قال تريفور ساتون في مقال له على موقع ناشيونال إنترست إن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان شن في وقت سابق من نوفمبر (تشرين الثاني) الجاري حملة شرسة لتعزيز السلطة في يده من خلال اعتقال أمراء ورجال أعمال في البلاد بتهمة الفساد. وقد أثارت حملة الاعتقالات قلقًا في الأسواق العالمية والمجتمع الدولي، ولكنها حظيت بتأييد الملايين من الشبان السعوديين المحبطين من النظام السياسي في البلاد الذي يرون أنه عفا عليه الزمن ولا يكرس العدالة في توزيع الثروة.

في حين أن الآثار بعيدة المدى لحملة ابن سلمان ما زالت غامضة، إلا أن ثمة حقيقة جلية؛ وهي أنه لا ينبغي اعتبار الاعتقالات نموذجًا لمحاربة الفساد أو طريقًا نحو حكومة شفافة وخاضعة للمساءلة.

وأوضح ساتون أنه في السنوات الأخيرة، برزت مكافحة الفساد بوصفها أداةً سياسية قوية قادرة على إسقاط الحكومات المتهورة في جميع أنحاء العالم. منذ عام 2015 وحده، أسقطت فضائح الفساد رؤساء الدول والأحزاب في بلدان متنوعة مثل كوريا وباكستان والبرازيل وجواتيمالا وأوكرانيا وأيسلندا. وفي البلدان منخفضة الدخل ومتوسطة الدخل على وجه الخصوص، باتت مكافحة الفساد قضية سياسية رئيسية سببت نجاح مرشحين لمناصب عليا في نيجيريا والهند والأرجنتين والفلبين.

ويرى ساتون أنه من غير العجيب لجوء الديكتاتوريات إلى مكافحة الفساد أيضًا لتعزيز شرعيتها وردع المنافسين والدفع نحو الإصلاحات وإعادة الهيكلة المؤلمة. أبرز الأمثلة على ذلك هو الحملة التي يقودها الرئيس الصيني شي جين بينج التي طالت أكثر من 1.3 مليون مسؤول بالحزب الشيوعي وفقًا لبعض التقارير. كما تشن فيتنام حملة لمكافحة الفساد، وأيضًا المجلس العسكري في تايلاند، الذي اتخذ الفساد المتفشي سببًا رئيسًا لإسقاط الحكومة المنتخبة ديمقراطيًا في البلاد في 2014. ويؤكد ساتون أن ما يفعله الأمير ابن سلمان لا يشذ عن هذه القاعدة، إذ يسعى إلى تعزيز سلطته على وعد بالقضاء على الفساد.

اقرأ أيضًا: مترجم: بحُجّة محاربة الفساد.. السعودية تسير على نموذج الديكتاتورية الصيني

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان.

قوبلت حملة الاعتقالات في المملكة بترحاب عالمي شديد – يضيف ساتون – إذ قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إن «لديه ثقة كبيرة» في الأمير ابن سلمان، مشيرًا إلى أن بعض المعتقلين الذين «عوملوا بقسوة كانوا يحلبون بلادهم منذ سنوات». ولكن من المهم أن نسأل ماذا يعني فصل مكافحة الفساد عن الديمقراطية والقيم الأخرى التي لطالما دافعت عنها الولايات المتحدة في علاقاتها الخارجية؟

يعتقد ساتون أن الحملة السعودية على الفساد – شأنها في ذلك شأن الدول الاستبدادية الأخرى – ستفضح وتعاقب بعض أعمال الكسب غير المشروع الحقيقية. وقد تحدُّ هذه التدابير من حدوث الفساد بين المسؤولين السعوديين وتكسب دعم السعوديين العاديين.

اقرأ أيضًا: هل نجحت السعودية في إقناع المستثمرين بأن حملتها على الفساد هدفها الإصلاح؟

بيد أن مكافحة الفساد لا تقتصر على المقاضاة الانتقائية للفاسدين – يستدرك ساتون. فانتشار مكافحة الفساد باعتبارها محاولة جادة للتغيير يعكس توجهًا عالميًا أعمق يشمل إقامة نظام سياسي عادل يعامل فيه المواطنون معاملة عادلة ومتكافئة أمام القانون، ويستجيب فيه المسؤولون الحكوميون لمظالم الناس العاديين وآمالهم. كان هذا هو المحرك الرئيس لحملات مكافحة الفساد الشعبية في جميع أنحاء العالم، وهذا سيدعم بدوره أنشطة المنظمات الدولية لمكافحة الفساد مثل منظمة الشفافية الدولية والشاهد العالمية.

«هل هذا النوع من عمليات تطهير الفساد الذي شهدته السعودية والصين يؤكد قدرة الدول غير الديمقراطية على تقديم مثل هذا النظام العادل مع الحفاظ على احتكار مطلق للسلطة في غياب صندوق الاقتراع أو القضاء المستقل؟» يتساءل ساتون. تتمنى العديد من الأنظمة الاستبدادية – التي تراقب بقلق الاضطرابات العالمية الناشئة عن فساد النخب – أن تكون الإجابة نعم.

الرئيس الصيني شي جين بينغ.

ولكن يرى ساتون أن تأييد هذا النهج هو في الواقع إنكار الدور الأساسي للديمقراطية في ضمان سيادة القانون، والحكومة المنتخبة، والمجتمع العادل والمنصف. من المغري دعم طموحات الإصلاحيين الذين نصبوا أنفسهم مثل الرئيس شي والأمير ابن سلمان. فمن يجرؤ على مساءلة المسؤولين الفاسدين عن ثرواتهم؟ ومع ذلك، فإن تصرفات هؤلاء القادة تستند إلى ممارسة تعسفية وغير خاضعة للمساءلة، وهي عدو نشطاء مكافحة الفساد في جميع أنحاء العالم.

إن ما سبق لا يعني أن الديمقراطية هي أداة سحرية في مكافحة الفساد. فبناء ثقافة حیادیة ونزيھة ھو عملیة محبطة وطويلة تستغرق أجیالًا لتحقیقھا، وقد تقف التسویات الفوضوية المنتقاة في کثیر من الأحیان في طریق الإصلاح. فالعديد من الديمقراطيات الشابة تكافح مع الفساد المترسخ، في حين أن عددًا صغيرًا من الدول الاستبدادية يؤدي أداءً جيدًا نسبيًا في مؤشرات الفساد الدولية.

منذ عام 2015 وحده، أسقطت فضائح الفساد رؤساء الدول والأحزاب في بلدان متنوعة مثل كوريا وباكستان والبرازيل وجواتيمالا وأوكرانيا وأيسلندا.

ولكن الحقيقة هي أن أكثر الحكومات فقرًا وأكثرها فسادًا في العالم هي ديمقراطية في الغالب، وأيًّا كان التقدم الذي تحققه الأنظمة الاستبدادية ضد الكسب غير المشروع، فهو يعتمد كليًا على حسن نية دائرة صغيرة من كبار صناع القرار، بدلًا من أن يكون سمة دائمة للنظام السياسي.

في نهاية المطاف – يرى ساتون أن مكافحة الفساد والديمقراطية لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر، ومن غير المرجح أن يؤدي ذلك إلى إقامة حكومة صادقة. والنتيجة الأكثر احتمالًا هي خلط المراسم، وتوسيع نطاق إفلات البعض من العقاب على حساب الآخرين. وسيكون من الحكمة على المسؤولين الأمريكيين تجنب الإشادة بالديكتاتوريين الذين يعدون بالنزاهة من خلال ممارسات غامضة لا تخضع للرقابة.

بدلًا من ذلك – يختم ساتون – يجب على المسؤولين الأمريكيين دعم جهود مكافحة الفساد التي تنبثق عن المجتمع المدني والقادة المنتخبين ديمقراطيًا الملتزمين بسيادة القانون. وحقيقة أن دولة ما هي شريك أمني للولايات المتحدة – مثل السعودية – لا تعني أنها تستحق الثناء عندما يتعلق الأمر باعتقال مواطنيها وسجنهم. وإذا أرادت الولايات المتحدة التمسك بقيمها الديمقراطية، فلا ينبغي لها أن تعامل مكافحة الفساد على أنها مجرد جريمة وعقاب، بل هي قوة تجعل الحكومة مسؤولة أمام الشعب.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد