ناقش مقال الكاتب ستيف جونسون لمجلة «ذي أتلانتيك» الأمريكية خلفيات قرار انفصال كتالونيا، وأسباب تزايد الحركات الانفصالية عالميًا في الفترة الأخيرة، وبالخصوص في القارة الأوروبية، كما يناقش العوامل المختلفة التي من شأنها إنجاح أو إفشال عملية الانفصال في أية منطقة.

في الأول من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، اندلعت أزمة كبرى في إقليم كتالونيا الإسباني المتنازع عليه، مع حلول موعد الاستفتاء بانفصال الإقليم عن مدريد. وبعد انتهاكات عديدة من جانب الشرطة، والاعتقالات، بالإضافة إلى المظاهرات الكبرى في الإقليم، أعلن رئيس الوزراء الإسباني ماريانو راخوي نهاية الأسبوع الماضي أنه سيستخدم المادة 155 من الدستور الإسباني لتغيير قادة الإقليم، وفرض حكمًا مباشر على المنطقة الأكثر إنتاجًا في البلاد. الجمعة الماضية، وافق البرلمان الإسباني على القرار، بعدما أعلن نظيره الكتالوني الاستقلال رسميًا.

أمثلة متعددة

السبب الرئيس في تلك الأزمة يرجع إلى ما يراه شعب كتالونيا من أن مدريد «تسرقهم»، بحسب ما رددوه في مظاهراتهم، بما يعني أن الحكومة الفيدرالية تأخذ من الإقليم أكثر بكثير مما تعطيه، في الوقت الذي يعد فيه الإقليم الواقع شمال شرقي البلاد مساهمًا بـ20% من حجم الاقتصاد الإسباني المقدر بـ1.2 تريليون دولار في الاقتصادي الإسباني، بالإضافة إلى ما يقارب ربع الصادرات والصناعة الإسبانية بالكامل، بينما يعيش فيه 16% من سكان الدولة فقط. الأكثر أهمية من ذلك، هو أن الإقليم يدفع لمدريد ما يزيد عن 12 مليار دولار من الضرائب سنويًا، وهو أقل مما يحصل عليه الإقليم من الحكومة.

بحسب المقال، كتالونيا ليست المنطقة الغنية الأولى أو الوحيدة التي تسعى للانفصال عن دولتها، وأن هناك عددًا من الحركات الانفصالية تاريخيًا، في أوروبا على وجه التحديد، والتي ترى أن تلك الأقاليم الغنية ستصبح أفضل حالًا، إذا ما تمكنت من تحقيق الانفصال. إقليم فلاندرز البلجيكي هو واحد من تلك الأمثلة، والذي يعد أحد الأماكن التي شهدت نشأة التجارة الحديثة، ويضم حزبًا انفصاليًا نجح في تحقيق مكاسب سياسية عقب الأزمة الاقتصادية العالمية؛ إذ يفتخر الإقليم بأن نصيب الفرد من الناتج المحلي فيه يساوي 120% من أعلى معدل دخل في الاتحاد الأوروبي.

ولاية بافاريا الألمانية تُمثل مثالًا آخر، إذ يسعى الحزب البافاري للهدف ذاته أيضًا؛ نظرًا لقوة الولاية اقتصاديًا، وأنها في حالة الانفصال ستصبح من بين أقوى 10 دول في الاتحاد الأوروبي، بحسب حكومة الولاية. الأسبوع الماضي، أُجرِي استفتاء غير مُلزِم لانفصال منطقتين في الشمال الإيطالي، أحدهما في المنطقة التي تضم ميلان، والآخر في منقطة مدينة البندقية.

هل العوامل الاقتصادية تكفي لنجاح الانفصال؟

بشكل عام، على الصعيد الأوروبي، تسود حالة من الغضب نتيجة لاضطرار المواطنين الأكثر إنتاجية لدفع تكاليف المواطنين الأقل إنتاجية منذ أمد بعيد، إلا أن حالة الغضب تلك اشتدت مؤخرًا، مع اجتياح النزعة القومية للقارة في السنوات الأخيرة.

بحسب أندرياس رودريجيز بوسيه، أستاذ الجغرافيا الاقتصادية بجامعة لندن للاقتصاد، فإن المنطق المشترك الذي كانت تستخدمه الحركات الانفصالية في الماضي كان يتمحور حول فكرة وجود أقليات عرقية ضعيفة تعاني من التمييز العنصري أو العرقي بحقها، إلا أن ذلك الأمر تغير مؤخرًا مع ظهور العولمة، لتصبح بطاقة الضغط الجديدة هي الاقتصاد، وليس الهوية.

توافقه في ذلك إيرين جيني، أستاذة العلاقات الدولية بجامعة وسط أوروبا، والتي ترى أن الظلم الاقتصادي هو واحد من بين عوامل محدودة من شأنها الحفاظ على نشاط الحركات الاستقلالية، ويضاف له الأزمات السياسية الكبرى، ووجود دعم عسكري من دولة خارجية لتأمين الانفصال. تضيف أيضًا أن مفهوم اللامساواة بين مناطق الدولة الواحدة ليس كافيًا لانفصال إقليم عن دولة ما، وأنه إذا كان الأمر كذلك لانقسمت كل الدول.

هذه المبادرات الانفصالية على أساس اقتصادي نادرًا ما تأتي دون أية خلفية عرقية، وهو ما أثبته استفتاء انفصال لومباري وفينيتو الإيطاليتين نهاية الأسبوع الماضي، إذ إن الحزب الرئيس الداعم لفكرة استقلال المنطقتين اقتصاديًا هو الرابطة الشعبية، وهو حزب شعبي رافض للمهاجرين. يقول باولو جريمولدي، المسئول بحزب الرابطة: إن المنطقتين قد تعبتا من دفع 80 مليار دولار سنويًا إلى خزائن الدولة. فكرة استقلال شمال إيطاليا اقتصاديًا ليست بالجديدة؛ إذ تعود لتسعينات القرن الماضي، حيث اتُهِمت روما بسرقة خيرات الشمال الإيطالي.

يرى الكاتب أن هذه الحركات الانفصالية، مثل كتالونيا في إسبانيا وكيبيك في كندا، تضر بتلك المناطق، بدلًا عن أن تعود عليها بالنفع، وأنه تاريخيًا دائمًا ما يتسبب نشاط الحركات الانفصالية في نقل المقرات الرئيسة للشركات، بل أحيانًا انخفاض في أسعار العقارات كما في حالة كيبيك، والودائع المصرفية في حالة كتالونيا. يُضاف إلى ذلك احتمالية خسارة الفائدة الكبرى من الحفاظ على وحدة الدولة، وهو سهولة حركة التجارة.

اقرأ أيضًا: كتالونيا ليست وحدها.. 8 مدن أوروبية على وشك طلب الاستقلال

التعافي ليس سهلًا

بحسب رودريجز بوسيه، أسست كتالونيا – على سبيل المثال – بعض المؤسسات الخاصة بها، ولكن مازال أمامها طريق طويلة قبل أن تملك نظامًا كاملًا مشابهًا للحكومة الوطنية الإسبانية، كما أن القرائن تشير إلى أن الانفصال لا يعني بالضرورة فتح الطريق أمام نمو اقتصادي؛ إذ إن جزءً كبيرًا من اقتصاد كتالونيا يقوم على التجارة المحلية، أو داخل الاتحاد الأوروبي، وأنه في حال انفصالها، فلن تكون الخسارة الوحيدة لإسبانيا بفقدان 20% من ناتجها المحلي، بل إن كتالونيا ستعاني من خسائر فادحة؛ تبعًا لحجم الصراعات التي ستخوضها.

في بحث نشرته إيرين جيني أيضًا، فعلى الرغم من أن الأسباب الاقتصادية ليست محركًا كافيًا لتحقيق الانفصال بنجاح، إلا أنها مازالت أداة تستخدمها الجماعات الانفصالية حول العالم للتفاوض. لم تسلم الولايات المتحدة من ذلك الحراك أيضًا، إذ أعلنت كاليفورنيا في فبراير (شباط) الماضي أنها تمنح للحكومة الأمريكية أكثر مما تتلقاه في المقابل، وهو ما أعطاها موقفًا تفاوضيًا قويًا أمام تهديد إدارة ترامب بسحب التمويل الاتحادي، بعدما أعلن حاكم الولاية أنها «ملاذ للمهاجرين»، متحديًا موقف ترامب المعادي لهم.

يقول الكاتب: إن كاليفورنيا مع كونها مانحة بالفعل، إلا أنها لا تعطي الكثير كما يظن البعض، إذ يعود للولاية 99 سنتًا من كل دولار تدفعه للحكومة من الضرائب، وهو ما يعد أقل من المعدل القومي البالغ 1.22 دولارًا. هناك أيضًا أحاديث حول احتمالية الاقتراع حول الانفصال في 2018، خاصة مع قوة وادي السيليكون اقتصاديًا. كما يذكر الكاتب عدة أمثلة أخرى في الولايات المتحدة عبر التاريخ، مثل تكساس وغيرها، إلا أنها لم تحقق نجاحًا يذكر.

على الجانب الآخر، وكمثال على «الطلاق الهادئ»، يذكر الكاتب حالة جمهورية التشيك ودولة سلوفاكيا عام 1993،
إذ كانت سلوفاكيا – الجزء الأضعف في هذه الحالة – في حالة صدمة بعد القرار التشيك بالتخلي عنها. وبعد مرور 10 سنوات عن الانفصال، تمكنت سلوفاكيا من التعافي. يرى رودريجيز أن الأوضاع الحالية في سلوفاكيا جيدة نسبيًا، إلا أنه يضيف أن ذلك التعافي هو أفضل ما يمكن تحقيقه في تلك الفترة، محذرًا من أنه في حال حدث الانفصال بعد صراع عسكري، فربما لا تتم عملية التعافي تلك، سوى بعد جيل كامل.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد