«عادة ما تبدأ قصة العلاقة بين المسيحية والرأسمالية بحديث السيد المسيح عن الجِمال»؛  حسبما يشير مقال المحرر جايلز فريزر في موقع «أن هيرد» حول العلاقة بين الديانة المسيحية ومفهوم الرأسمالية، ومدى التوافق الفكري بينهما.

بدأ الكاتب مقاله بالقول: «إن قصة العلاقة بين المسيحية والرأسمالية تبدأ عادة بحديث السيد المسيح عن عدم قدرة الإبل على المرور عبر ثقب الإبرة {مُرُورُ جَمَل مِنْ ثقْبِ إِبْرَةٍ أَيْسَرُ مِنْ أَنْ يَدْخُلَ غَنِيٌّ إِلَى مَلَكُوتِ اللهِ} (إنجيل مرقس 10: 25)، ثم تُواصِل القصة، مرورًا بعداء الكنيسة المبكرة لهذه الثروة المادية الدنيوية وإدانتها المنتظمة للربا.

ويتواصل السرد ليحكي قصة جانبية وضيعة حول استعانة المسيحيين باليهود على متطلبات إقراض الأموال، ثم إلقاء اللوم عليهم لكونهم مُقرِضين للأموال، حتى تحط القصة رحالها عند بزوغ موقف مختلف، مع المبررات اللاهوتية (عالم اللاهوت الفرنسي جون كالفين) والإصلاحية لإقراض المال بمعدل فائدة معقول».

وأشار الكاتب إلى أن عالم الاقتصاد الألماني ماكس فيبر، له إضافة مؤثرة إلى هذه القصة (في كتابه «الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية») في: جاءت الكالفينية لتعتبر العمل الجاد والادخار مؤشرين على الحياة التي ينقذها الرب.

وعلى هذا النحو، صُهِرَت خصائص الحياة الناجحة ماليًا مع فهم خاص للتقوى الدينية، وبالتالي أخلاقيات العمل البروتستانتية.

وجادل آخرون بأن الكاثوليكية – وتحديدًا أنماط الإدارة المالية التي طورتها الأديرة في العصور الوسطى المتأخرة- هي التي تمخضت عن الاهتمام بالكفاءة المالية، وهو ما عكس العديد من مخاوف الرأسمالية اللاحقة.

فلسفة

منذ سنة واحدة
«فورين أفيرز»: كيف وصف ماكس فيبر مشكلات الساسة الحالية منذ 100 عام؟

نشأة الرأسمالية في بريطانيا

أوضح الكاتب أنه مهما تكن درجة الاختلافات في هذا الشأن، فإن المشكلة الأساسية هي أن الرأسمالية لم تكن موجودة خلال تلك الفترة الزمنية. فالرأسمالية – ككلمة وفكرة متطورة- هي نتاج منتصف القرن التاسع عشر. حتى إن آدم سميث (مؤسس علم الاقتصاد) الذي كان يكتب في القرن الثامن عشر، لم يناقش حقًّا الرأسمالية بحد ذاتها، بل كان اهتمامه مُنصَبًّا على الأسواق والمجتمع التجاري بشكل عام.

ويرى الكاتب أنه من أجل فهم العلاقة بين الرأسمالية والمسيحية، يجب على المرء أن ينظر إلى إطار زمني أقصر بكثير، إذ إن هذا يساعد على تجنب بعض التعميمات غير المختمرة التي تتسم بها العديد من المقاربات المعتادة في هذا الموضوع.

وأوضح أن الرأسمالية – بشكلها الذي نعرفه الآن- نشأت في بريطانيا بحلول الأربعينيات والخمسينيات من القرن التاسع عشر، مع استحداث قانون الشركات المساهمة، بوصفها شخصيات قانونية مستقلة، ومع ظهور فكرة المسؤولية المحدودة.

Embed from Getty Images

وقال إن فكرة إمكانية تجمع الأفراد معًا وجمع رؤوس أموالهم لصالح مشروع تجاري مشترك، لم تكن فكرة جديدة في حد ذاتها؛ إذ إن شركة الهند الشرقية البريطانية كانت قد حصلت عام 1600 على مرسوم ملكي من الملكة إليزابيث الأولى لهذا الغرض بالذات، لكن الحماية القانونية التي يوفرها قانون الشركات المساهمة لعام 1844، وقانون المسؤولية المحدودة لعام 1855، هي التي أنشأت الشركة الخاصة بشكلها الذي نعرفه الآن.

ومع اقتران هذه القوانين بإلغاء قوانين الذُرة عام 1846 (وهي القوانين الخاصة بالجمارك التي فرضت منذ عام 1815 على استيراد المحاصيل من خارج بريطانيا لحماية المنتجين المحليين)، كانت هذه هي الفترة التي أفسح فيها أسلوب الدولة التجاري القديم الطريق أمام المشروعات الحرة المدفوعة بالمصلحة الخاصة.

وأوضح فراسر أن أصحاب المطاحن المخالفين في الشمال الغربي لإنجلترا هم من ترأسوا ومولوا العداء لقوانين الذرة – ورسوم الاستيراد بشكل عام- إذ هاجموا الكنيسة لأنها استفادت من أسعار الذرة المرتفعة بشكل مصطنع، عن طريق فرض رسوم على الواردات الأرخص سعرًا. وأشار إلى أن العشور التي جمعها رجال الكنيسة من أبرشيتهم استندت إلى متوسط سعر الذرة على مدى سبع سنوات، لذا كان لهم، مع ملاك الأراضي الزراعية، مصلحة مالية في استمرار فرض رسوم الاستيراد.

«حركة أكسفورد».. النقد المسيحي المبكر للرأسمالية

وتابع أن كنيسة إنجلترا كانت أكثر من مجرد تحالف محافظ بين الكنيسة وأرستقراطية أصحاب الأراضي؛ لأن هذه الفترة شهدت ثورة لاهوتية داخل كنيسة إنجلترا، عرفت بحركة أكسفورد، والتي كانت في الأصل رد فعل ضد القوى المتنامية لعلمانية، حزب الأحرار البريطاني، وكانت الشرارة التي أشعلت ظهور هذه الحركة هي قرار الحكومة بتقليص عدد الأساقفة الأيرلنديين.

وأدى ذلك إلى فقدان الكثيرين الثقة في قيادة الكنيسة الإنجيلية على نطاق واسع، مما تسبب في حرمان رجال الدين التابعين لحركة أكسفورد من المعيشة الرغدة، وأجبروا على العمل في الأحياء الفقيرة.

ونتيجة لذلك، اهتمت حركة أكسفورد بشكل خاص بالعدالة الاجتماعية، حيث نظرت عن قرب إلى التأثير الذي أحدثته الحركة الصناعية في بريطانيا في منتصف القرن التاسع عشر. وكان رجال الدين في حركة أكسفورد يوجهون إدانات لاذعة للرأسمالية الصناعية، بوصفها تخلق شكلًا جديدًا من الفقر الحضري.

وتابع الكاتب: نظرت حركة أوكسفورد – المحافظة بطبعها- إلى أشكال التنظيم المحلية التي كانت مزدهرة في العصور الوسطى- مثل الأبرشيات والنقابات والعلاقة التاريخية بين الناس والمكان- وقارنته مع ما عدته طواحين التصنيع الشيطانية، وخاصة حرية الحركة العمالية التي خلقت اضطرابًا اجتماعيًّا.

ولفت الكاتب إلى أن المنتمين لهذه المجموعة على نطاق واسع كان لديهم ما يقولونه حول ما يسمى بمشكلة «حالة إنجلترا»، وكانوا عمومًا لاذعين للغاية في إداناتهم للرأسمالية الصناعية بوصفها تخلق شكلًا جديدًا من الفقر في الأماكن الحضرية، لاسيما وأنها تعزل الفقراء عن وسائل الدعم التقليدية. ويرى الكاتب أن ذلك يعني أن النقد المسيحي المبكر للرأسمالية نشأ من منظور محافظ بشكل عام، وليس من منظور تقدمي.

«أغبى ما خطر بعقل البشر»

أحد هؤلاء الذين هاجموا الرأسمالية كان الشاعر والمفكر الإنجليزي جون روسكين، الذي نشر في عام 1860 كتابه «حتى هذه النهاية»، مشيرًا فيه إلى «مَثَل عمال الكرم» الذي ورد ذكره في إنجيل متى، وربما كان هذا أول هجوم واضح على الاقتصاد الرأسمالي من منظور مسيحي، والذي ولّد الكثير من العداء الصريح من العامة، وربما استخدم آدم سميث هذه العبارة مرة واحدة فقط في «ثروات الأمم»، لكن «يده الخفية» كانت شبح الرأسمالية المقدس.

وأشار الكاتب إلى أن روسكين جادل بأن الجميع يستحقون حدًّا أدنى من الأجر، بغض النظر عن مساهمتهم في الاقتصاد، موضحًا أن المفكر الإنجليزي كان سَبَّاقا إلى فكرة دولة الرفاه (أي دولة العدالة الاجتماعية التي توفر للمواطنين الحد الأدنى الذي يكفي لحياة كريمة).

جون روسكين

طوّر روسكين أحد أقدم الانتقادات لسوق العمل من منظور مسيحي، فكتب قائلًا: إن الاقتصاد الرأسمالي في عصره هو «الوباء الأغبى والأكثر تعطيلًا الذي خطرَ على عقل البشر حتى الآن».

ووصف آدم سميث بأنه «اسكتلندي هجين غبي»، علّم «التجديف المتعمد» الذي يحض الناس على «كراهية الرب إلهك، ولعن قوانينه، والطمع فيما لدى جارك» (أي إنه يحض على عكس ما ورد في الإنجيل).

وأضاف الكاتب أن من أهم الانتقادات التي واجهها روسكين حول الممارسات الاقتصادية في عصره، هو اعتباره أن تقسيم العمل (فكرة التخصص) المتأصل في نموذج العمل الرأسمالي يؤدي إلى إبعاد العامل، وبالتالي تنفيره من الغرض العام لمهمته.

وأوضح أن هذه النقطة يتفق فيها سميث وروسكين، ومع ذلك فإن الاختلاف بينهما قائم حول موضوع الدوافع البشرية بأكمله، إذ إن آدم سميث ربما استخدم هذا المصطلح مرة واحدة فقط في كتابه «ثروة الأمم»، لكن «يده الخفية» تبقى هي شبح الرأسمالية المقدس.

«حب الذات».. بين الرأسمالية والمسيحية

وأشار الكاتب إلى أن الاختلاف الأساسي هو أن احترام الذات – أو «حب الذات» كما يفضل سميث تسميته- هو الروح التي يستفيد منها الجميع عبر الآثار المفيدة للتجارة، لذلك فإن فكرة أن «حب الذات» يمكن أن تكون قوة كبيرة تعمل من أجل الخير، هي فكرة تكمن في جوهر الدفاع الأخلاقي عن الرأسمالية.

ومع ذلك، فإن المفكرين المسيحيين كانوا دائمًا مشككين ومشيرين – كما يفعل روسكين- إلى أن هذه الفكرة يمكن أن تنتج «إيلس – ilth» (كلمة اخترعها روسكين للمعنى المضاد لكلمة الثروة التي يستخدمها سميث) بقدر ما تنتج الثروة.

واعتبر فراسر أن الذين يحافظون على التزام قوي بفكرة الخطيئة الأصلية، والفساد الأخلاقي البشري، سيظلون دائمًا متشككين في وجود نظام مدفوع بمحرك فاسد جدًّا، وفي المقابل، فإن الرأسمالية تثق في قدرتها على تسخير طاقة الأنانية لتحقيق المنفعة العامة.

سعت الكنائس، على أقصى تقدير، إلى التخفيف من أسوأ التجاوزات المترتبة على الجشع والظلم، لكنها لم تقل الكثير حول طبيعة الرأسمالية نفسها.

وأشار الكاتب إلى أن كنيسة مثل كنيسة إنجلترا لم تكن في وضع يسمح لها بشن هجوم شامل على الرأسمالية؛ إذ إنها كانت تستفيد من محافظ استثمارية كبيرة، كما أن تطرف حركة أكسفورد مهد الطريق لقبول المبادئ العريضة للمشروع الرأسمالي.

وسعت الكنائس، على أقصى تقدير، إلى التخفيف من أسوأ التجاوزات المترتبة على الجشع والظلم، لكنها لم تقل الكثير حول طبيعة الرأسمالية في حد ذاتها، وهنا – على ما يبدو- تنازلت الكنيسة عن مبادئها بسرعة كبيرة.

وذكر المقال أن المسيحية والرأسمالية تختلفان بصورة كبيرة للغاية عندما يتعلق الأمر بمواقف كل منهما تجاه الدوافع البشرية؛ فبالنسبة للمسيحية يعد «حب الذات» أمرًا خطيرًا، وفي الواقع، يعتبر العديد من اللاهوتيين أن هذا هو بالضبط ما نحتاج إلى «إنقاذنا» منه، إذ إن الهدف الكبير للمسيحية هو نقل مركز المصلحة من الذات إلى الآخرين.

وأضاف: إن تجربة الأزمة المصرفية التي وقعت عام 2008، وحقيقة أن الدولة (بريطانيا) اضطرت إلى إنفاق مئات المليارات من الجنيهات الإسترلينية من الأموال العامة، لإنقاذ الشركات المستهترة التي كانت مدفوعة بشكل مفرط بالجشع، تشير – على الأقل- إلى أنه يجب التفكير مرة أخرى في ثقة النظام الرأسمالي في السلامة الأخلاقية لفكرة «حب الذات» التي وضعها سميث.

وأشار الكاتب إلى أن الرأسمالية استمرت في التغيير منذ ابتكارها قبل قرنين من الزمان، لكن البشر ظلوا كما هم إلى حد كبير، وعندما يتعلق الأمر بالبشر أنفسهم، فقد يكون تقييم المسيحية هو الأكثر واقعية.

وخلص الكاتب في نهاية المقال لإجابة السؤال قائلًا: «هل هما متوافقان؟ أخشى أن الإجابة هي: لا؛ لأنني أظن أن مخاطر «حب الذات» سوف تغلب ذات يوم على الخير الذي لا شك أن الرأسمالية تؤديه من خلال إخراج الكثيرين من الفقر».

ويرى سميث أنه يمكن كبح جماح السوق من خلال القيم المكملة، لكن هذا في الواقع يساهم في تآكلها، وأن سوقًا بلا قيم – مدفوعًا بـ«حب الذات»- سوف يدمر نفسه في النهاية».

تاريخ وفلسفة

منذ سنتين
هكذا استخدمت أوروبا الإنجيل لتبرير احتقار الرجل الأسود

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد