عن أسبوع الموضة في باريس، كتبت فانيسا فريدمان في صحيفة «نيويورك تايمز»: قبل بضعة عقود خلت، حين كشفت الفنانة جودي شيكاجو عن عملها الرائع «حفلة العشاء The Dinner Party»، وصاغت سؤالها المثير: «ماذا لو حكمت النساء العالم؟» صنعت بموازاة ذلك نموذجًا مجسمًا لنحتٍ ضخمٍ كانت ترغب في تصميمه، أطلقت عليه اسم «The Female Divine».

في ذلك الوقت، لم تتمكن جودي من إقناع أي شخص بتمويل هذه القطعة؛ إذ كان الاتجاه العام يميل إلى التفكير بالطريقة التالية: «من يريد أن يرى مثل ذلك؟». لكن بعد حوالي 40 عامًا، وتحديدًا يوم الاثنين، حققت شركة «ديور Dior» حلم جودي، وحوَّلته إلى حقيقة واقعية؛ وإن كان ما حققته، على أي حال، نسخة الأزياء من هذا الحلم.

تضيف فانيسا فريدمان: أعدت «ديور» مكان العرض على شكل ابتكرته جودي: خيمة يبلغ طولها 250 قدمًا، وعرضها يزيد عن 80 قدمًا، وارتفاعها يصل إلى 50 قدمًا، نُصِبَت في حدائق متحف رودان، حتى تقزَّمت إلى جوارها منحوتات الرخام الفرنسية. يدخل الضيوف عبر مدخل يصل إلى قوس الخيمة، على نحوٍ يشبه الدخول عبر قناة الولادة، ويتمشون داخلها حتى ينتهي بهم المطاف جلوسًا في بطن السيدة.

قالت السيدة جودي، البالغة من العمر 80 عامًا، في مقابلة أجريت معها قبل يومٍ من عرض ديور: «لقد تعلمت أنك لن تعرف أبدًا ما سيحدث إذا عشتَ طويلًا بما فيه الكفاية ونثرت بذور الفن حول العالم». وكذلك الأفكار.

تكمل الكاتبة عرضها قائلة: هذه المرأة يمكنها أن تحكم العالم – أو على الأقل تعمل على سن تشريعات تحكم جانبًا كبيرًا منه – ولم يعد هذا يبدو حلمًا صعب المنال في عهد نانسي بيلوسي رئيسة مجلس النواب، وسانا مارين رئيسة وزراء فنلندا، وأورسولا فون دير لين رئيسة المفوضية الأوروبية، ومسيرة النساء «Women March» الرابعة، التي نُظِّمَت قبل يومين من عرض «ديور». وبالنسبة لشركة «ديور» نفسها، فإن ملابسها النسائية تصمم الآن بأيدي امرأة، هي ماريا جراتسيا شيوري.

أول مديرة فنية لـ«ديور»

منذ عام 2016، عندما أصبحت السيدة شيوري أول امرأة تشغل منصب المديرة الفنية للدار، جعلت مهمتها: الدفاع عن القضايا النسوية ومناصرتها، فصممت شعارات مستوحاة من الكلمات المؤيدة للمساواة التي أطلقها أمثال الكاتبة النيجيرية شيماماندا نجوزي أديشي، والشاعرة النسوية روبن مورجان، مع خلفيات تظهر نساء على شكل أحرف الأبجدية من إبداع الفنان والشاعر توماسو بينج. والسيدة جودي (التي قالت عنها السيدة شيوري إنها أحد أكثر النساء التي أثرن فيها)، أصبحت الآن جزءًا من هذه النخبة.

بالإضافة إلى الهيكل، كان معلقًا على الجزء الداخلي 21 راية نسجتها مجموعة من النساء المطرِّزات في الهند (حيث كان التطريز في العادة مهنة للذكور) بدعم من شركة «ديور»، وكانت اللافتات مزركشة بالمزيد من الأسئلة: «هل سيكون هناك عنف؟» «هل ستكون هناك مساواة بين الأبوين؟».

ومع ذلك، ربما يكون هناك المزيد من التساؤلات ذات الصلة: إذا حكمت النساء العالم، فماذا سيرتدين من ملابس؟

«تخيل مينيرفا (إلهة العقل والحكمة عند الرومان) في دافوس، وسوف تستوعب الفكرة».

ترى فانيسا أن هذا هو، في نهاية المطاف، السؤال الذي يطرحه عالَم الأزياء في تصميماته المتغيرة باستمرار. وهو بالتأكيد السؤال الذي يكمن في قلب الأزياء التي تُصَمَّم حسب مواصفات كل فرد.

أما إجابة السيدة شيوري على ذلك السؤال فهي: أحذية مسطحة. ملابس خالية من الحشو، وفساتين رومانية بخيوط مذهبة وأطراف حريرية، وفي الأسفل سراويل من قماش الجاكار بدلًا من الملابس الداخلية، وتيشيرتات من التول الحريري الرقيق الشفاف، والمحاك بطبقات انسيابية عليها زخارف من حرير البيوتر، في عمل فني يغلب عليه الطابع اليوناني.

وأيضًا ملابس داخلية مصنوعة من الشيفون تتدلى من ثنايات الحبل عند أحد الكتفين. وفساتين الفالس (Waltzing) المطرزة بباقات تشبه القمح. وأساور ملتوية على شكل أفعى– حرفيًا – حتى الذراع. وإطلالة ختامية على هيئة قمر براق يرتفع فوق بحر من الخرز الأزرق في منتصف الليل. وكذلك سراويل فضية اللون مصنوعة من الجاكار، تمنح مساحة العرض مِسحة من الأناقة.

تخيل مينيرفا (إلهة العقل والحكمة عند الرومان) في دافوس، وسوف تستوعب الفكرة، كما تقول فانيسا فريدمان.

تكرار التاريخ

ومع ذلك، كان من الصعب ألا تتساءل الكاتبة: إذا حكمت النساء العالم، فهل يستحقن أن يرتدين الملابس التي تعيد تعريفهن بالكامل، بدلا من جعلهن يبدون وكأنهن طراز أكثر حداثة من النماذج السابقة؟

وتردف: إن هدف التعلم من التاريخ هو الاستفادة منه وليس تكراره. ولكن في تصميم الأزياء– ربما لأنه غالبًا ما يُنظر إليه على أنه الحبل السُّريّ المرتبط بالماضي– لا يبدو أن المصممين يستطيعون التوقف.

Embed from Getty Images

عَرْض مصمم الأزياء الإيطالي جيامباتيستا فالي لأكثر من 30 توقيعًا يطل على متحف «جو دي باومي Jeu de Paume»، على سبيل المثال – فساتين الكرانيش مصنوعة من قماش التفتا الحريري، المغطاة ببتلات من قماش الأورجانزا، وفساتين سهرة  براقة من قماش التول النرجسي، وأثواب طويلة من الحرير الأخضر الزيزفوني مرصعة بالكريستال – على طراز جاكلين أوناسيس، زوجة الرئيس الأمريكي الراحل جون كنيدي، والصحفي والممثل الأمريكي ترومان كابوت.

واعتمدت تصميمات دانيال روزبيري لسكاباريلي إلى حد كبير على الطراز السريالي التقليدي للدار. فيما واصلت شانيل بتصميمات فرجيني فيارد بالرموز التي وضعها معلمها وسلفها كارل لاجرفيلد، وإن كان بطريقة أصغر.

وفي مجموعة صممت لمحاكاة حدائق الخضروات في دار الأيتام في أوبيزين بفرنسا، حيث أمضت كوكو شانيل شبابها بين الراهبات و(على ما يبدو) الطماطم، مكتملة بأقمشة الكتان، أطلقت السيدة فيارد مجموعة كاملة باللونين الأبيض والأسود تقريبًا. وأطواق دائرية خلابة وأخرى مزركشة وملابس مؤطرة بالجواهر وفساتين الباليه وفساتين السهرة ذات الأكتاف الملفوفة من الأورجانزا التي تتلألأ كالنجوم.

تردف فانيسا: كانت الخطا خفيفة، ورسالتها خالدة، ولكن ذات طراز قديم في الواقع. وبرغم كل شيء، كانت هذه أدوارًا، بعد كل شيء، قيدت المرأة في الماضي.

لكن شانيل استطاعت أن تتحرر، على النقيض من السيدة فيارد التي لم تستطع فعل ذلك بعد. على الأقل، هي تتحرك نحو الاتجاه الصحيح وإن كان ذلك بخطا متثاقلة.

أحدها تشغله حاليًا إريس فان هرين، وهي مصممة لا يرتبط خيالها بتوقعات النماذج السابقة، بل يتشكل من خلال البحث عن النماذج والتقنيات المستقبلية: الطباعة ثلاثية الأبعاد، القطع بالليزر، الربط الحراري. وكانت النتيجة وجود سديم من أنسجة الأورجانزا، والشيفون والقطن، وطبقات زيتية وزجاجية، تلتف حول الجسم في تدفق مستمر. وبدلًا من الصورة الظلية، فإن ملابسها تحتضن التطور.

تختم الكاتبة جولتها بالقول: إن تحديث الوضع الحالي القائم يمكن أن يكون رائعًا. ولكن أن تضع قواعدك الخاصة، فهو حقًا شيء بالغ الروعة.

لايف ستايل

منذ سنة واحدة
من باريس إلى نيويورك.. كيف ظهرت عروض الأزياء وأسابيع الموضة العالمية؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد