رسم زوجته بدون شفاه، رسم صديقه مع تشوه بارز في العمود الفقري، ورسم نفسه كشبح يعتمر قبعة. لم تكن لوحات بول سيزان الفريدة، والتي جاءت إلى بريطانيا هذا الخريف، مدهشة فحسب، لكنها جسدت إلهامًا لبيكاسو وتلاميذه كعلامة فارقة قلبت موازين الفن إلى الأبد.

بهذه المقدمة استهل الكاتب جوناثان جونز افتتاحية تقريره في صحيفة «الجارديان» عن الفنان الفرنسي بول سيزان، ذلك الفنان الذي كان داخله يعج بتناقضات الشعور، والتي ما برحت تتوالى في الانعكاس تباعًا على رسمه. في حياته نُبذت أعماله لخروجها عن الأعمال الكلاسيكية المتعارف عليها، ظلت روحه المتمردة صامدة رغم خيبة الأمل التي لم تخبُ في عين أبيه، والرفض المتتابع للوحاته طيلة حياته، وما ابتاع لوحاته طوال سنينه إلا أقل القليل بثمن زهيد جدًا، اليوم تتوج لوحاته على قائمة أغلى اللوحات في العالم؛ لتتخطى – بثبات – وتكسر حاجز المليون بأشواط.

يقول جونز: إنه في مطلع القرن العشرين في باريس، برز جيل من الفنانين الشباب قلبوا موازين الفن الحديث، وتمكنوا من زيارة المعارض العتيقة، كمتحف الإثنوغرافيا سيرًا على الدرب المتعرج الذي يُفضي إلى تروكاديرو بفرنسا، مشمّرين سواعدهم، ومُستحدثين مجموعاتهم الخاصة من الأقنعة الأفريقية. هذا الامتزاج مع الفن غير الأوروبي ساعدهم على خرق مئات السنين من التقاليد الفنية السائدة. على سبيل المثال: عمد بابلو بيكاسو في رسم صورة لصديقته جرترود شتاين بإعطائها قناعًا عوضًا عن وجه، ثم قام بطلاء لوحته المشهورة «آنسات أفينيون» ببراعة مدهشة. من رحم تلك المرحلة ولد الفن الحديث، وُلد في تلك السنوات الجريئة، وفي جو فخم من الكحول والأفيون والجنس؛ حيث انغمس بيكاسو وأصدقاؤه متخذين من البوهيمية منهج حياة في حي مونمارتر الأحمر.

لكن ربما هناك معضلة وحيدة فقط في هذه القصة المبهجة لولادة الفن الحديث، وهي أنها على الأرجح بها من المغالطات الكثير. في هذا التقرير يطعن كاتبه جوناثان جونز، والذي قام بزيارة إلى المتحف الوطني في لندن منذ عامين، في جُلِّ المعلومات التي لطالما قبلنا بها كمسلمات، فبينما كان ينظر بتمعن إلى لوحة بول سيزان الشهيرة «المستحمات المسنات» محاولًا سبر أغوارها – والتي بالمناسبة بدأها سيزان في عام 1894، ولم يكملها حتى عام 1905، أي قبيل عام من وفاته – أجال جونز ببصره بدقة إلى الخطوط الجريئة المتعرجة من المناظر الطبيعية والعارية التي تم تجميعها ذات يوم تحت سماء بلّورية حين أدرك شيئًا مدهشًا عن الوجوه: فعيونهم ملأى بتخفيضات حادة قاتمة وكذلك أفواههم، أما أنوفهم فتشبه كتلًا صلبة من الخشب، لكن ما شده جونز وسلّ انتباهه هو إدراكه أن هذه ليست وجوهًا، وإنما أقنعة.

اللوحات جميعها رُسمت بريشة رجل واحد، وعلى حد علمنا، لم يبصر هذا الفنان في سنين حياته أي فن أفريقي (والذي يتَّسم بالرمزية ويتشح بالأقنعة)، أما عن الجنس والمخدرات فقد نبذ كليهما، ولم يقرب أحدهما يومًا. ويمكننا القول إن فن سيزان لهو ثمرة دراسة طويلة ومكثفة من قبل رجل وقف لساعات بلا كلل أمام الحامل الخشبي خلال الأيام الطويلة الحارة، يرسم بريشته فنًا غيَّر كل شيء، مبتكرًا بفرديته في القرن الـتاسع عشر كل تلك الأشياء تقريبًا التي أسرت إحساسنا، والتي نسبناها ظلمًا إلى مانتيس وبيكاسو وبراك. الحداثة هي محور اللوحات التي نفذها سيزان في وقت مبكر من عام 1880؛ مما نخلص منه إلى افتراض أنه قد يكون هو الفنان الأكثر ثورية في تاريخ الفن.

لكي نكون منصفين، لم يُبدِ بيكاسو أي اعتراض على عظمة سيزان أو يطعن في لوحاته التي غيَّرت الفن إلى الأبد؛ إذ كان ولعه بسيزان عميقًا حد أن ابتاع عقارًا في سفوح جبل سانت فيكتوار في بروفنس؛ ذلك الجبل الذي ظل سيزان يذكره مستحضرًا إياه في بضع لوحات، ولم يدر أنه كان يرسم موطأ موت الفنان الإسباني بيكاسو الذي فتن به ودُفن هناك، والذي لطالما أفضت طرق فكره هو وبراك إلى اتجاه واحد اجتمعا عليه مخلِّفين فكرة متجذرة، وهي أن حركتهما التكعيبية هي استمرار مباشر لعمل سيزان ونهجه.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو لماذا مازلنا متمسكين بذلك الانطباع الخاطئ عن فناني القرن العشرين، بأنهم أرسوا لمبادئ الفن الحديث، في حين أنهم اعترفوا بأن الفن الحديث هو لصيق لسيزان، ويُنسب إليه هو، وليس لأحد غيره؟ يرجع ذلك جزئيًا إلى القولبة الرتيبة والقائلة بأن الانطباعية، وهي الحركة التي ارتبط بها سيزان في السبعينات من القرن التاسع عشر، هي حركة سلسة، ناعمة كعلبة شوكولا، وأنه وإن بدا الوصف مفككًا، فذلك خطأ المعجبين بسيزان.

ثمانون عامًا مضت على وفاته ولا يبارح النقاد الاعتقاد أن فن سيزان به من التجريدية الخالصة – والتي تتبع أثرها كلٌّ من جاكسون بولوك ومارك روثكو – ما أضفى على لوحاته خصائص روحانية؛ حيث يمكن أن تجعلنا لوحاته نميل برؤوسنا محاولين عبثًا أن نفهم بالضبط لماذا تقع التفاحة إلى أن تستقر على «سطح صورة مسطحة»، وخاصة إن بدت لنا هذه التفاحة ملعونة! في ثمانينات القرن العشرين دخلنا عصر الفن ما بعد الحداثي، ولم يعد من الضروري لأي شخص أن يقوم بهذا الجهد في فهم اللوحات بعد الآن.

يحكي كاتب التقرير عن انبهاره حد التلعثم بفن سيزان قائلًا: «ما زلت أميل برأسي أمام تلكم التفاحة، كانت مداخلتي للفن الحديث هي المسلسل التلفزيوني الكلاسيكي (روبرت هيوز: الخوف من الحداثة) والذي يجسد فيه سيزان رجلًا شامخًا كتلك الجبال التي لطالما حاول اقتلاعها ووضعها على الورق، لذلك لم أستطع الانتظار لرؤية بورتريهات سيزان التي تأتي إلى معرض الصور الوطني في أكتوبر. كان علي أن أراه في محطته السابقة، في متحف دورسيه في باريس، وسرعان ما اتضح أن المعرض هو ما يستحق ذلك الكشف الدقيق؛ حيث الصدمة الحاضرة هي رفيقك هناك من هول عبقريته النقية.

«مع مرور الوقت يصبح وجه زوجته عبارة عن قناع خزفي – فهو شبه بيضاوي تمامًا»

لنستهل خيوط الأمور رويدًا بالتحدث باستفاضة عن الأقنعة حيث تلبست الشكوك كاتب التقرير في أن بيكاسو لم يستلهم لوحاته لا من قبل فن أفريقي أو أوقيانوسي، وإنما من لوحات سيزان كما أبصرناها بادئ ذي البدء، ويمكننا التأكد من تلك المعلومات بالشكل الكافي من خلال ذلك الصف الطويل من صور زوجته، هورتنس فيكويت، التي زينت جدارًا بأكمله، مثل تماثيل جزيرة إيستر الخشبية المقنعة التي تطل على محيط بارد وقاتم.

وفي الصورة التي بدأها في عام 1886، أصبح وجه زوجته عبارة عن قناع خزفي يكاد يكون بيضاويًا تمامًا على نقيض أي وجه بشري، كما أنها شاحبة مثل كوب صيني، لكن الأغرب من كل هذا هو الشفاه التي هي في طور التلاشي؛ إذ محا سيزان فم زوجته وسط العدم الفارغ ذي اللون الأزرق. دعنا نترك الأثر النفسي الذي يخلفه لدينا الآن جانبًا ونتمعن في نظرة الفنان إلى هذا الوجه. يبدو أن سيزان قد استقبل في لاوعيه هذا الوجه كما لو كان شخصًا غريبًا أبصره للوهلة الأولى؛ مما يجعل من لوحات سيزان محاكاة رقمية وآلية بحتة للإنسان.

في هذه اللوحة يظهر أمبرواز فولارد – وسيط سيزان الفني – ينظر إليه بنفس الطريقة الغريبة المستعصية على الفهم، المثيرة للحيرة، في لوحة سيزان المرسومة عام 1899، حيث لا تملك عيون التاجر السوداء توهجًا بشريًا، بل هي أشبه بالثقوب السوداء في القناع. يتبين وجه فولارد بسبب بقع من اللون تتفاعل جميعها باللون الأخضر والأحمر والأصفر، لكن انسجامها غير واقعي ويختل توازن الحاجبين الرقيقين فوق الأنف المستقيم تحت جبين هائل.

بمجرد أن تبدأ في البحث عن أقنعة سيزان، ستجدها في كل مكان؛ في صور للأطفال والفلاحين، وحتى في نفسه. في حوالي عام 1882 رسم وجهه في تحفة غريبة – تم اقتراضها من قبل متحف بوشكين في موسكو – حيث تبدو المقدمة الصلعاء لرأسه في هذه الصورة الذاتية وكأنها قبة أو بيضة تتجسم باستدارة تامة، يخرج منها ضوء الشمس الساطع، السمات البسيطة والجلية لوجهه هي تلك التي تُتوَّج باللون الرمادي والأبيض الأشيب من شعر اللحية، تخطو بفكر سيزان بائنة وهو يبصر ذاته بالمرآة «يا له من وجه غريب، من هذا؟».

إذا كنت تشك في طبيعة هذه القوالب التي تشبه القناع، فلا يسعك سوى مقارنتها مع صورة بيكاسو لجيرترود شتاين لترى كيف تم تطوير وجهها المنحوت على الصخر مباشرة من لوحات سيزان، مثل لوحة «الرجل ذو اليدين المعقوفتين (1899)». ومع ذلك، إذا كان التفكيك الحداثي للوجه الإنساني هو هذا التطور المتقدم في فنّ سيزان، والذي يمكننا تمييزه في ثمانينات القرن التاسع عشر، فمن أين حصل عليه؟ وإلام كان يتطلع؟

للحظة واحدة، بتدقيق الصورة الخزفية لزوجة سيزان، يلوح لنا تساؤل في الأفق عما إذا كان سيزان ينظر إلى الفن غير الأوروبي كمادة ومصدر للإلهام؛ إذ يشبه الوجه تقريبًا قناع المسرح الياباني، حيث فتنت اليابان الطليعة الفرنسية في القرن التاسع عشر حد حضورها المستمر لمدى الحياة مع صديقه إميل زولا الروائي الراديكالي الذي لطالما كان يعتبر الفن الياباني إلزاميًا في دراساته.

مع الوقت، يلوح لنا ما يوحي بوضوح جليِّ تطور أعماله ورسوماته المستمر، وأنه كان في غنى عن النظر إلى الأعمال الفنية اليابانية أو غيرها لتكون مستودع أفكاره ومصدرها، فلطالما حصد أفكاره – مثل فكرته عن القناع – من النظر إلى الوجوه نفسها مرارًا وتكرارًا وبتمعن، حتى يتمكن من رؤيتها بهندسة نقية.

في صورة زوجته مسافة رهيبة متباعدة، فعندما يتخلص من شفاهها يبدو أنه يقوم بأعمال عنف وهمي لها، يطبِّق ما يكافئ اللجام في لوحات أخرى أيضًا؛ فيتضح من الشكل العام لها تحول وجهها إلى شكل هندسي أقرب إلى الكمال، أقرب بخيط رفيع إلى تحفة بييرو ديلا فرانشيسكا في عصر النهضة «بريرا مادونا».

«بدلاً من إخفاء هشاشة صديقه، سيزان يحاول إظهارها»

على نهج بييرو الذي خطَّ مخطوطات حول الرياضيات، بحث سيزان عن النظام الهندسي في العالم المرئي قائلًا مقولته الشهيرة: «إن الفن يجب أن يُعامل الطبيعة مثل الكرة والإسطوانة والمخروط». لكن لوحات سيزان هي أكثر بكثير من التماثل؛ هم حول عدم الشعور بالارتياح تجاه الضعف الإنساني بوجه عام.

واحدة من لوحات سيزان الأولى في هذا المعرض تذكرنا بلوحة فاساكيز – الرسام الإسباني الذي تأثر به سيزان – للأقزام في المحكمة الإسبانية. إنها صورة لصديقه الفنان أخيلي إمبيراير، الذي وُلد بنمو مقيَّد وتشوه في العمود الفقري، وبدلًا عن إخفاء الوهن الجسدي لصديقه، يحاول سيزان التأكيد عليه من خلال إجباره إمبيراير على الجلوس في كرسي ذي ظهر مرتفع جدًا. ومما يثير الأسف أن لديه ملابس ولحية وشاربًا لبوهيمي رومانسي، لكن رأسه يفوق بشكل كبير أرجله الرقيقة وأيديه الهزيلة.

هذه هي اللوحة الأولى الأولى لسيزان؛ يعود تاريخها إلى الفترة من 1867-1887 عندما كان لا يزال في أول أطوار التعلم كفنان، ومع ذلك فإنها تتجاوز حدتها الفنية بعمق وتتحدث عن العزلة الضعيفة لجميع البشر في صورة مؤرقة وعظيمة للذات الحديثة؛ حين يتألق إمبيراير وكأنه ملك يجلس على كرسيه الشرير في تراجيديا كوميدية تصلح لكل الرجال.

وما هو أكثر من مجرد تجريده للوجه الإنساني بصفة خاصة، هو الذكاء الحسِّي الذي تمكن به سيزان من تشخيص حالة محددة من عدم الارتياح والسأم من الحياة الحديثة في وجوه من يرسمهم. يمكنك أن ترى هذا بوضوح في لوحة له عام 1866 عن صديقه أنتوني فالابريج وهو يحدق في الفراغ كما لو كان في حالة متاخمة للفوضى العقلية. كما عمد سيزان بحماس إلى استخدام الملابس السوداء للأزياء الرجالية في القرن التاسع عشر؛ لتزيد من السوداوية، وتضع شخصياتها في مواجهة مساحة خالية من الضوء. إنه يجعلك تفكر في دوستويفسكي، لكن ربما ما كان يشغل باله حينها هو زولا، والذي يظهر أيضًا في لوحة من أعماله المبكرة.

كان سيزان وزولا بمثابة صديقين لا يفترقان في مدرستهما الواقعة في إيكس قبل أن يصبحا جزءًا من الطليعة في باريس. يصوِّر زولا صديقه سيزان أحيانًا بوحشية في رواياته والعكس صحيح، فلا تزال تحفته تيريز راكان 1867، التي كانت صادمة في عبثيتها السخيفة، وقسوتها وعدم تسامحها، واقعية تمامًا. ربما تساعدنا صداقتهم الوثيقة في فهم سيكولوجية كل منهما. حتى في لوحاته الأولى، سيزان لديه هذه القدرة الفائقة والمرعبة لكشف عدم الارتياح، الخلل النفسي والضعف البشري.

تلك القدرات الخاصة استطاع سيزان عن جدارة أن يُحيلها وبقسوة إلى ذاته؛ حيث تمثل لوحات سيزان الذاتية المُعادل العاطفي للوحاته في مونت سانت فيكتوار؛ حيث تسعى بلا كلل إلى فحص الذات. عن ماذا يبحث؟ عن نفسه، عن هويته الضائعة! يعتقد أنه توصل إلى أعماق كينونته، لكنه ينزلق بعيدًا ولا يصبو إلى ما يريد، لا يمكنه أن يكون على يقين من هو أو من أين جاء.

يصوِّر سيزان نفسه في إحدى لوحاته الذاتية مرتديًا قبعة شامخة طويلة ينظر من جانب كما لو كان قد استدار للتو ورأى نفسه؛ يبدو مستاءً وحانقًا إلى أبعد مدى. تتمتع هذه اللوحة بتصميم قوي ومتين ونحتي تقريبًا. في اللوحة الثانية لديه نفس القبعة، ولكن الصورة منقطة، غير مكتملة، متلاشية إلى حد ما. يبدو أنه لم يحسم أمره بعد! إحدى العينين في اللوحة مغمضة تقريبًا، تم عزل الشخص عن الخلفية باللون الأزرق المخملي. من كان أنا، إذًا؟

سيزان لم يؤثر فنه فقط في بيكاسو، ولكن أيضًا امتد تأثيره إلى كلٍ من بروست وجويس، وهو المتأمل الموهوب في طبيعة الذات الذي خلص أننا كائنات عصيَّة على الفهم لأنفسنا وللآخرين، مجزؤون وراء أقنعتنا، ويظل سيزان هو المخترع الحقيقي لكل من الفن الحديث وروح الحداثة والتطور.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد