نشرت صحيفة ذا نيويوركر مقالًا بعنوان “الحرية والحجاب” للكاتب الصحفي المرموق آدم كوبنيك. قضية الحجاب والنقاب كانت جدلية أساسية بين المتنافسين في الانتخابات الكندية، هل هو حرية شخصية أم قوانين مجتمع بجب أن تحترم؟ أليس على المرأة المسلمة احترام عرف المجتمع الغربي كما تحترم المرأة الغربية أعراف المجتمعات المسلمة كارتدائها زي معين في بعض البلدان العربية؟ وغيرها من التساؤلات يناقشها الكاتب في مقاله:

قد يرغب الأساتذة الجامعيون أن يخبرونا بمجموعة من الحقائق، لكن لا يمكن بحال من الأحوال أن تخلق تلك الحقائق معايير؛ إنما حقيقةً الإجماع العلمي هو ما يحسم النقاش. في عدد من القضايا لا يمكن أن توجد مناقشة عقلية حقيقية، منها على سبيل المثال قضية العنف المسلح. إذا أردنا أن نضع حدًّا  للعنف المسلح أو المجازر، علينا إذًا أن نسن قوانين تحد من عدد الأسلحة الخاصة في أيدي الناس. وأحد تلك القضايا أيضًا هي قضية تغير المناخ، فهي أمر واقع، ونحن نتسبب فيه، وعلينا أن نبذل ما في وسعنا لإيقافه. فما يمكن أن نفعله بصدد تلك القضايا العقلانية ومثيلاتها هو مناقشتها بشكل علمي. لكن هناك مواضيع الأخرى حيث المناقشة العقلية العلمية ليست ممكنة أصلاً، فضلاً عن كونها قضايا متصاعدة ومتجددة ومتطورة بشكل مطرد، وتشكل تحديًا لتوفيقنا معتقداتنا مع تعاطفنا، وولائنا الحزبي مع مبادئنا، وتوحيد سياستنا مع فلسفتنا. تعتبر قضية “الحرية والحجاب” أحد تلك النقاشات التي تؤرِّق كندا في الوقت الراهن.

(زونيرا إسحاق التي تحدت قرار الحكومة المحافظة بعدم ارتداء النقاب في الاحتفالات العامة، ومؤخرًا صدر حكم من المحكمة الفيدرالية لصالحها).

خصوصية السياسة الكندية تتمثل في تنافس حزبين من وسط اليسار (الحزب الديموقراطي الجديد والحزب الليبرالي)، وكذلك تنافسهم مع حزب المحافظين الحاكم. وعلى الرغم من أن الحزب الديمقراطي الجديد بدا قويًّا في البداية، تتوقع استطلاعات الرأي الآن انحسار المواجهة بين رئيس الوزراء زعيم المحافظين ستيفن هاربر، وهو سياسي محترف لكنه يفتقر للجاذبية، والليبرالي جاستين ترودو، ابن ترودو الأب رئيس الوزراء الأسبق واسع الصيت، حتى في الولايات المتحدة الأمريكية، والذي عاب عليه الكثير من الكنديين تخليه عن منصبه في سنة 1984، إلا أن صموده وجهوده الناجحة البطولية –كما يراها كثير من الكنديين- في الحفاظ على كندا دولة موحدة، من خلال نجاحه في ضم ولاية كيبيك، التي تتشارك الحدود مع الولايات المتحدة الأمريكية،  للاتحاد الكندي. للأسف لم يرث ترودو الابن من ذكاء والده القيادي وصبره سوى القليل جدًّا، لكنه  في نفس الوقت جذاب وشاب صغير السن، وكما وصف مرة بأن شخصيته ساحرة وله حضور “كاريزما”.

الموقف من الحجاب واستغلاله في الانتخابات

نشأ الخلاف القائم في الحملة الانتخابية جراء قرار الحكومة المحافظة بحظر ارتداء النساء النقاب في الاحتفالات الوطنية، وهو حجاب يغطي وجه المرأة، ولكنه ليس برقعًا يغطي كامل الجسد. يقول هاربر أن ارتداء النقاب هو أمر “مهين” و”ليس طريقتنا في التعامل هنا”. تحدت امرأة باكستانية الأصل تدعى زونيرا إسحاق الحظر في 2014، وقد صدر الآن حكم المحكمة الفيدرالية ومحكمة الاستئناف الفيدرالي لصالحها. وصرحت حكومة هاربر أنها تعتزم استئناف الحكم أمام المحكمة العليا. وأضحت القضية برمتها القضية الكبرى للحملة الانتخابية. كندا بشكل أو بآخر أمة من المهاجرين بالأساس، تتضخم أعداد المهاجرين فيها طوال الوقت. ومن الأمور التي أثارت دهشة ما يطلق عليه “نخبة الإعلام” إلى حد ما، أن غالبية الكنديين في الشمال يتفقون مع موقف رئيس الوزراء. فقد أظهر أحد استطلاعات الرأي مؤخرًا أن ما يقرب من 80 % من الكنديين يتفقون مع هاربر. وبالطبع، استغل هاربر هذا الموقف ومزيته في تصريحه الأسبوع الماضي قائلاً: “إذا أعيد انتخاب حزب المحافظين في الانتخابات القادمة، سنبحث أيضًا ما إذا يتوجب منع موظفي القطاع العام من ارتداء النقاب”.

(صورة لمرشحي الانتخابات الفيدرالية الكندية. من اليمين، ستيفن هاربور زعيم حزب المحافظين ورئيس الوزراء، توماس مولكلير رئيس الحزب الديموقراطي الجديد، جاستين ترودو زعيم الحزب الليبرالي- كندا).

الحجاب حرية شخصية

قضية الحق في ارتداء النقاب سواء في الاحتفالات العامة أو في المصالح العامة هي قضية قوية. فميثاق كندا للحقوق والحريات سيُفَرَّغ من محتواه إذا لم تحظ المرأة المسلمة بنفس القدر من الحرية في ارتداء ملابسها الدينية كما المرأة والرجل من الديانات الأخرى؛ كاليهودية أو الأرثوذكسية أو الكاثوليكية. فبالإصرار على تعريض المرأة المسلمة لقيود خاصة تستهدف دينها، يبدو أن ادعاءات الإسلاموفوبيا –رهاب الإسلام- ربما تكون الملاذ الأول للنسبية الثقافية، لكنها أيضًا ليست محض خيال. ينبغي أن يحظى المسلمون بنفس الحقوق التي تتمتع بها جميع الطوائف الدينية الأُخرى، وإذا خضعت ملابسهم أو ممارساتهم الدينية لأي نوعٍ من الرقابة الخاصة، سيكون ذلك انتهاك حق من حقوق الإنسان الأساسية. وسواء “أعجب” ذلك غالبية الكنديين أم لم يعجبهم، الممارسات الدينة لا علاقة لها على الإطلاق بكون الممارسة نفسها مَصُونة أم لا. يقول أحد الكتاب: “إن قرار امرأة ناضجة مثل زونيرا إسحاق بتغطية وجهها في الاحتفالات العامة، هو قرار امرأة ناضجة واحدة”. أما عن موقف الليبرالي جاستن ترودو الذي قدم والده ميثاق الحقوق والحريات لكندا في الثمانينيات من القرن الماضي، فيقول إنه: “سيستمتع حقًّا بفرصة الحديث عن كون كندا دولة مبنية على أساس احترام الحقوق والحريات”. وفي أحد تصريحاته يقول ترودو: “أَدركَ والدي أن أحد نقاط القوة العظيمة التي تتمتع بها كندا، هي أننا حقًّا نحمي حقوق الأقليات، ونحمي الحقوق الفردية”. وأضاف: “من المؤسف أن لدينا رئيس وزراء الآن اختار مهاجمة نساءٍ ضعيفاتٍ، باعتبارها وسيلة لكسب الأصوات وتحريض الرأي العام ضدهن”.

الليبرالية حرية مطلقة أم قوانين وأعراف؟

أنا أنحدر من أسرة ليبرالية بمونتريال، حيث يعتبر ترودو الأب بمثابة قديس هناك، بينما يعتبر المحافظين بحالتهم الراهنة “ما بعد التقدمية” تجسيدًا لشبهة أمركة كندا. وعندما يجعلني منطق موقف هاربر -المحافظ- أقف في صفه ولو جزئيًّا، على الرغم من خلفيتي، أميل إلى الاعتقاد بأن منطق هاربر ربما به شيء حرج اضطراري. فموقف هاربر الجديد تجاه حرية المرأة ربما يكون تهكميًّا. ولكن جملته الشهيرة بأن النقاب “ليس طريقتنا في التعامل هنا” ليست بلهاء تمامًا. المجتمعات الليبرالية ليست مجرد مجموعة من الإجراءات المحايدة والخدمات العامة التي يتم توفيرها للجميع؛ فهي ليست مجرد انتفاعات بالخدمات العامة كالتقاط القمامة وتنظيم المرور. إنما لديها قيم. بالطبع، هذه القيم بالأساس هي السبب في قدرة المجتمعات الليبرالية على توفير تلك الخدمات والازدهار، وهو السبب في سعي الجميع أن يكون مجتمعًا ليبراليًّا؛ وليس دينيًّا ثيوقراطيًّا. ومن أهم تلك القيم التسامح، والذي نرغب في أن يمتد إلى أقصى حدٍّ ممكن، ولكن هذا الحد ليس لا نهائيًّا. فمبدأ التسامح لا يعني أن نتسامح مع قمع أو تنمر أو اضطهاد الأقوياء في مجتمع تجاه من هم أقل قوة. ولا أن نتسامح مع ترك الأطفال بدون أخذ التطعيمات أو أن نسمح لأفراد طائفةٍ ما بإساءة معاملة أطفالهم باسم الدين. وإذا استطعنا، لن نسمح ببتر الأعضاء التناسلية للنساء على الرغم من أنها  ممارسة تنتمي إلى “الكمال” الثقافي لطائفة أُخرى.

للمجتمعات الليبرالية قواعد. استغرقت تلك القواعد وما تجسده من مبادئ وقتًا طويلاً وموجعًا لتتطور لما هي عليه الآن. وإحدى تلك القيم هي وكالة الفرد واستقلاليته فضلاً عن قيمة تحرير المرأة (والتي استغرق انتصارها مدة طويلة وجهدًا مضنيًا لا يُصَدَّق)، ومن حرية المرأة أنه لا يمكن تقنيع الأفراد بحالٍ من الأحوال سواء فعليًّا أو رمزيًّا. حق المرأة في التحرر والاستقلال الذاتي الكامل ليس أمرًا اختياريًّا في مجتمعنا، وأولئك الذين يعتبرونه اختياريًّا لا يُتَوَقَع منهم المشاركة في المجتمع كمواطنين. إذا أردت أن تنضم لمجتمعنا، سنعطيك أقصى قدرٍ من الحرية لكل أنواع التعبير عن الذات، وممارسة الشعائر الدينية، وفي المقابل عليك أن تحترم أن التعامل المفتوح بين المواطنين (وبالتالي الوجه للوجه) هو حق أصيل يتيح المجال لجميع القيم الأخرى أن تزدهر. ربما يكون الوجه مجرد رمز لثقتنا في الانفتاح، لكن رموزنا هي الأشياء التي توثِّق قيمنا. وكما عبرت ببلاغة الصحفية الكندية المرموقة باربرا كاي قائلة: “المجتمعات الوحيدة التي تفرض النقاب كقاعدة اجتماعية هي تلك التي تعتبر المرأة متاعًا جنسيًّا، ليس لها أي حقوق أُخرى تقريبًا. اللامبالاة المتعمدة لوجود النقاب في مجتمعنا هي أكبر من مجرد تسامح؛ إنما هي إقرار بنسبية الحقوق بين الجنسين في بلدنا، بمعنى المساواة لنسائنا ووضع أدنى لنسائهم”. جدير بالذكر أنني أتفق معها في كثير من القضايا الأخرى.

بالطبع، الحجة المضادة لهذا الرأي حقيقية أيضًا. فالنساء اللاتي ترتدين النقابيخترن ذلك بإرادتهن. وفرض رقابة على اختيارهن لصالح تفضيلاتنا الخاصة في الأزياء، هو في حد ذاته نوع من القمع. وحتى لو كان النقاب هو القاعدة الاجتماعية التي حققها الإكراه الثقافي، حسنًا ألسنا نفرض نوعًا من الإكراه الثقافي المماثل على النساء أيضًا -إذا جاز التعبير– بإلزامهنبخلع الحجاب؟

بالتالي، يمكننا أن ندرك مدى الغموض في خطاب “الاختيار” في قضايا الإكراه الثقافي، في حين أننا ما زلنا قادرين على إدراك الفرق بين الحجاب والسراويل الضيقة من منطلق حرية الإنسان. نحن نحترم الأعراف كما نحترم القانون. ونتوقع أن تحترم المرأة الغربية آداب وأعراف المجتمعات الأخرى التي تسافر إليها، كألَّا ترتدي الكيمونو بطريقة لا تليق إذا ذهبت لليابان مثلاً، أو أن تغطي رأسها إذا سافرت لأحد بلاد المسلمين. ويمكننا أن نتوقع نفس الوضع بالاتجاه المعاكس، دون انتقاص أي شيء لمجرد أننا مجتمعات ليبرالية ستسمح بأقصى حد ممكن من حرية التعبير عن الاختلاف أكثر من أي مجتمع آخر عرفته البشرية. الاحترام هنا هو احترام الاختلاف دون التضحية بكل قيمنا الأخرى في سبيل هذا الاحترام فقط. فنحن نُقَدِّر الاختلاف لكننا لا نقبل الانفصال.

وكما ذكرت في أول المقال، هذا نقاش حقيقي، يصدر على خلفيته وعواقبه الكثير من الآراء على كلا الجانبين. ومعرفة كيف سيحل وينتهي هذا النقاش بالتحديد، هو أمر يستحق المتابعة، وليس فقط لأولئك الذين يعيشون بمعزل عما بدت دائمًا الدولة الليبرالية النموذجية في العالم.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد