«إن الديمقراطية هي الآخرين. ولطالما ابتُليت القلة المُتنورة بجهالةِ الأكثرية وضلال السواد»

هكذا يصف الكاتب الأمريكي «كيلب كرين»، في مقاله بصحيفة «ذا نيويوركر»، ديمقراطية العوام، والتي يتحدد فيها مستقبل البلاد حسب رأي الأغلبية، بغض النظر عن مدى تنورهم. وفقًا لـ«كرين»، فإن أقلّ من ربع الناخبين في الولايات المتّحدة يعرفون أسماء أعضاء مجلس الشيوخ عن دوائرهم، وحوالي الثلث لا يُمكنهم تسمية فرعٍ واحدٍ من الأفرع الحكومية الأمريكية الثلاثة.

السؤال الذي يطرحه هو، إذا كان المُصوتون أغلبهم جاهلين، فعلى من تقع مسؤولية اتخاذ القرارات العامة؟

حكومة الفلاسفة.. تفضيل المُتعلمين وامتحانات أمية الناخبين

أفلاطون، الفيلسوف اليونانى، كان في طليعة من رأوا في الديمقراطية مُعضلة، ورصد فيمن يترعرعون في كنفها رصيدًا وفيرًا من البلادةِ والطيش. هذا المواطن الذي «تجده في أعتى حالات السُكر وهو يُصغي بإهتمامٍ لمعزوفةٍ عبر الناي»، وفي أحيانٍ أخرى «يتبع الحمية ولا يشرب غيرِ الماء»، وتارة «تلقاه وقد شغل نفسه وملأ وقته بما ظنه فلسفة».

هذا المواطن المتذبذب ليس من الآمن ترك مقاليد الأمور في يده يحرّكها بصوته الانتخابي، وإنما الأمان، وفقًا لأفلاطون، أن نترك السلطة بيدِ نفر من المتنورين المُتفرغين (الفلاسفة)، نضمن بقاء عقولهم في حالة من النقاء بعيدًا عن بواعث الشتات وعوامل القلق من عائلةٍ وأموال وشهوات النفس الدافقة.

اقترح أفلاطون عزلهم بمُجمعات مُدارة يوجينيًا، حيث يتم تنشئتهم على أن يهابوا وقع الذهبِ وأن يُمنعوا من تذوق الأدب وقراءة سوره وأعماله التي تحوي بين سطورها ضمائر المُتكلمين مما يأخذهم في آخر الأمر إلى أن ينسوا ذواتهم فلا تلدغهم أنانية ولا توجههم مصالح ذاتية.

كان تنظير أفلاطون بيزنطيًا (ثقافة المثقفين المُعتزلين للواقع) وسخيفًا، حتى لقد ظن عديدون أنه لم يكن في الأساس جادًا. ينقل «كراين» عن «توماس هوبز»، الفيلسوف ورجل المنطق الإنجليزى، وصفه للفكرة بأنها «عديمة الفائدة».

ثم جاء «جون ستيوارت مل»، الفيلسوف الليبرالي الإنجليزي، في القرن التاسع عشر، باقتراح أكثر عملية، يُمنح بمؤداه الذين تتطلب وظائفهم توقد الذكاء والحاصلين على شهادات جامعية أصواتًا أكثر. تضمن مشروع مل زيادة أعداد الناخبين، مع إدماج النساء، إلا أنه ساوره قلقٌ من كون المُصوتين الجُدد سيفتقدون بالضرورة للمعرفة ومَلكةِ الحكم الصحيحة، فاعتمد على الأصوات المكمّلة في مواجهة ذلك.

أما عن الصفوة الأمريكية، فيقول «كرين» إنها خشيت من تصويت الفُقراء الجهلة، فاتجهت لمنع الاقتراع عنهم. وفي عام 1855 قدمت ولاية كونكتيكت أول امتحانٍ لقياس تعليم ناخبيها، لتنتشر بعدها اختبارات الأمية، لكنها كانت أداة في يد عُنصريي الجنوب، ساعدتهم في الاحتيال على التعديل الخامس عشر، وحرمان السود من حقهم الشرعي في الانتخاب. واستمرت الامتحانات إلى أن أُلغِيت بالكُلية بأمر من الكونجرس عام 1975 بعد سنواتٍ من شجب الحركات الحقوقية وتبشيرها بعدم فعاليتها.

وفقًا لـ«دايفيد إيستلوند»، الفيلسوف والباحث السياسى بجامعة براون، فإن عرض «مل» عادل وخلّاب. والذى حاول «إيستلوند» في كتابه «سُلطة الديمقراطية»  الصادر عام 2008 أن يسوق مُسوغًا فلسفيًا للديمقراطية يُنجَزُ فقط بالتوفيق بين اثنتين: أولاهما الإجراءات الديمقراطية المُساهمة في انتهاج سياسة قويمة، وثانيتهما سلامة وصلاحية تلك الإجراءات في عيون المُراقبين من أهل الحل والمنطق. فالإنصاف وحده ليس كافيًا لأننا كما ذكر «إيستلوند» نُقدر الديمقراطية  لسعيها الدائم لعدل نصاب الأمور وتغيير مُجرياتها للأحسن، باستخدام المعلومات التي نمدها بها إثر عملية التصويت، مع أننا على ما يبدو نعيش هذا العام (2008) في رُقعة صلدة وظروفٍ صعبة، إلا أن للديمقراطية خط سير مُعتدل، للإنصاف.

من جانبها بينت «أمارتيا سين»، الفيلسوفة والباحثة الاقتصادية، أن الديمقراطيات لا تتضمن على أراضيها مكانًا للمجاعاتِ. بينما ذهب آخرون أبعد من ذلك بقولهم أنها (أي الديمقراطيات) تكفل للبشر ألا يحاربوا بعضهم البعض وألا يقتل حاكمٌ شعبه، وأنها تكفل في الغالب أنموذجات لانتقالاتٍ سلمية للسلطة واحترامٍ لحقوق وخصوصيات الإنسان بنسبة تفوق ما يدعي اتباعه أي نظام سياسي بديل.

مع كل هذا تظل الديمقراطية بعيدةٌ كُل البعد عن الكمال وهي كما وصفها ونستون تشرشل (رئيس وزراء إنجلترا في الحرب العالمية الثانية خلفًا لألكسندر تشمبرلين) في مقولته المأثورة «أسوأ أنواع الحكومات، لا يُضاهيها سوءًا سوى الأنواع الأخرى التي تمت تجربتها وفشلت بالفعل».

«الإبستوقراطية».. سطوة المعرفة وسلطان المثقفين

لذا، فإذا كُنا مُقدرين لقوتها الدافعة لاتخاذ أفضل القرارات فلما لا نقم بتجربة نظام حكم أقل عدلًا ولكنه يُحسن في قراراته تجاه الناس أكثر من الديمقراطية؟

بإدماج آخر المُرادف اليونانى لكلمة معرفة مع مُرادف كلمة حكم  في ذات اللغة، خرج علينا «إيستلوند« بمُصطلحٍ جديد، ألا وهو «إبستوقراطية»، وهىي تعني حُكم الأكثر علمًا من أصحاب المعارف. هذه فكرة «سيرغب مُحاميو الديمقراطية وبقية الأعداء المتعسفين في أن يُعارضوها» كما ذكر «إيستلوند».

لم ير «إيستلوند» سوى ثلاثة أوجه مقبولة للاعتراض. الأول منها، أن المرء بوسعه رفض الأخذ بالحقيقة بوصفها معيارًا اعتياديًا مُلائمًا للحكم سياسيًا. الأمر قد يبدو مُستفحلًا إلا أنه متوقع في علم فلسفة السياسة.

بعد كل هذا في السجال الدائر في مواضيع جدلية كالحديث عن توقيت بداية عُمر الإنسان، أو عن ملائمة أفعال البشرية للبيئة والكوكب ككل فإن كل مُناشدة للحقيقة تُعتبر إثارة ويُعد الأخذ بها (الحقيقة) باتًا لا فصال فيه ولا رجعة عنه مما يؤدي بنا في آخر الأمر إلى منع الجدال وإنهائه كما أشارت «هانا أرندت» في هذه المجلة (النيويوركر) عام 1967 مُضيفة أن المُناظرات (المحاورات الفلسفية أو الديالكتيك) تُشكل عصب الحياة السياسية.

«إيستلوند» لم يكن نسبيًا إلا أنه أذعن للرأي القائل بوجوب ابتعاد رجال السياسة عن نشود الحقائق المُطلقة مع أنه آمن أن على المُنظِّر السياسي أن يفعل العكس.

الاعتراض الثاني حول «الإبستوقراطية» يتمحور حول رفض فكرة زيادة معرفة مواطنين عن الحكومات السديدة بالمقارنة بقُرنائهم. و«إيستلوند» ببساطة لم يجد هذه الفكرة مقبولة وهو ما لا يسع أي فيلسوف سياسي إلا موافقته فيه.

الوجه الثالث والأخير، هو إنكار إضفاء زيادة المعرفة لسلطة سياسية أو كما لخّصها «إيستلوند» في جملته: «أجل، رُبما تكون على حق لكن من سلّمك القِياد وجعل منك رئيسًا؟»

هذا سؤالٌ جيد وأرخى «إيستلوند» دفاعه عن الديمقراطية عليه إلا أنه أحس بواجب يدفعه للنظر في ثغرات تنظيره فقد تسلل إلى نفسه شك فحواه أن حكومة أرساها ناخبون مُتعلمون ويرأسونها ربما تؤدي بشكل أفضل من أخرى ديمقراطية. وظن أيضًا أن أية عيوب يُمكن مُعالجتها وإصلاحها فلو ظهر أن عرقيات تاريخية مظلومة كالسُمر أو النساء لم يُحسن تمثيلها في النظام الإبستوقراطي فإن هؤلاء إن لم يكونوا على قدرٍ كافٍ من الجودة يُمكن أن يُمنحوا أصوات إضافية على سبيل التعويض.

وبنهاية تحليل «إيستلوند» يتضح لنا وجود اعتراضين عمليين ضد «الإبستوقراطية» لا زالا مطروحين وهما أولًا أن طريقة الإبستوقراطية في غربلة الناخبين تملك من الجور بمكان ما يجعلها غير قابلة للانتباه في التوِ واللحظة، وبالتالي لا يُمكن تصحيحها. وثانيًا أن حق التصويت العام مُترسخٌ في شخوصنا، لدرجة تجعلنا نشعر أن إعطاء المُتعلمين أولوية عن الجهلة وسلطانًا عليهم سيكون في دائم الحال تعسفًا وجورًا أكثر من إعطاء زمام القيادة للأغلبية على الأقلية. وبينما تنهار دفاعات الديمقراطية تظل هذه الأسباب أقل استفزازًا من مقولة تشرشل.

في كتابه الجديد «ضد الديمقراطية» دحض جيسون برينان الفيلسوف والمفكر السياسى بجامعة جورج تاون مزاعم «إيستلوند» القائلة بعمومية «التصويت العام». ويذهب برينان إلى حتمية تقليص النفوذ السياسي لمن أسماهم بـ«اللاعقلانيين» و«الجهلة» و«غير الأكفاء» على غيرهم من المواطنين. واستطرد برينان ردًا على «عُقدة» إيستلوند الخاصة بالمساواة بين البشر في أحقية الانتخاب والتصويت بالتأكيد على كون المصلحةِ العامة أدعى للنظر وأهل للاهتمام من مشاعر شخصٍ مجروح. يُضيف برينان «وبالرغم من كل شىءٍ، قليلون رُبما يعُدون من الظُلمِ استبعاد المُحلَّفين الفاقدين الأهلية من حيث افتقارهم للأخلاقيات المرجوة أو الإدراكِ المطلوب».

أما بالنسبة إلى قلق «إيستلوند» من الخطأ الديموغرافي (السكاني) الناجم عن استبعاد لشرائح كبيرة من المجتمع فإن برينان يزيحه بسهولة ويسر وقد أظهرت البحوث التجريبية أن البشر نادرًا ما يصوتون ابتغاء مصالح شخصية وآمال فردية ضيقة وأن كبار السن من الناخبين عادةً ما يفضلون الأمن الاجتماعي أكثر من الشباب. وهنا يقترح برينان انطلاقًا من قاعدة تنوير الناخبين في النظام الإبستوقراطي وإلمامهم بمخاطر الجريمة ومفاهيم الأمن العام فإن «استبعاد ثمانين بالمائة من الناخبين البيض قد يكون بالضرورة ما يحتاجه قُرناؤهم من السُمر الفقراء».

برينان يمتلك أسلوبًا فُكاهيًا تصارُعيًا، وروحًا رياضية تستدعيه لنبذ التقية الدينية وسحق المنطق الضعيف. يكتب «إن حق الانتخاب قد يُعد دلالة على كرامتنا كبشر لكن هذا لا يُعتد به كدليل فقد عدَّ القُدماء في غينيا الجديدة مرةً أكل اللحم الإنساني من طقوس احترام الموت». وبالنسبة إلى برينان، اعتقادنا المُتعاظم في الجدال السياسي يُضاهي في عدم ثباته تصديق البعض أن نشاطات الجامعة تؤسس الشخصية.

ويرسم برينان بإسهاب أدلة جهل الناخب الأمريكي العادي مُستعينًا بكتاب زميله الباحث والفيلسوف إيليا سومين «الديمقراطية والأمية السياسية» الذي بيَّن فيه الأخير سيرورة جهل الناخب الأمريكي عبر العصور بالرغم من ارتفاع نسب المُتعلمين وتطور مستويات الوعي.
في ذات السياق، تجادل العديد من خُبراء الاقتصاد حول أن الناخبين سيئو الاطلاع، عوضًا عن كسلهم وإضرارهم بذواتهم، يجب اعتمادهم كناخبين راشدين، حتى ولو كانت معُدلات تأثير أصواتهم في العملية السياسية ككل ضئيلة.

أيضًا، في كتابه «أسطورة الناخب الراشد» أشار الاقتصادي براين كابلان أن الجهالة رُبما تكون مُحببة إلى نفوس الناخبين، «فبعض الاعتقادات تسترعي انتباه العواطف وتستحوذ عليها.. فإذا كانت أصواتهم غير مؤثرة فلم لا يُغدقون نفوسهم ويُغرقونها فيما تُريد هي أن تُسلِّم بصحته».

سواءٌ أصح الأمر أم جانب الصواب يؤكد كابلان أنه فقط لعدم جدوى صوت الفرد الواحد يذهب كثيرٌ من الناخبين في مقصورة الانتخاب إلى ما وراء مصالحهم الضيقة إلى آفاق أوسع وأرحب عامرةٌ بإيثار الغير وغمط النفس.

وبالتطلع إلى الأمر من هذه الزاوية يبدو الموضوع وكأنه أصدق شكل للتعبير عن النفس.
من ناحية أخرى، رفض برينان في كتابٍ سابق له بعنوان «أخلاقيات التصويت» فكرة وجوب تصويت الفرد قائلًا: «سيكون من السيء جدًا ألا يحرث أحد الأرض لكن هذا لا يعني بالضرورة أن يُصبح الجميعُ فلاحين» مُشيرًا إلى أن فكرة الانتخاب القسري في الواقع أضعف من الفِلاحة القسرية وزاد بقوله أن فردًا إذا فَوّت فرصته في التصويت فقد أسدى إلى جاره خدمة لأن صوت جاره عندئذ تزيد أهميته.

برينان يصم من لا يَسعونَ لفهمِ السياسةِ بالتقزم، ويرى أنه من الأفضل لهم لزوم منازلهم يوم الاقتراع. نوعٌ آخر يذكره برينان يُتابع أمور السياسة بانهماكِ مُشجعي الكُرة وإمعانهم وهو يُسميهم المُشاغبين. والنوع الثالث في تقسيمته يضمّ الذين يتحرون قضايا السياسة بحياد علمي، يحترمون وجهات النظر المُغايرة، ويُعدّلون بحذر آراءهم وأفكارهم لتلائم الحقائق التي تطلعوا لمعرفتها بجدٍ واجتهاد. يأمل برينان أن يحكمنا هؤلاء يومًا ما إلا أنه لا يسوق لنا الدليل الدامغ على وجودهم.

في الحقيقة، تذكر واحدة من الدراسات التي استشهد بها برينان أن ذوي المهارات الرياضية (الحسابية) يُحجمون عن الاستعانة بمهاراتهم حال رأوا في استخدامها تهديدًا لتقويضها إحدى المُعتقدات السياسية السائدة.

يجب ألا نتفاجأ، فمؤخرًا رُئي أن الخُبراء المُتمرسين أبدوا ثقة كبيرة في قرارات استحالت لكوارث، منها غزو العراق، صكّ عُملة أوروبية موحدة، إعطاء السندات بضمان رهن عقارات… وهكذا دواليك.

كيف تعمل الإبستوقراطيةُ إذن؟

إن برينان عازف كُل العزوف عن أن يكون واضحًا وهو ما نعيه جيدًا فلقد كانت خصائص المدينة الفاضلة وماهيتها وصفة أهلها ما أرَّق أفلاطون. وعدم الخوض في هذه التفاصيل هو ما وقى برينان من أن يخطو على الخشبة التي ضربت أفلاطون بين عينيه.

أسهب برينان في إسباغ خيارات زائدة على فكرته من أصوات أكثر أهمية لحملة الشهادات، مجلس إبستوقراطي مُزَوَّد بسُلطة الفيتو، امتحان لقياس مُستويات تعليم الناخبين، غير أنه لم يقضِ الساعات في احتساب ما يُمكن أن ينحرف عن سواء السبيل. فمثلًا فكرة الامتحان ألغاها برينان نفسه في كتابه «أخلاقيات التصويت» لأنها «يانعة لإساءة الفهم والاستعمال».أيضًا فكتابه الجديد لا يتضمن إجراءات للحد من هذه الأخطار.

بلا استرسال ولا تناول لتفاصيلٍ أكثر، فليس من الإمكان بمكان تقييم نظرية برينان بشكل نهائي. هَب مثلًا أن الجنيات تتخذ قرارات سياسية مُتنورة لصالح الغير وأنهن لزم أن يرأسن أنظمة حكمنا. فأنا إذا عجزت عن إيضاح كيفية تعريف الجنيات والإعلان عن مُميزات ملكة الحُكم عندهم وإذا أعقبت ما سبق مُقدمًا احتمالات مرتفعة لوقوعهم في الخطأ كالأقزام والمُشاغبين (نوعا برينان الأوليين) فإنك كمُتلقٍ ستكون محقًا في أن يُخامرك الشك تجاه الموضوع برُمته، ولا عيب عليك في ذلك.

بما أننا لازلنا في أروقة مسألة الجنيات نتناولها بالشرح والتحليل، الجدير بالذكر أنه هنالك فيلٌ قابعٌ في الغُرفة.

يقول برينان إن العلم بأمور السياسة يزيد في مُنتصفي أعمار المُتعلمين ذوي الدخل المُرتفع المُتموضعين غربًا والمُندرجين في مصاف الجُمهوريين بعكس السُمر والنساء الذين تقل فيهم نسبة التعليم حتى أنه يصرحُ (فى قِحةٍ) أن امرأة سمراء لا يسعها اجتياز امتحان سلس لقياس مستوى الناخبين. غير أنه مُتردد، ويؤكد أن استبعاد السمر والنساء هو نتيجة عارضة لمشروعه الإبستوقراطي، وأمرٌ مُختلف تمامًا عن امتحانات أمية الناخبين التي تطل من الماضي الغابر والتي حصلت بغية تنحية السمر وعرقيات من البيض واستلاب حقوقهم.

هذا تفاوت في المفاهيم حقيقٌ بالأخذ في الاعتبار. فعند الحديث عن الانتخابات الدائرة الآن فإن أصوات السمُر والنساء تُعد عائقًا في وجه أكبر غوغائي أهوج في الذاكرةُ الحية، والذي للغرابة اجتمعت له صفوف البيض المُتعلمين بنسب تتراوح بين 47% إلى 53%. أيضًا، يعترف برينان أن الشرائح الاجتماعية المُضطهدة تاريخيًا كالسُمر والنساء تكسب سطوة سياسية إثر رفع المظالم عنها.

هل تعمل الديمقراطية حاليًا أم تنهار؟

هنا تظهر حيرة «كيلب». «فى الأشهر الأخيرة، مثل كثيرين خالطتهم وأعرفهم. أجلس مساء كل يوم أترقب بوجل مُقلبًا استطلاعات الرأي في فزعٍ بادٍ أمست فيه طبيعة الديمقراطية الفاسدة والمعيبة رفيقًا أثيرًا لي. لكن هل الديمقراطية حقًا تتهاوى أم تراها تحاول إخبارنا بشيءٍ ما؟»

تاه عُلماء السياسة دهرًا على أمل العثور على «يدٍ خفيةٍ» كالتى ذكرها آدم سميث في الاقتصاد. لن يعني جهل الناخب شيئًا لو كانت الديمقراطية تنسج من أصوات الأفراد حكمة سياسية مُجمعة، بالطريقة التي يجمع بها السوق اهتمامات الأفراد وحوافزهم المختلفة للبيع والشراء في بناء توزيعي صائب للموارد. وهو ما يفسره برينان بإيمانه بأن جهل الناخبين يجب ألا يكون له شكل. ولو على سبيل المثال أخطأ الناخبون الليبراليون بالقدر الذي يُخطئُ به المحافظون لتُرك القرار بيد الأقلية المثقفة المتمركزة بينهما. لكن وللأسف للجهل شكل.

حسبما قال المُنظر السياسي سكوت ألثاوس فإن الناخب المُثقف سياسيًا سيكون أقل حماسة للدخول في حرب، أقل انتقامًا لحظة عقاب المُجرمين، أكثر تسامحًا إزاء المشكلات المُجتمعية، وأقل سماحًا للحكومة بالتحكم في الاقتصاد، والأكثر تطلعًا لقبول الضرائب بغرض تقليل نسب العجز الفيدرالي. بينما وفقًا لكابلان يكون على النقيض الناخب الجاهل بالاقتصاد أكثر تشاؤمًا، أكثر شكًا في المنافسات السوقية بين المُستثمرين ودورها في الزيادة الإنتاجية وهو أكثر وعيًا بالتجارة الخارجية والهجرة.

من الممكن إذن أن الديمقراطية تؤتي حصادها بالرغم من فشل عُلماء السياسة من صياغة مُعادلة لشرح كيفية عملها. ومن الممكن أن الناخبين يسلكون مُختصرًا إدراكيًا باتباعهم العلامات الظاهرة جهرًا والانتماءات الحزبية عند تقييم المُرشحين ومواقفهم السياسية.
برينان يشك بهذا لأن الناخبين على جهلهم لن يفهموا النمطيات الحزبية إلى هذا الحد، إلا أن المُنعطف المُختصر لا يحتاج أن يكون مثاليًا ليؤدي مهمته. على الناخبين إذن أن يلفظوا أصحاب المناصب الذين أحزنوهم، وهذه التقنية البسيطة تُعرف في علم السياسة بـ«التصويت العكسي».

إلا أن برينان يرفض قطعًا هذه الخطوة أيضًا على اعتبار أن الناخبين يعجزون عنها هي الأخرى، ويكتب في هذا الصدد :«إنه لمن الفرض على الجماهير للمحاسبة بشكل كامل أن تعرف أصحاب المناصب المُقصرين اللُقطاء ماذا فعلوا، وما بإمكانهم أن يفعلوه وما إذا كان المُنافسون أحسن منهم نزاهة وكفاءة»، وهو ما لا تعرفه الأغلبية وفقًا لسومين، فتلك الأغلبية تلوم المسؤولين على القحط وهجمات القروش بينما تُكرمهم عند الفوز بالبطولات الرياضية.

كابلان من جهته يرفض «التصويت العكسي» مُستعينًا بمقولاتٍ تضمنتها كتب العديد من الفلاسفة فحواها جميعًا لا معقولية الأمر وتشبيهه بقتل الجماهير الغاضبة الفرعون إذا لم يفض النيل.

لكن حتى وإن كان «التصويت العكسي» مليئًا بالأخطاء ومزعجًا للحكام، فهو ليس بالضرورة عديم الفائدة. يمكنه للحظة أن يسمو بالقرارات السياسية للمُرشحين الفائزين، ولعل كل ما يتطلبه الأمر من السياسي أن يقلق من عقاب الجماهير له على خطأٍ ارتكبه.

على الهامش يقول كابلان أن سياسيا ذكيا وضع نصب عينيه تحقيق مُقومات سعادة رعاياه والإشباع الآنى لها سيكون مُتحفزًا ليسوسهم بأحسن ما يكون الأمر فوق تطلعاتهم. في هذه الحال بالذات سيحس الناخبون وفق توقعاته بعدم رضا دائم، مُنبعث من الوعود التي يقطعها أطول سياسييهم خدمة وأكثرهم حذرًا والتي تتسم بالفروسية والنبل الزائدين. هل يبدو الأمر مألوفًا؟

لمّا أوجد الآباءُ المؤسسون النظام الفيدرالي وأرسوا دعائمه، كان عدم الاهتمام الزائد بالناخبين ميزة وليس عيبًا. وقد حذر جيمس ماديسون (رابع رئيس للولايات المُتحدة ومُشرِّع قانوني) قائلًا، «هُنالك لحظات بعينها في الشؤون العامة يكون الناس فيها مُتأثرين بمنبهات عاطفية متفاوتة، أو تُحركهم دوافع غير أخلاقية، أو ينفلت قيادهم تحت طائلة العرض الخادع لأصحاب المنافع فيُنادون بإجراءات هم أنفسهم قد يمتعضون منها ويُدينونها ويألمون لوقعها مُستقبلًا».

برينان بكل ذكائه وتوقد ذهنه قد يُعاني أحيانًا في سعيه الدؤوب لإعادة ابتكار معنى «النيابية» المُقتطعة من مُصطلح «الديمقراطية النيابية»، وهو يكتب عن عدم حاجة الناخبين للإلمام المطلوب بحيثيات عملية صنع القرار حتى يُمكنهم اتخاذ قرارات ذكية بأنفسهم. لأنه في الديمقراطيات الحديثة تنتدب الجماهير مندوبين لهذا الغرض وعندما لا يفعلون تحل النوازل والطامات كما رأينا في الاستفتاء الشعبي بولاية كاليفورنيا هذا العام وفي بريطانيا إبان أزمة البريكست.

بينما ظن الخبير الاقتصادي جوزيف شومبيتر في كتابه الصادر عام 1942 «الرأسمالية، والاشتراكية، والديمقراطية» أن الديمقراطية لن تُفلح، ولو زاد اهتمام الناخبين بما يفعله نوابهم في الفواصل بين عمليات الاقتراع، حيث قال: «الناخبون عادة لا سلطان لهم على زُعمائهم الذين اختاروهم سوى في مسألة إلغاء إعادة الانتخاب».

هل التصويت له فائدة؟ وهل هو فرض؟

لماذا نُصوتُ إذن؟ هل الأمر يتعلق بوجود سبب خفي أم تراه ما يقتضيه الواجب؟

من المُزمع عليه أن المرء بإدلائه بصوته يُشارك في عملية البناء السياسي لموطنه.

برينان في الجهة المُقابلة يظن أن الأمر لا طائل منه إذا كنت تحسب الفائدة بأثر عملية الانتخاب وما بعدها، وهو ما لا يُمكنك فعله في الحياة الواقعية.

غير أنه ذكر أن المشاركة مُفيدة ولو كان العائد منها لاغي القيمة، كما لو أن أبًا تقضي زوجته سائر مُنجزات عياله يظل يغمره الإحساس بأنه مُسير أن يبذل لها العون ويُقدم المساعدة.

برينان يعتقد أن ليس ثمة مقارنة بواجب الإدلاء بالصوت لأن أي فعل آخر من الأفعال الاجتماعية المحمودة ليضحى أكثر أهمية  من التصويت وقد يأخذ مكانه.

بتناولٍ مُختلف هو يصدق أن التصويت سلعة من سلع سوق فضائل المدنية مثلما الفلاحة جزء من سوق الطعام وهو يذهب إلى أبعد من ذلك بتصريحه أن رجل أعمال يبيع غذاءً وكساء لمارتن لوثر كينج (زعيم حركة تحرير السمر) بفعلته تلك يقدم إسهامًا أصيلًا في مصب الفضائل المدنية ولو كان البيع بالوكالة.

هذا الأمر لا يبدو مُقنعًا من وجهين. أولهما أنه يُخفف من معنى الفضائل المدنية ويجعلها قاصرة بشكل غير مقبول، وثانيهما لأنه يوحي بأن رجل أعمال يبيع الهامبورجر لجون إدجار هوفر (أول رئيس لمكتب التحقيقات الفيدرالية) بفعلته تلك يسقط في فخ شرور المدنية.

أكثر من مرة، يُشبه برينان تصويت غير المُتعلمين بتلوث الهواء، وهذا تحليلٌ يسترعي الانتباه؛ ففي الحالتين لا يتساوى وعي القلة المُتنورة مع تواني الأغلبية وغفلتها. أيضًا فإن كُلفة التهرب من الواجب العام تنتشر بضراوة لا تترك بعدها مكانًا لآثمٍ في صف ولا لمُجرمٍ في طابور. تغييرك من السيارة إلى الدراجة لا ينفي عن كاهل المُجتمع تبعات تلوث الهواء، ولو أفنيت الساعات بحثًا عن سقطات المُرشحين وقضايا الفساد التي رُبما ارتبطت بأسمائهم، فلن يمنع هذا أسفلهم من أن يُنتدب.

وبالرغم من ضعف دوافع أداء الواجب إلا أن هذا لا يعني أن الواجب قد تم تخفيفه. مربط الفرس من الديمقراطية هو اتساق الأعداد التي سبق ونزلت للانتخاب نسبيًا مع الأعداد التي سيتعين عليها قضاء عُمر مع منتوج العملية الانتخابية.

الهواء النظيف ملكية عامة، وجودها مرهون بتداعيات السوق بينما الفلاحة جزءٌ من السوق فعليًا. رُبما «التصويت» ليس ملكية عامة ولا جزءاً من السوق. ربما على الأدق معركة بالأيدي المُتمدنة دون حاجةٍ لمدافع ودانات. إلا أن طبيعة الواجب قد تتشابه، فنموذج برينان يغفل أحيانًا أنه في الانتخابات عينها قد تتعرض الديمقراطية لخطرٍ مُحدِق.

إذا ما قام جُنديٌ بإحتسابِ قيمته كشخص بالنسبة للحملة العسكرية التي انخرط في تنفيذها جيش بلاده سيضحي من السهل لديه أن يَخلُص أن امتثاله للخدمة العسكرية وذهابه للجبهة لا فائدة منه تعود عليه، حتى ولو حسب احتمالات الإمساك به ومعاقبته للتهرب من الخدمة العسكرية.
إن الإشكالية لا تكمن في معرفة أي الطرفين سيكسب أولًا مهما أتخمت أي حافة، طالما أن المعنويات وهي عامل مهم من عوامل الحسم تتبدل دائمًا.

إن الافتقار للتوكيد حول مُجريات الأحداث مُستقبلًا يترك أمامنا مساحة واسعة من الحسابات التعقلية. يُقال إن أغلب الجنود يُداخلهم القلق من خذلان نُظرائهم أكثر ما يُخيفهم امتحان إخلاصهم لمفهوم عام وشائع كالوطن، وكذلك العديد من الناخبين يوجهون القسم الأكبر من واجبهم تجاه آلهم وذويهم الذين يُشاطرونهم ذات الأفكار والرؤى حول الدرب الذي وجب أن تنتهجه البلاد مُستقبلًا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد