عبد الكريم العدوان 19
عبد الكريم العدوان 19

تخيل أنك في العاشرة من عمرك، تعيش في مدينة متوسطة الحجم وترغب في زيارة صديقك الذي يبعد عنك مسافة خمس دقائق مشيًا على الأقدام لتذهبوا إلى الحديقة التي تحتاج أيضًا مسافة 10 دقائق أخرى للوصول إليها، لكن المشكلة تكمن في الطريق الكبير والخطير الذي يفصل بينك وبين صديقك وآخر بينكم وبين الحديقة، بالطبع تسأل والديك إذا كنت تستطيع الذهاب مشيًا، ويقولون لا، وهم مشغولون جدًا ليأخذاك إلى هناك.

في تلك الحالة ربما كنت ستتحدث مع صديقك عبر برنامج سناب شات، أو كنت ستستلقي على الأريكة وتلعب بألعاب الفيديو وبهذا فقد خسرت الوقت الذي تستطيع فيه اللعب مع أصدقائك خارج المنزل. هذا هو الواقع لكثير من الأطفال اليوم ولكن ليس من الضروري أن يكون بهذه الطريقة.

هكذا بدأت الصحافية لورا لاكر تقريرها في صحيفة «الجارديان» حول واقع الكثير من الأطفال في المناطق الحضرية وعزلتهم في المنزل مع أجهزتهم الذكية والمدن التي تسعى في سبيل صناعة طرق مبتكرة للحفاظ على صحة الأطفال الاجتماعية.

يقول أن تيم جيل مؤلف كتاب «لا خوف من النشأة في مجتمع يكره المخاطر»: «إن المدينة الصديقة للطفل هي التي تسمح للأطفال بممارسة حرياتهم اليومية حيث تمكنهم من النمو واستكشاف ما حولهم» ويرى جيل أن نظم التخطيط موجهة نحو السيارات، وبناء المنازل والاقتصاد بدلًا من البيئة والصحة ونوعية الحياة ويكمل جيل: «إن هذا خطأ المجتمع حيث لن تجد أي مخططين حضريين يخالفون ذلك لأن صانعي القرار لدينا هم سياسيون مختصون في المدى القصير ولا يحتاجون إلى النظر إلى ما بعد السنتين أو السنوات الثلاث القادمة».

وأوردت الكاتبة تقريرًا حديثًا من مؤسسة أروب البحثية يحدد خمسة تحديات للأطفال في المناطق الحضرية وهي: حركة المرور والتلوث، ارتفاع المعيشة والتوسع العمراني، الجريمة والمخاوف الاجتماعية، النفور من المخاطر والعزلة، والتعصب وعدم المساواة.

ولكن في الأحياء الحضرية في جميع أنحاء العالم، يكتسب التصميم الصديق للطفل زخمًا من المشاريع التي يقودها المجتمع المحلي في معالجة الطرق الخطرة إلى المدارس والملاعب وإعادة تخطيط السياسات على مستوى المدينة والأحياء السكنية للأطفال وفيما يلي تستعرض الكاتبة خمس مدن صديقة للأطفال:

تيرانا (ألبانيا): الثقة في الأغلبية الصامتة

تفتخر مدينة تيرانا بـ«مجلس المدينة لليافعين»، حيث يلتقي ممثلو المجلس من الشباب عمدة المدينة ويناقشون مطالبهم ويعودون بالمخرجات الناتجة إلى مدارسهم.

أظهر مسح بحثي أن أهالي مدينة تيرانا ينفقون أكثر على سياراتهم من أطفالهم حيث يقول إريون فيلياج عمدة مدينة تيرانا: «لا يجب أن نقلل من شأن الأطفال» فقد استخدم فيلياج نتائج المسح لإعادة ترتيب الأولويات. وقامت الشركات في القطاع العام والخاص برعاية تحويل رياض الأطفال ودور الحضانة من أماكن غير محببة إلى أماكن جميلة في تلك المدينة المعتمدة على التمويل المالي.

التغيير ليس دائمًا سهلًا في المدينة التي تكون فيها السيارات هي العامل الأقوى، وقد اعتبر سكان مدينة تيرانا أن إغلاق حركة المرور المتكرر في ساحة سكاندربيغ المخصصة للأطفال مقنع، حيث إنها مساحة خالية من السيارات وتمتد منطقة المشاة بمقدار شارع واحد كل ثلاثة أشهر حتى تصل إلى مركز المدينة وتصبح في نهاية المطاف خالية تمامًا من السيارات وبفضل هذا الأمر انخفضت نسبة الملوثات بمقدار 15%.

توضع أشجار أعياد الميلاد للأطفال في غابة المدينة من قبل الأسر في مواقع مخصصة لها حيث يقول فيلياج: «عندما تتحدث دول أخرى عن بناء الجدران، نبني نحن جدرانًا من الأشجار». ويتم توفير حوالي 60% من الأشجار من قبل المواطنين والشركات الخاصة بينما توجد مناطق مخصصة أخرى للمشي وركوب الدراجات والنقل العام.

يقول فيلياج: «إن الأقلية التي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالمصالح الخاصة ستحدث الكثير من التغيير لذلك يتوجب علينا الثقة في الأغلبية الصامتة». وهذا ما حدث بالفعل!

تفتخر مدينة تيرانا بـ«مجلس المدينة لليافعين»، حيث يلتقي ممثلو المجلس من الشباب عمدة المدينة ويناقشون مطالبهم ويعودون بالمخرجات الناتجة إلى مدارسهم، إن الشيء العظيم في الأطفال كما يقول فيلياج: «إن الأطفال ليس لديهم أي أجندة خفية – وهم أفضل المدافعين لإقناع والديهم بإعادة التدوير والذهاب إلى المدرسة مشيًا أو بواسطة الدراجة الهوائية».

روتردام (هولندا): مساحات برية للأطفال

تم تحويل غابة حديقة المدينة إلى ساحة لعب برية تمنح الأطفال فرصة اللعب والاستكشاف ويمكنهم الاستمتاع ببناء الأوكار والتخييم وإشعال نار المخيم والتجمع حولها.

صنفت مدينة روتردام باعتبارها أقل المدن جاذبية في عام 2006، ومنذ ذلك الحين أنفقت 15 مليون يورو (13.2 مليون جنيه إسترليني) على التحسينات في الأماكن العامة لمحاولة بناء مدينة صديقة للأطفال فقد تم تحويل غابة حديقة المدينة إلى ساحة لعب برية تمنح الأطفال فرصة اللعب والاستكشاف ويمكنهم الاستمتاع ببناء الأوكار والتخييم وإشعال نار المخيم والتجمع حولها وتجذب تلك المساحة الآن 35 ألف زائر في السنة.

حولت بعض الملاعب المدرسية إلى ساحات مجتمعية ذات مساحات مخصصة للأطفال تتضمن مرافق رياضية وأنشطة ترفيهية مثل البستنة المجتمعية، مما أتاح للأطفال تجربة الحياة داخل المجتمع الأوسع.

تاريخيًا فإن المساكن الاجتماعية في مدينة روتردام ذات مستويات عالية فالبرنامج المجتمعي الذي شرعت به المدينة يستند إلى محاولة إبقاء الأسر ذات التعليم العالي، ويجري الآن بناء مئات من المنازل العائلية المنفصلة حول وسط المدينة مع الكثير من المساحات الخضراء، ومساحات مخصصة للعب ومدارس ذات تصنيف عالٍ لكل حي، يسمح البرنامج للسكان بالمزايدة على تحسينات الشوارع وتحسين حركة المرور ومواقف السيارات لأشياء مثل أحواض الزراعة أو المقاعد العامة.

بوغوتا (كولومبيا): تحديد المناطق الخطرة

لتقليل السرعة المرورية للسيارات وإنشاء مساحة لعب جديدة تم استخدام الإشارات الإرشادية لتمييز الطريق بين روضة الأطفال والمدرسة والمنتزه.

قال إنريكي بينالوسا العمدة السابق لبوغوتا ذات مرة: «إن الأطفال يعتبرون من أنواع المؤشرات إذا استطعنا بناء مدينة ناجحة للأطفال فسوف تكون لدينا مدينة ناجحة للجميع».

في أحد أفقر أحياء المدينة (سيوداد بوليفار) يعمل أفراد المجتمع مع مبادرة مجتمعية تستهدف الأشخاص الذين يقل طولهم عن 95 سم، لتحديد الأماكن الخطرة وكيف يمكن معالجتها والحد من الحوادث الخطيرة في تلك المنطقة ذات المساحات الخضراء شبه المعدومة ومعدلات جريمة عالية.

ولتقليل السرعة المرورية للسيارات وإنشاء مساحة لعب جديدة تم استخدام الإشارات الإرشادية لتمييز الطريق بين روضة الأطفال والمدرسة والمنتزه بينما تم طلاء المباني بألوان زاهية، وتكمن الفكرة في استخدام «التمدن التكتيكي» لإجراء التغييرات البسيطة، ويتم تشجيع المجتمع للحفاظ على المرافق الجديدة فإذا لم يفعل السكان ذلك فلن تستطيع المدينة التكفل بصيانة الأعطال.

ليكسينغتون (الولايات المتحدة): الحدائق المائية

كانت العائلات تخالف القواعد في متنزه ثوروغريد باللعب في النافورات العامة ولكن بدلًا من فرض العقوبات على السكان قرر مجلس المدينة أن يجد حلًا للمشكلة.

في ليكسينغتون كنتاكي، حيث تتجاوز درجات الحرارة في الصيف 27 درجة مئوية كانت العائلات تخالف القواعد في متنزه ثوروغريد باللعب في النافورات العامة، ولكن بدلًا من فرض العقوبات على السكان قرر مجلس المدينة أن يجد حلًا للمشكلة، فقد أجري مسح عام للمدينة وكانت النتائج أن الطلب مرتفع على المساحات الخارجية الخاصة للعب بالماء.

في الصيف التالي، تم تركيب نوافير ماء منبثقة في المنتزه وأثرها كان إيجابيًا فالتثبيت المؤقت جذب الناس من جميع أنحاء المدينة وإلى جانب نافورة المياه الراقصة، كانت هناك طاولات ومظلات شاطئية وغرف لتغيير الملابس في الموقع ومراحيض قريبة وسهلة الوصول.

توافد الناس إلى المنتزه بشكل كثيف وزاد عدد الزائرين في النهار إلى ثلاثة أضعاف تقريبًا، والجدير بالذكر أن 80% من الأشخاص لم يزر المنتزه من قبل أو كانوا يترددون عليه بشكل غير منتظم، وتتطلع المدينة إلى تكرار نجاح المشروع في المتنزهات الأخرى.

فانكوفر (كندا): إسكان مناسب للعائلة

تهدف استراتيجية الإسكان في فانكوفر إلى معالجة القضايا المعقدة المتعلقة بالمساكن في المدينة.

ساهمت سياسات الإسكان للعائلات في فانكوفر التي تأسست في التسعينيات في مضاعفة النسبة المئوية للأطفال الذين يعيشون في وسط المدينة بين عامي 2001 و2011، وعادةً ما تحدد إرشادات السكن عالي الكثافة في المدينة إلى أن تكون مشاريع الإنشاءات بعيدة مسافة نصف ميل عن المدارس ومراكز الرعاية ومحلات البقالة وأن يكون لها طرق آمنة للمشي، هذه السياسات تظهر أهمية الفرص الاجتماعية لجميع الأعمار.

تقوم فانكوفر ببناء منطقة النهر على أراضٍ صناعية مساحتها 25 فدانًا من الحدائق ويضم مشروع البناء مدرسة ابتدائية ومركزًا اجتماعيًا وأربعة مراكز لرعاية الأطفال. بالإضافة إلى الشقق السكنية الفاخرة وتهدف استراتيجية الإسكان في فانكوفر إلى معالجة القضايا المعقدة المتعلقة بالمساكن في المدينة.

في الصيف الماضي حصل ملعب كريك سايد الشهير على إصلاحات بقيمة 900 ألف دولار ويصنف الآن باعتباره أكبر ملعب في فانكوفر ويحتوي على آلات موسيقية، وأبراج تسلق، ومنزلقات للأطفال بالإضافة إلى فرص اللعب في الأحواض الرملية والمائية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

تعليقات الفيسبوك