كتبت كريستين بري كارلسون، الأستاذة المشاركة للقانون الدولي في جامعة روسكيلدا في الدنمارك، مقالًا نشره موقع ذا كونفرزيشن الأسترالي عن محاكمة ديكتاتور تشاد السابق حسين حبري الذي وافته المنية في السجن في 24 أغسطس (آب). وترى الكاتبة أن محاكمة حبري تعد انتصارًا للقانون الجنائي الدولي بل وللمحكمة الجنائية الدولية وأفريقيا التي استطاعت عقد هذه المحاكمة على مستوى رفيع.

غير أن الكاتبة مع ذلك ترى أن عملية المحاكمة والإدانة لحبري تعد مشوَّشة النتائج؛ حيث إن المحكمة أوقفت تأثير الديكتاتور وممارساته، ولكن من المفارقات أن النظام السلطوي الاستبدادي وممارسات الدولة الإجرامية التي أشرَفَ عليها لا تزال قائمة حتى اليوم على يد نجل خليفته الرئيس الحالي محمد إدريس ديبي.

وتستهل الكاتبة مقالها بالقول: كان الرئيس التشادي الأسبق، حسين حبري، الذي توفي عن عمر يناهز 79 عامًا، يقضي عقوبة بالسجن مدى الحياة في السنغال بعد إدانته بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وجرائم تعذيب.

دولي

منذ 4 شهور
«ستراتفور»: كيف سيؤثر مقتل الرئيس التشادي في منطقة الساحل الأفريقي؟

وجرت محاكمة حبري أمام محكمة مشكَّلة خصيصًا بموجب اتفاق بين الاتحاد الأفريقي والسنغال وتشاد. وحقَّقت المحكمة التي عمل بها في الغالب متخصصون قضائيون محليون، في الجرائم التي ارتُكِبت في تشاد من عام 1982 إلى عام 1990 أثناء وجود حبري في السلطة. وسافر محققو المحكمة إلى تشاد أربع مرات وأجرَوا آلاف المقابلات التي استرشدت بها المحكمة عند مقاضاة حبري وإدانته في عام 2016.

وكانت المحكمة غير مسبوقة، ومثَّلت أول قانون جنائي دولي يُنتَج محليًّا في أفريقيا، وأول تطبيق للولاية القضائية العالمية، وأول تحدٍ قضائي للتقاعد الهادئ لديكتاتور سابق.

وترى الكاتبة أن محاكمة حبري وإدانته كانتا أمرين مهمَيْن ومبتكرَيْن من الناحية القانونية من نواحٍ عديدة. وكانت محاكمته وإدانته بمثابة الأخبار الرائعة للقانون الجنائي الدولي، ويرجع ذلك جزئيًّا إلى أنها كانت بعض الأخبار السارَّة الوحيدة لهذا المجال في العقد الماضي.

وتستدرك الكاتبة قائلةً: لكن، وكما أزعم في كتابي الذي سيصدر قريبًا، يجب أن يُنظر إلى المحاكمة على أنها نوع من الفشل؛ إذ استطاعت المحاكمة وضْع حدٍ لممارسات حسين حبري، الرجل والشخص، ولم تضع حدًا لممارسات الدولة الإجرامية التي أشرَفَ عليها. ولا يزال الجهاز القمعي لتلك الدولة والممارسات التي بدأها حبري قائمة حتى اليوم.

وتطرقت الكاتبة إلى تاريخ ظهور القانون الجنائي بعد الحرب العالمية الثانية، عندما وضعت دول الحلفاء القادة الألمان واليابانيين المهزومين أمام المحكمة في نورمبرج وطوكيو. ويَسمَح القانون الجنائي الدولي بتوجيه التهم الجنائية للأفراد بسبب أدوارهم في الأعمال الوحشية التي ترعاها الدولة. ومن ثم دخلت مصطلحات «جرائم ضد الإنسانية» ثم «الإبادة الجماعية» في قاموس القانون لأول مرة.

القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الجنائي الدولي

وفي حين أن القانون الدولي لحقوق الإنسان يوجِّه الدول لتغيير ممارساتها، فإن القانون الجنائي الدولي يحقق مع أفراد معينين ويلاحقهم قانونًا لدورهم في ارتكاب جرائم ضد الإنسانية أو جرائم حرب أو جرائم إبادة جماعية.

Embed from Getty Images

وبعد الابتكارات القانونية لمحاكمات نورمبرج وطوكيو، بقيت المحاكم الجنائية الدولية في سبات حتى نهاية الحرب الباردة. وفي تسعينيات القرن الماضي، أدَّى العنف في يوغوسلافيا السابقة ورواندا إلى إقامة محاكم برعاية الأمم المتحدة في لاهاي وأروشا. وفي عام 1998، تفاوضت دول العالم على قانون روما الأساسي، مما أدَّى إلى تأسيس المحكمة الجنائية الدولية في عام 2002، وهي أول محكمة دائمة تطبق القانون الجنائي الدولي.

وتضم المحكمة الجنائية الدولية حاليًا 123 دولة عضو. وقد عقدت عدة محاكمات وأصدرت خمس إدانات بجرائم فظيعة. وفي عام 2015، انتقلت إلى مقرها الدائم، وهو مجمع مبانٍ ضخم في لاهاي. وكُتب على لوحة في مدخل هذا المجمع «نحو عالم أكثر عدالة».

وعلى الرغم من هذه الإنجازات الكبيرة، تواجه المحكمة عديدًا من التحديات الوجودية. فقد أدَّى التركيز على الصراعات الأفريقية والمدَّعى عليهم الأفارقة إلى مقاومتها. ودعا الاتحاد الأفريقي في مناسبات عديدة الدول الأفريقية إلى الانسحاب منها.

وتعاني المحكمة أيضًا للحصول على تعاون من الدول الأعضاء، مما يجعل التحقيق مستحيلًا. وعلاوةً على ذلك، نجد أن بعض أقوى دول العالم، بما في ذلك الهند وثلاثة من الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة – روسيا والصين والولايات المتحدة – ليسوا أعضاءً في المحكمة وغالبًا ما يعارضونَها.

وفي هذا المشهد المشحون، كانت محاكمة حبري وإدانته بمثابة هدية للقانون الدولي والمحكمة الجنائية الدولية التي تتعرض لمتاعب.

منافِسَة أم حَلِيفة؟

وعلى الرغم من أن المحكمة الخاصة التي جرى إنشاؤها لمحاكمة حبري على الفظائع التي ارتكبت في تشاد في المدة من 1982 إلى 1990 قد تبدو منافِسَة للمحكمة الجنائية الدولية، إلا أنه من الأفضل النظر إليها على أنها حَلِيفة للمحكمة الدولية.

أولًا، لم يكن من الممكن أبدًا أن تنظر المحكمة الجنائية الدولية في قضية حبري، حيث لا يمكنها إلا أن تنظر في القضايا المتعلقة بالجرائم التي وقعت بعد تأسيسها في عام 2002.

دولي

منذ 3 شهور
«فورين بوليسي»: كيف تستمر فرنسا في تدمير الديمقراطية في تشاد؟

ثانيًا، كانت محاكمة حبري متوافقة مع مبادئ القانون الجنائي الدولي وتفاصيله. والمحكمة الجنائية الدولية هي محكمة الملاذ الأخير، وهي مصمَّمة للتدخل فقط عندما لا تستطيع المحاكم المحلية التدخل أو عندما لا تريد التدخل. لذلك، فإن الملاحقة القضائية المحلية للجرائم التي تعترف بها المحكمة الجنائية الدولية تفي بولاية المحكمة. وعلاوةً على ذلك، بما أن القانون الجنائي الدولي يتحدى الفكرة القائلة إن القوة تصنع الحق، فإن تحدي الحصانة السيادية والإفلات من العقاب يُعد أحد أهداف المحكمة الجنائية الدولية.

أخيرًا، قدَّمت إدارة السنغال المُنظِّمة للقضية مثالًا على كيفية قيام المؤسسات المحلية بأداء أحكام القانون الجنائي الدولي. واكتملت المحاكمة في الوقت المحدد وبميزانية محدودة ولم يفسدها شهود الضحايا أو الفساد البيروقراطي.

وهكذا، وعلى الرغم من التركيز الشديد على محاكمة حبري باعتبارها «مؤسسة أفريقية» غالبًا من أجل تمييزها عن المحكمة الجنائية الدولية «الغربية» التي لا تحظى بشعبية، إلا أن محاكمة حبري كانت بشرى سارة للمحكمة الجنائية الدولية ومشروعها الخاص بالقانون الجنائي الدولي.

إرث مختلط النتائج

تضيف الكاتبة: يصبح إرث محاكمة حبري وإدانته أكثر تشوُّشًا عندما نفكر فيما يعنيه ذلك لتشاد. وكما نوقش في الكتاب الذي شاركتُ في تحريره بشأن المحاكمة، كانت القضية المرفوعة ضد حبري مدفوعة من نواحٍ عديدة بضحاياه، وقد مثَّلت إدانته اعترافًا رسميًّا بأن الأضرار التي تعرض لها هؤلاء الضحايا كانت جرائم.

وهذا التحوُّل في النموذج بين الأذى المفجع والجريمة التي يعاقب عليها القانون – ومن ثم يمكن منعها – هو جانب مركزي للقيمة التي يَعِد بها القانون الجنائي الدولي. ومن ناحية أخرى، يمكن القول إن إدانة حبري تمثل بادرة فارغة نوعًا ما إزاء مهمة سهلة للغاية. على سبيل المثال، بينما يعترف حكم المحكمة بالخطأ في حق الضحايا، فإن التعويضات التي أمرت بها المحكمة لم يجرِ تحصيلها أو توزيعها. كما أمرت المحاكم في تشاد أيضًا بتعويضات لكن دون جدوى.

Embed from Getty Images

وعلاوةً على ذلك، استمر جهاز الدولة القمعي الذي أشرَفَ عليه حبري وكان يديره خليفته إدريس ديبي. وكان ديبي ممولًا رئيسًا وداعمًا للقضية القانونية ضد حبري وصولًا إلى النقطة التي بدأت فيها المحكمة التحقيق في الجرائم التي تورط فيها ديبي هو الآخر. وعند هذه النقطة، انتهى تعاونه فجأة.

وحكم ديبي تشاد حكمًا استبداديًّا لأكثر من 30 عامًا حتى وفاته غير المتوقعة في مناوشات عسكرية في وقت سابق من هذا العام. وحل محلَّه ابنه محمد إدريس ديبي، الذي يشرف حتى الآن على انتهاكات النظام التي تذكرنا بتلك التي ارتكبها حبري.

واختتمت الكاتبة مقالها بالإشارة إلى أن قيمة سيادة القانون تكمن في تحدي السلطة وتقييدها. وبهذا المعنى، نجد أن إرث محاكمة حبري وإدانته تعد مشوَّشة النتائج.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد