حظي أبناء هذا الزمان بالشرف المؤسف لمواجهة كارثة لم يرها الجنس البشري من قبل، وهو التغير المناخي السريع جرّاء ما اقترفته أيدي البشر طوال عقود، والذي يُحَوِّل كل جزء من المحيطات واليابسة، ويعرّض الكائنات الحية لخطر الفناء من الحياة؛ إنه يقتل الناس عبر عواصف أشد وموجات حرارة أعلى وتلوث خارج عن السيطرة.

جميعنا يستطيع -أو يجب عليه- أن يؤدي دوره بالتقليل من السفر بالطائرة إن أمكن، وشراء الطعام المحلي الذي لم يُشحن لآلاف الأميال، واستخدام الألواح الشمسية والسيارات الكهربائية. ولكن دعنا لا نحيد النظر عن المسبب الأساسي لهذه الكارثة، وهو الرأسمالية المتضخمة.

سحقت الرأسمالية هذا الكوكب وكائناته الحية، اقتلعت الجبال، وأفرطت في استغلال الثروة السمكية، وحرقت الوقود الأحفوري لتغذّي رغبتها المحمومة في النمو وزيادة ثراء جزء من البشرية. منذ 1988، 100 شركة كانت مسؤولة عن 70% من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري.

معظمنا قد سمع بـ«الأنثروبوسين» (الحقبة التي بدأ فيها التأثير البشري الكبير على جيولوجيا الأرض والنظم الإيكولوجية)، إنها وصمة عار في جبين البشرية ترتبط بالتاريخ الجيولوجي، من خلال أنشطةٍ مثل: سوء استخدام الأراضي والتلوث البلاستيكي.

حول هذا التغير المناخي، وتأثيراته وأسبابه، أجرى مات سايمون، الصحفي في موقع «وايرد»، حوارًا مع جاسون مور- المؤرخ البيئي والمختص في علم الاجتماع في جامعة بينجهامتون.

بدأ الحوار بالحديث عن مصطلح «الكابيتالوسين»، الذي يرى مور أنه نوع من الاستفزاز النقدي لهذا الإحساس بـ«الأنثروبوسين» مفاده: لقد التقينا العدو، وهو نحن، فالفكرة هي أننا سنقوم بإخفاء بصماتنا ونصبح مستهلكين محتملين وننتبه للتلوث. كل هذه تبعات للنظام غير العادل للسلطة والمال.

الكوكب في خطر.. 12 خطوة بسيطة قد تساعد في عدم إضرارك بالبيئة

من المسؤول؟ 

علّق سايمون على إجابة مور بالقول بأنه يلمَح لومًا في هذا الإجابة على غرار ما تفعله الشركات مع موظفيها؛ إن لم تنجحوا في تحقيق الهدف فالتبِعة لن تكون على المدراء فيفصلوا من العمل، وإنما على العاملين.

وأضاف: أشعر بالأمر ذاته مع التغير المناخي، 100 شركة مسؤولة عن 70% من غازات الانبعاث الحراري ولكنهم هم من يقولون: أنتم -المستهلكون- من عليكم التكفل بالأمر كله.

Embed from Getty Images

عقّب مور بالقول: هذا صحيح، وأيضًا هناك تحول من النظر إلى الإنتاج إلى النظر إلى الاستهلاك، فمعظم انبعاث غاز ثاني أكسيد الكربون لا يأتي من سفر الناس حول العالم، وإن كان هذا مساهمًا أساسيًا فيه، ولكنه يأتي من الإنتاج.

بالنسبة للفئات الأقل عمرًا، هناك نوع من التضاد الإدراكي بين: نعم نحن مسؤولون، وفي نفس الوقت: نحن نعلم بأننا لسنا كذلك.

الرأسمالية وحركات مقاومة التغير المناخي

سأل سايمون إن كانت الرأسمالية متوافقة مع أي من حركات التغير المناخي، فأجاب مور بأن هذا سؤال بيئي اجتماعي تقليدي، وواضح بأن المشكلة ليست تكنولوجية؛ فهناك وسائل تكنولوجية لإزالة الكربون بسرعة كبيرة. ولكن تبقى هنا مسألة: إذا استخدمتَ أشعة الشمس والرياح مصدرًا ومولّدًا للطاقة، فعليك أن تخزنها. عليك أن تبني شبكات كهرباء وهي مكلفة للغاية، وأصحاب رؤوس الأموال متحفظون جدًا تجاه مشاريع طويلة المدى مثل تلك المشاريع.

ما يريده المستثمرون الرأسماليون -بحسب مور- هو نسخة محدودة من التطبيقات التكنولوجية التي من الممكن أن تُستخدم وتنزل إلى الأسواق في الحال، نحن مجتمعات ترى الرأسماليين على أنهم أصحاب مشاريع ومجازفين ومبتكرين، وهذه هي الحال في بعض الأحيان ولكن في إطار ضيق جدًا، ونحن هنا نتحدث عن تحول وجودي ضخم للأرض.

سوابق تاريخية

تطرق مايسون للسوابق التاريخية وسأل مور إن كان هناك تقلبات مناخية طبيعية هددت الرأسمالية سابقًا، أجاب مور: زعزعت التقلبات المناخية في السنوات الـ2000 الماضية استقرار الطبقات الحاكمة بشكل استثنائي. كان هذا هو الحال مع الإمبراطورية الرومانية في الغرب، فالجفاف دفع المغول والقوط إلى أوروبا الغربية.

وأوضح أن التغيرات المناخية -بشكل أساسي بعد عام 400- خلقت كل أشكال التوترات الاقتصادية والسياسية، وأدت إلى انهيار الإمبراطورية الرومانية في الغرب.

نحن نعلم الآن بأن الأمر لم يكن مرعبًا، فقد كانت هناك مساواة أكثر ومعدل مواليد أقل، وكان هناك فلاحون يعرفون كيف يزرعون وبالتالي اعتمدوا على مصادر مختلفة من الطعام واستراتيجيات متنوعة للعيش بدلًا من زراعة القمح فقط لكبار السادة الرومان.

لن تنجو الرأسمالية، ولكن هذا أيضًا يعتمد على ما نعنيه بالرأسمالية، فمصطلح «الكابيتالوسين» هو نقد للفكرة القائلة بأن الرأسمالية هي الاقتصاد فقط، لأنها نظام للقوة والثقافة أيضًا.

التغير المناخي بين الأمس واليوم

يفرّق مايسون بين التغير المناخي الحالي الذي هو نتيجة الممارسات البشرية وبين إعادة تشكيل القوى في الماضي، بأن الرأسمالية الآن منتشرة في العالم أجمع، فالدول مرتبطة اقتصاديًا فيما بينها.

علّق مور على هذا بالتوضيح أنه ترابط بالمعنى الاستبدادي وهو أيضًا قوة ساحقة للموارد المالية التي بقيت عائمة بالطبع بفعل القوى العظمى.

وأضاف: «أنا أرى بأنها تجعل النظام العالمي أكثر تقلبًا وعرضة للتأثر. في أماكن مثل: دبي وميامي، هي فعليًا غير مستقرة. ما الذي يحدث عندما تتصاعد العواصف في ميامي لثلاثة أو أربعة أقدام في كل عام؟ ما الذي يحدث عندما تتعرض مانهاتن للأعاصير ذات الطبيعة الرملية كل عامين؟».

كيف يجب أن يكون النظام المثالي؟

سأل مايسون: إذن كيف يبدو النظام المثالي؟ كيف سنتعايش بطريقة أفضل اقتصاديًا وسياسيًا  مع الكوكب؟ وأجاب مور بأنه يجب أن يكون هناك تراكم لرؤوس الأموال محكوم ديموقراطيًا.

Embed from Getty Images

ويرى الأستاذ الجامعي أن الخدمات المصرفية والموارد المالية يجب أن تكون مجتمعية، لأنه بغير هذا ستكون تحت رحمة أصحاب رؤوس الأموال الكبيرة يقررون ما هو النافع وما هو غير ذلك.

كيف يبدو النظام المثالي في رأيه؟ أن يكون نظامًا يربط بين المدينة والدولة، لديه شبكة مواصلات رخيصة ومنخفضة الكربون. وعلينا أيضًا أن ننظر في التاريخ الواقعي للأحداث المدمرة في القرن العشرين وعلاقته بشبكة الحياة.

يضييف مور: «أفكر في رغبة بلدان مثل أمريكا في تدمير فيتنام بتلك الطريقة المدمرة للبيئة. ذلك الاقتباس العظيم أثناء هجوم تيت: «أصبح من الضروري تدمير القرية لإنقاذها»، سيكون هذا هو التوجه لواحدة أو اثنتين من القوى العظمى في عصر الأزمات المناخية، حيث سياسات العدالة الاجتماعية والتحركات ضد الأنظمة الحالية، وسيكون هناك محاولات لفرض حلول عسكرية مدمرة عليها».

مستقبل العالم في ظل التغير المناخي

يختم مايسون الحوار بسؤال مور إن كان متفائلًا بشأن المستقبل، رد مور بالقول بأنه سيكون صعبًا.

«أريد فقط أن أذكّر الجميع بأن التغير المناخي سيء أيضًا على الطبقات الحاكمة. وهو بائس أيضًا لبقيتنا في الفترة الزمنية من 10 و20 و30 سنة، حيث سيعيش جميعنا أوقاتًا صعبة. ولكن سيكون هناك أوقات أيضًا حين تتزعزع طبقة الـ1% -بأي شكل كان- بشكل جذري وتام، ولا أظن أن الطبقات الحاكمة مستعدة على الإطلاق للتحول السياسي والثقافي الذي سيحدث في تلك الفترة».

ويختم مور بأننا نرى هذا بالفعل في تعاقب الأجيال وبأننا نستطيع التحدث اليوم عن الاشتراكية، هذه هي المرة الأولى منذ عام 1970 – 1975 التي نستطيع أن نفعلها في العلن، الرأسمالية أقل مقاومة مما يظن الكثيرين، فهي لديها الشرعية الاجتماعية بطريقة أو بأخرى لأنها تعد بالتقدم، ولا أظن أن أحدًا يأخذ هذه الفكرة على محمل الجد بعد الآن.

«واشنطن بوست»: أفريقيا الأكثر عرضة لمخاطر تغير المناخ والأقل استعدادًا لمواجهته

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد