نشر موقع «فورين أفيرز» مقالًا للباحثة في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «تشاتام هاوس» في لندن، سنام وكيل، تحت عنوان «المملكة المقهورة»، تتساءل فيه عن إمكانية شفاء السعودية من خمسة أعوام من الغطرسة.

وتبدأ وكيل مقالها، الذي ترجمه «عربي21»، بالقول إن «السعودية تسلمت في 1  ديسمبر (كانون الأول) رسميًا رئاسة مجموعة الدول العشرين، فهذا المنبر الدولي الاقتصادي المهم تتداول الدول الأعضاء على رئاسته، حيث يتم نقل الرئاسة بشكل رسمي أكثر من كونه أمرًا جوهريًا، إلا أنه بالنسبة للسعودية فإن الرهانات عالية».

وتشير الكاتبة إلى أن «السعودية هي الدولة العربية الوحيدة في المجموعة، وتتولى الرئاسة في وقت يتسم بالغموض، وتعرضت فيه صورة المملكة للتشويه بعد سلسلة الأزمات المحلية والدولية، من التدخل العسكري الكارثي في اليمن، إلى الضغوط على دولة قطر، إلى مقتل الصحافي جمال خاشقجي العام الماضي، فيما عانت سمعة ولي العهد محمد بن سلمان وشرعيته في الداخل والخارج، ولم يصل المال الخارجي الذي تحتاجه المملكة لتطوير اقتصادها القائم على موارد النفط».

وتفيد وكيل بأنه «في محاولة لتصحيح صورتها مع اقتراب اجتماع مجموعة العشرين في الرياض، في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، يبدو أن هناك إشارات إلى هذا التحول، فلأول مرة منذ سنوات بدت الرياض منفتحة لفكرة التسوية مع الحوثيين في اليمن، والتصالح مع دولة قطر، وكلتا الخطوتين ستشكلان المشهد السياسي في الخليج، ولم يكن أحد يتوقعهما في الماضي، ومع أن حل النزاعين ليس بتلك السهولة، فحلهما يحتاج إلى التزام طويل الأمد، لكن لفتات الرياض التصالحية هي نذير خير للمنطقة».

وترى الباحثة أن «العام المقبل سيكون مهما بالنسبة لمحمد بن سلمان، الذي سيخلف والده على عرش المملكة، ومنذ تولي والده الحكم عام 2015 وتعيينه وليا للعهد في يونيو (حزيران) 2017، عزز محمد بن سلمان سلطته بطريقة لم تحصل لأحد من قبله، وقام بتهميش الأمراء الذين يشكلون تهديدًا عليه، وقام بطريقة تدريجية باستبدال بالقيادة القديمة من الوزراء والتكنوقراط كادر شابًا مواليًا له، ففي نهاية عام 2017 أمر بحملة مكافحة فساد سجن فيها أمراء ورجال أعمال في فندق ريتز كارلتون؛ ما ترك آثاره الاهتزازية داخل قطاع رجال الأعمال في المملكة، وقام بمركزة السلطة من خلال هيئة سياسية وأخرى اقتصادية».

وتلفت وكيل إلى أن «ابن سلمان بدأ سلسلة من الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية، فعبر سلطته الجديدة بدأ محاولات فطم المملكة عن النفط وتخفيض البطالة، وهو ما عرف برؤية 2030، التي يقصد منها تشجيع القطاع الخاص وبناء السياحة وتطوير المهارات، وكان قد وضع أسهم 1.5% من شركة (أرامكو) في السوق المالية، وهو الاكتتاب الأول في تاريخها، من أجل نقل ريع البيع إلى هيئة الاستثمارات العامة للإنفاق على تنفيذ رؤية 2030».

وتفيد الكاتبة بأن «محمد بن سلمان صور نفسه بأنه مدافع عن الشباب في بلد تعد فيه نسبة الشباب تحت سن الـ30 الغالبية، فقام بسلسلة من الإصلاحات التي سمحت للمرأة بقيادة السيارة والسفر دون إذن ولي الأمر، وخفف القيود على الترفيه والحفلات الموسيقية، التي أصبحت واضحة في المراكز الحضرية، ولم تجد التغيرات معارضة من السلطة الدينية القوية التي حد من سلطاتها، بالإضافة إلى أنه اعتقل عددًا من رجال الدين البارزين».

وتستدرك وكيل بأنه «رغم ما في هذه الخطوات من إيجابية، إلا أنها أرفقت بسياسات قمعية مثيرة للجدل، طالت دعاة حقوق الإنسان والناشطين والناشطات، فقبل رفع الحظر عن قيادة السيارة قامت السلطات في مايو (أيار) 2018 باعتقال ناشطات دافعن عن حق المرأة بقيادة السيارة، مثل لجين الهذلول، وعزيزة اليوسف، وإيمان النجفان، وهاتون الفاسي، واتهمهن المدعي العام السعودي بتعريض الأمن القومي للبلاد للخطر، والتآمر مع دولة أجنبية يعتقد أنها قطر».

وتنوه الباحثة إلى أنه «عندما دعت كندا لإطلاق سراح الناشطات، فإن السعودية قررت قطع العلاقات مع أوتاوا، ولو لم تكن هذه الخطوة دليلًا على عدم تخلي الرياض عن أسلوبها القمعي، فإن قتل وتقطيع جمال خاشقجي في أكتوبر (تشرين الأول) 2018 في إسطنبول، كان دليلًا واضحًا على أنها لم تتخل عن أساليبها».

وتشير وكيل إلى أن «هناك خطوات أخرى وكوارث أثرت على سمعة السعودية الدولية، منها اختطاف واعتقال رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري في نهاية عام 2017، وقد كشفت هذه الحادثة التي أفرج من خلالها عن الحريري عن محدودية الدور السعودي في تشكيل السياسة المحلية في منطقة الشرق، وكذلك الحرب الكارثية في اليمن، التي أدت إلى شجب دولي، وكما هو الحصار على دولة قطر الذي تقوده ضدها مع الإمارات العربية المتحدة».

وتلفت الكاتبة إلى أن «النقد من الكونجرس كان حادًا، ودعا النواب والشيوخ لإعادة النظر في العلاقة مع السعودية، وأثر هذا على الوضع الاقتصادي، حيث ارتفع الاستثمار المباشر، من 1.4 مليار دولار عام 2017 إلى 3.2 مليار دولار عام 2018، وهو رقم أقل من الأرقام المسجلة في ذروة عام 2008».

وتفيد وكيل بأن «انهيار أسعار النفط والحرب المكلفة التي تنفق عليها السعودية بما بين 5- 6 مليار دولار فاقما مشكلات المملكة المالية، بالإضافة إلى الهجمات التي دعمتها إيران ضد المنشآت النفطية في السعودية في  سبتمبر (أيلول) 2019».

وتقول الباحثة: إن «السعودية اكتشفت مخاطر التدخل وزيادة اعتماد الحوثيين على إيران بدلًا عن احتواء تأثيرها؛ ما دعاها للبحث عن سياسة للخروج، ففي نوفمبر (تشرين الثاني) أسهمت السعودية بعقد مصالحة بين القوى المعادية للحوثيين، وأرسلت وفودا للقاء الحوثيين، على رأسها نائب وزير الدفاع، خالد بن سلمان، شقيق ولي العهد، وهذا كله يشير إلى محاولة السعودية للخروج من اليمن، لكن في حالة قطع اعتماد الحوثيين على إيران».

وتبين وكيل أن «قطر لم تعد خارج النقاش، ففي عام 2017 تحالفت السعودية ومصر والإمارات والبحرين واليمن ضد قطر، وطالبتها بقطع علاقتها مع إيران، وإغلاق قناة «الجزيرة»، من بين عدة أمور، لكن الحصار كان مهزلة، وتغلبت قطر على الحصار، وبعد عامين لم تعد مستعدة لتقديم تنازلات، وفي السياق ذاته فإن السعودية تقوم بمحاولات لرأب الصداع بين دول التعاون الخليجي، حيث يمكن التوصل إلى معاهدة عدم تدخل بين دوله، كما حدث عام 2014، بعد النزاع الأول مع قطر».

وتجد الكاتبة أنه «مهما كانت الخطوات التي تقوم بها السعودية فإن وقف النزاع ليس سهلًا، فهي بحاجة لتحقيق سلام بين الأطراف المتنازعة في يمن ما بعد الحرب، وعليها الاستثمار بشكل واسع في عملية إعادة البناء، وتخفيف قدرة الجماعات الإرهابية على التجنيد وشن الهجمات، أما قطر فالوقت وبناء الثقة هما الكفيلان ببناء الثقة بين السعودية وقطر والإمارات».

وتختم وكيل مقالها بالقول إنه «على المستوى المحلي فإن عمليات القمع المستمرة للصحافيين والناشطين لا تدعو إلى التفاؤل، وربما حققت رؤية 2030 منافع اقتصادية، لكن الحريات السياسية والفردية ليست مطروحة على طاولة النقاش، ومن هنا فقد تكون رئاسة السعودية لمجموعة العشرين مفتاحًا لتعيد تشكيل صورتها وتحسينها».

«فورين أفيرز»: على طريقة هتلر وماو.. كيف ما زال الطغاة يشكلون تاريخ بلادهم؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد