحرى التي عبرت عنها «ريتش». فلماذا إذًا تعرضت راشيل للتشهير والنقد اللاذع بعد نشر كتابها. تقول «لارا»: إن هناك أسبابًا عدة أدت إلى ذلك الهجوم على راشيل؛ إذ تغيَّر الموقف تجاه مكان الطفل في الأسرة، من خلال المرور على منشورات منتديات الأمهات على شبكة الإنترنت يبدو جليًّا أنَّ هناك انتشارًا واسعًا لفكرة أنّ «حاجات الأطفال دائمًا مقدَّمة على حاجات الآباء والأمهات وسط الطبقة المتوسطة البريطانية»، فضلًا عن أدوار الرجال الجدد، فبعد أن بدأ الرجال الآن يشاركون في تغيير (حفاظات أطفالهم)، وإطعام الرُضَّع ليلًا، لا ينبغي أن تشعر النساء بهذا التناقض، فتقول الكاتبة: «كان الوضع أشبه بذلك في منزلها؛ حيث الخطاب حول المساواة في الأسرة، وحيث تبدو الشكوى من الحبل السُّري الخفي في غير محلها».

Embed from Getty Images

تذكر الكاتبة عاملًا آخر تسبب في عدم تبرير أو تقبُّل تناقض الأمومة، متمثلًا في اكتشاف التلقيح الصناعي خارج الرحم، والمعاناة البدنية والتكلفة المالية التي ترغب النساء في تحمُّلها مقابل إنجاب طفل، فبعد الاستعداد لدفع كلّ تلك التكلفة مقابل أن تصبح المرأة أمًا، يصبح من الصّعب الاعتراف بالتناقض، أو أيّ شيء يخالف مشاعر الامتنان لمعجزة خلق روح جديدة، إلا أن راشيل راجعت إحدى المذكرات حول التلقيح الصناعي، واستاءت من أن المرأة التي وثّقت تجربة عقمها تعتبر معضلة «التناقض الأمومي» رفاهية بشعة؛ ما يعني أنها بطريقة ما «تعكس اتجاه تطور الخطاب المعاصر حول الأمومة».

الامتنان لا ينكر تناقض الأمومة

تناقض الأمومة مزيجٌ من الفرح والحب والملل والغضب، والاعتراف به لا يعني بالضرورة الاعتراف بفقدان الحب والعاطفة.

تذكر الكاتبة تجربتها باعتبارها واحدة من النساء اللاتي عانين مع محاولات الإنجاب والتلقيح الصناعي، لديها ابنة تبلغ من العمر أربعة أشهر، ولدتها بعد محاولاتٍ مضنية للحمل طوال ثلاث سنوات، محاولاتٍ تصفها بأنها «كُلِّلت أخيرًا بنجاح التلقيح الصناعي». وتردف قائلة: «منذ ولادتها، كَتبتُ بعض المواد الصحافية وهي بجانبي، ابنتي سعيدة وطفلة سهلة المعشر، وأنا أمٌّ سعيدة وسهلة المعشر أيضًا، واستمتعتُ بصحبتها كلّ صباح، حين نتعايش أنا وطفلتي بصحبة قصة أطفال، وحاسبي الشخصي معًا على سريري»، إلا أنَّها تقول: «عندما حان الوقت لكتابة تقرير يتناول «التناقض الأمومي» لم أستطع كتابته، اكتشفت أنه من الصعب كتابته، بينما هي جالسةٌ أمامي ضاحكة مستبشرة تتوق لبعض الاهتمام مني»، فما كان منها، إلا أن طلبت من مربيتها أن تأتي للمساعدة، ومع ذلك ظلت تتقطع كتابتها من أجل تلبية حاجات طفلتها، فعلى سبيل المثال تقول: «ابنتي ليست على استعدادٍ مثلي لقبول فكرة أنه من المنطقي اللجوء لحليب التغذية المعبأ في زجاجات أحيانًا».

تقول الكاتبة: إنه على الرغم من أنّ كل ذلك قد يبدو عبثيًّا، إلا أنَّه ضروريّ، الآن ومع استقرارها في حالة «أمّ طفلٍ حديث الولادة» التي وصفتها دوريس وراشيل جيدًا، تقول: إنها تشعر بالامتنان لأجل طفلتها، «تلك المعجزة التي تكوّنت ونمت داخل رحمي»، وتردف قائلةً «لم أشعر على الإطلاق بالتناقض حتى الآن»، ولأنَّها تعرفُ مدى قِصر مرحلة الأمومة المبكرة، فهي لا تستاء من الاستيقاظ في منتصف الليل لإطعام طفلتها، وتعلمُ أنّها ستعودُ للعمل بعد قرابة ستَّة أشهر، وتحاول قدر استطاعتها الاستمتاع بوقتها مع طفلتها حتَّى ذلك الحين، إلا أنها تقول: إن الكتابة حول تناقض الأمومة لا يعني بالضرورة أنها تعتبرها «ترفٌ بشع»، وتضيف: «أعلم أن تلك الحالة لن تستمر للأبد، وأعرفُ أن هذه الشهور المليئة ببهجة التنعُّم في شمِّ رائحة صغيرتي، وتبادل اللمسات الرقيقة، ستتبدَّل لعلاقةٍ اجتماعيةٍ لاحقًا، على الأرجح سأسأم فيها من ساعات الجدال الطويلة مع طفلةٍ دارجة، وحينها أعلم أنني سأحتاج مجددًا لاستعادة حريتي»، فبعد ابتعادها عن طفلتها بضع ساعات لتتفرغ لكتابة هذا التقرير، تدبَّرت قليلًا في تناقض الأمومة، مستنتجة أنَّه «مزيجٌ من الفرح والحب والملل والغضب» وأن اعترافها بتناقض الأمومة، لا يعني بالضرورة اعترافها بفقدان الحب والعاطفة.

وتستكمل رحلتها مع دوريس، فتقول إنَّها بمجرد أن بدأت القراءة عن دوريس، والكتابة عنها وعن الأمومة، وجدت أنها بحاجة للتأكيد على «الأنانية المتضمّنة» في رحلاتها بعيدًا عن ابنها ذي الست سنوات، فتلك الرحلات على الرغم من حيويتها لإنهاء الكتاب في موعده، إلا أنَّها عمليًا كان من الممكن تجنُّبها تمامًا؛ إذ تعلّمت الكثير من النساء الكتابة خلال يومهن بصحبة أطفالهن، لكنها استنتجت أهمية مختلفة لرحلاتها وحدها بعيدًا عن طفلها: «كانت ضرورية لي على المستوى الوجودي، كانت تلك الرحلات عبارة عن أسابيع احتجتها لاستعادةِ قدرٍ من الأنانية التي تمتَّعت بها من قبل من أجل أن أكتب، أسابيع احتجت أن يكون ابني بعيدًا عن بالي، كما هو بعيد عن عيني».

جيف ديير

إلا أنَّ التخلَّى عن الأسرة بهدف الكتابة تعدُّ قضيةً أخرى، تذكر الكاتبة أن «جيف ديير» – كاتب إنجليزي، وله عدة روايات خيالية – انتقد مؤخرًا الكتاب الذين يدَّعون اضطرارهم للتضحية بحياتهم الأسرية من أجل «مهنة الكتابة السامية»، مدعيًا أن «الكتابة وسيلة لشغل الوقت، ومثلها مثل أي عملٍ آخر، مُجلبة للمال»، تتَّفق معه الكاتبة إلى حدٍ ما، معقبة أنه استبعد صفات الأنانية والتفرُّد وعدم الولاء الضروري توافرها في الكاتب، فضلًا عن استبعاده طريقة مراقبة الكاتب لنفسه دائمًا، ولمن حوله، ومن يحبهم، من الخارج، وفي نفس الوقت تفاعله معهم. وتضيف أنَّ بعض الكتَّاب – مثل دوريس – لديهم حياة، حيث تصبح مثل تلك النزعات مستحيلة.

تقول الكاتبة إنها على الرغم من كل الظروف المحيطة بها، مرت بلحظات بهجة الأمومة المبكرة، وكذلك أثناء شهور الإرضاع، ومرت أيضًا بلحظات انتقدت فيها دوريس على هجرها أطفالها، فبهجرهم لم يَسهُل فهم السبب الدافع، لكنها من ناحية أخرى أوضحت تمامًا كم دفعت كلفة الشعور بالذنب، على الرغم من أنها في بعض الأحيان رفضت تحمُّل الذنب، وهو ما تجسِّده المشاهد المعروضة في كتاب «زواج ملائم»، والتي تعرض حالة أكثر تعقيدًا من تلك التي اعترفت بها في سيرتها.

وتتعرض الكاتبة لإحدى الروايات الخيالية الحديثة في القرن الحادي والعشرين، والتي صوَّرت أيضًا هجر الأمهات لأبنائها، رواية «الابنة المفقودة» (The Lost Daughter)، كتبتها «إيلينا فيرانتي» عام 2006، جدير بالذكر أنها نشرت بعد بضع سنوات من نشر راشيل مذكراتها، لكنَّ الرواية لم تلاقِ نفس الهجوم كمذكرات «كيوسك»، ترجِّح الكاتبة السبب قائلة «ربما لأنَّها أقل «وحشية»، وربما لأن الخيال هو تمثيلٌ لأدوار، وليس وصفًا للتناقض»، تحكي الرواية حكاية «ليدا» امرأة لفظتها أمها، هجرت ابنتيها صغارًا، ثم صادفت أمًّا في ربيع عمرها على الشاطئ تدعى «نينا»، سألتها الأخيرة عن سبب هجرها ابنتيها، فقالت «أحيانًا يجب أن تهربي حتى لا تموتي»، تقول الكاتبة: «يبدو أنَّها أحبت فتاتيها كثيرًا لدرجة منعتها من أن تكون نفسها»، إلا أنَّ هذه الخطيئة كانت مؤقَّتة؛ إذ عادت إليهما مجددًا، بعد أن أدركت أنها صارت «عديمة الفائدة وبائسة» بدون صغيرتيها، وأثناء حديثهما تسرق «ليدا» دمية طفلة «نينا»، وتشرد بذهنها متخيّلة أنَّها تلاعب ابنتها الصغرى، صورة لم يتواجد فيها سوى الأم والطفلة والدمية، فينتابها خوفٌ غير مبرر من الهجر والهجران، فتقول: «أنا لست أمًا طبيعية».

تختتم الكاتبة تقريرها مؤكدةً على أنَّها بعد رحلة تفكير مطوّلة في دوريس، وجدت أنَّ مصطلح «الحرية» كان يعني «الأقل فالأقل»، لاسيما في سياق الأمومة، فقد نالت دوريس قدرًا ضئيلًا من الحرية، سواء في وجود أطفالها أو بدونهم، وبنفس درجة الإكراه والاضطرار في تركهم، عانت من فرط حمايتها لطفلها الثالث الذي رُزقت به لاحقًا. وتقول الكاتبة إنها توصلت لاستنتاجٍ يتلخَّص في أنها باتت تعتبر كلًا من دوريس، وإيلينا وراشيل كنّ غاضباتٍ من حياتهنّ الأسرية، بقدر غضبهنَّ من الأمومة، علاوةً على غضبهنَّ من نموذج «التدجين» الذي يتيح قدرًا ضئيلًا من القُرب دون الألفة؛ ما قد يسبب أحيانًا الشعور «بالمغالاة» الثقافية، سواء في حالة دوريس في منتصف القرن العشرين، أو إيلينا وراشيل في القرن الحالي، وربما لم تختلف معضلتهنَّ كثيرًا عن مشكلة «مستر رابيت» في رواية «أوبديك»، لكنّ سيرة دوريس تخبرنا أنها بالتأكيد استمتعت بأمومتها مع طفلها الثالث؛ لأنها تحرَّرت من إطار الزواج، فلم تشبه طبيعة الأسر في الطبقة المتوسطة.

فمن خلال قراءتها لأدب القرن الماضي، والفرصة التي خلقتها دوريس لنفسها كي تكتب عن تجربتها، صارت تعتقد الكاتبة أننا أشبه بـ«الوحدات التاريخية» التي تعبِّرُ عن عصرها – مثلما كانت دوريس – وأضافت أيضًا أنَّها أدركت استحالة أن يصل جيلٌ ما للحقيقة كاملة، وبالتالي فإن توجية النقد لدوريس ولوم أمومتها لا طائل منه؛ فالأهم من ذلك هو نجاحها في الكتابة بانفتاحٍ، وبطريقةٍ مؤلمة حول الأواصر الفريدة الغريبة تارةً، وحول التحرُّر تارة، وحول العلاقة بين الأمهات والأطفال، سواء في وجود الأم أم غيابها تارة أخرى، لاسيَّما أن الكتابة نفسها أمدّتها بنوعٍ من التحرر.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد