سلط كريس بارانيوك في مقال له على موقع شبكة «سي إن إن» الأمريكية الضوء على آثار الجوع المدمرة ـ التي لا تمحى ـ على حياة الأفراد.

يسرد بارانيوك حكاية السيدة كيري رايت الفقيرة. التي تضور بطنها من الجوع، لكنها لم تعد تشعر به حتى أصبح الجوع وضعًا طبيعيًا متكررًا. رايت هي أم لثلاثة أطفال تعيش في أبردين. وقد احتاجت إلى إعالة أطفالها، الذين دخلوا مرحلة المراهقة للتو.

«الجارديان»: الجوع يهدد بريطانيا بحلول 2019! تعرف إلى السبب

وبسبب شح الطعام، لم يستغرق الأمر وقتًا طويلًا حتى بدأت تتجاهل بعض الوجبات. عجزت عن النوم رغم شعورها بالتعب. ولم ترغب في تناول الطعام رغم جوعها، وحتى إذا أكلت، فستكون مريضة من حين لآخر. كان رأسها مرتبكًا، وعانت في الحفاظ على صحتها النفسية.

كافحت رايت حتى تخفي معاناتها عن أطفالها – يشير بارانيوك. فكانت تتجول في أنحاء المنزل وهي تتكئ على الأثاث، حتى لا تسقط. وقد علمت في النهاية أن نقص الحديد الحاد هو سبب الإرهاق الفظيع. وقد استمر هذا الحال لنحو عامين.

لكنها لم تكن قلقة بشأن صحتها. بل كان أطفالها هم أكثر ما يثير قلقها. راحوا يسألوها: لماذا تشعرين بالدوار طوال الوقت؟ ولماذا تأخذين هذه الحبوب من الطبيب؟

عادت ذات يوم إلى المنزل لتجد كوبًا من الحليب على الطاولة. كان ابنها، القلق عليها، قد سكبه لها. وراقبها وهي تشربه بأكمله. «الآن لا ينبغي أن يكون الأمر هكذا»، تقول الآن متذكّرة. «لا ينبغي أن يقلق الأطفال بشأن والديهم بهذا الشكل».

اليوم ما عاد يقلقها تدهور صحتها ـ يشدد بارانيوك ـ بل الحالة النفسية لأطفالها. فما هي الندوب النفسية التي ستلازمهم في أعقاب مشاهدة والدتهم وهي تتضور جوعًا؟

بنوك الطعام

سمعت رايت ببنك الطعام لأول مرة في جمعية خيرية محلية. لقد أصبحت بنوك الطعام، التي تقدم الطعام للمحتاجين مجانًا، أكثر شيوعًا. لكنها ترددت في البداية في الذهاب. فقد شعرت بالرعب من أنها إذا طلبت المساعدة من بنك الطعام، فإن الخدمات الاجتماعية ستأخذ أطفالها منها.

ثم أتت رايت بخطة؛ إذ ستتقدم لتصبح متطوعة في بنك الطعام. تقول: «لقد شعرت بالتحسن بعض الشيء، حيث سيشبه الأمر العمل قليلًا».

بنك طعام في إنجلترا

وخلال الأيام الأولى، شعرت بالحرج والغربة من المكان – يكشف بارانيوك. لكن إحدى الموظفات، كيلي دونالدسون، أخذتها تحت جناحها. بين الحين والآخر، جمعت دونالدسون كمية صغيرة من الطعام لصديقتها الجديدة في نهاية اليوم. «هذا هو عشاؤك الليلة»، كانت تشجع رايت وهي تسلمها كيس الطعام.

تزداد المؤشرات على أن الكثير من الأطفال في البلدان الغنية يعانون الجوع وآثاره السلبية. في الآونة الأخيرة، انتقد المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالفقر المدقع وحقوق الإنسان الحكومة البريطانية لمشاهد الفقر التي شاهدها في رحلته إلى المملكة المتحدة. وقال: إن مدى فقر الأطفال في المملكة المتحدة «ليس مجرد وصمة عار، بل كارثة اجتماعية اقتصادية».

وأضاف «إن الأطفال يظهرون في المدرسة بمعدة فارغة، وتوزع المدارس الطعام عليهم وإرسالهم إلى المنزل لعلمهم أن الطلاب سيعانون من الجوع».

الفقراء يزدادون في بريطانيا

يقول بارانيوك: :إن جميع العمال الذين تحدثوا إليه في بنوك الطعام البريطانية يقولون: إنهم لاحظوا زيادة حادة في الطلب في العام الماضي. أحد الأسباب المذكورة هو التغييرات والتخفيضات في استمارات الإعانة، وخاصة نظام الائتمان الشامل الجديد، والذي يمكن أن يؤدي إلى فجوات بين المدفوعات التي تجعل الناس غير قادرين على شراء الضروريات.

تعد الكلية الملكية لطب الأطفال وصحة الطفل ومنظمة تروسل ترست من بين المعنيين بكيفية تأثير انعدام الأمن الغذائي على صحة الأطفال. لكن ما هي تلك الآثار على وجه التحديد؟ يتساءل بارانيوك.

بحث بارانيوك حكاية رايت في مكالمة هاتفية مع فاليري تاراسوك – أستاذة علوم التغذية وخبيرة في العلاقة بين انعدام الأمن الغذائي والصحة. كما تتعقب الأبحاث التي تستكشف الآثار الطويلة الأجل على الأطفال الذين يعيشون في منازل تعاني من شح الطعام – من جامعة تورنتو. تقول تاراسوك: «هذا بالضبط ما نحتاج إلى القلق بشأنه».

أظهرت الدراسات التي أجراها فريق من جامعة كالجاري، بما في ذلك شارون كيركباتريك ولين ماكنتاير، أن الجوع لمدة قصيرة يتسبب في تدهور الصحة النفسية والجسدية. وهذا يعني أيضًا أن الأطفال تقل فرص استكمالهم دراستهم.

في دراسة استمرت ست سنوات، وجدت ماكينتير وزملاؤهها أن الشباب الذين عانوا من الجوع معرضون بشكل كبير لخطر الإصابة بأعراض اكتئابية. وكتب الباحثون أن الجوع كان له تأثير سام: «لوحظت احتمالات أعلى للأمراض المزمنة والربو بين الشباب الذين عانوا من نوبات متعددة من الجوع مقارنة بأولئك الذين لم يسبق لهم الجوع».

متطوعون يجمعون الطعام للمحتاجين

وقد ظهرت نفس هذه النتائج حتى عندما تم أخذ العوامل الأخرى التي يمكن أن تؤثر على الصحة في الحسبان – إذ يبدو أن الجوع حقًا يلعب دورًا خطيرًا. تقول تاراسوك: «إن آثار الجوع لا تمحى. ومن المؤسف حقًا أن نترك الكثير من الناس يعانون من هذا الوضع».

في المملكة المتحدة ـ يضيف بارانيوك ـ من الصعب الحصول على بيانات مفصلة كتلك التي استخدمتها تاراسوك وزملاؤها. ولكن هناك جهودًا لتوسيع معرفتنا بكيفية ارتباط انعدام الأمن الغذائي بالصحة.

آثار سوء التغذية

يجري حاليًا جهد بحثي كبير بقيادة كلية «King’s» في لندن في حيين كبيرين بجنوب العاصمة، بقيادة إنجريد وولف، استشارية طب الأطفال، التي قالت إن جزءًا من دوافعها للمشاركة في الدراسة كان رؤية المزيد من الأطفال الذين جيئ بهم إلى الطوارئ مصابين بنوبات ناتجة عن نقص الفيتامينات بسبب سوء التغذية الشديد.

يركز الفريق في البداية على الشباب الذين يعانون من أمراض مثل – الأكزيما والإمساك والربو والصرع. من بين أول ألف مشارك يعانون من أية حالة من الحالات السابقة، تبين أن الجوع يشكل مصدر 90% من الحالات.

في المنزل الذي يعتمد على الطعام الرخيص ـ يشير بارانيوك ـ قد تصبح الوجبات الغذائية أقل توازنًا، وبالتالي فإن تناول المغذيات الدقيقة سينخفض نتيجة لذلك. وقد يسبب نقص الحديد – كما عانى كيري رايت – إلى جانب نقص فيتامين «أ» ونقص اليود بعضًا من أوجه القصور الأولى التي ظهرت. فاليود – المتوفر في الأسماك البيضاء ومنتجات الألبان – مهم بشكل خاص لتنمية الدماغ.

كما أن الإفراط في السكريات يمكن أن يؤدي أيضًا إلى مشاكل في الأسنان. بين عامي 2013 و2018، كان هناك ارتفاع بنسبة 18% في عمليات خلع الأسنان بين الأطفال دون سن 18 في إنجلترا. ويرتبط هذا أيضًا بانعدام الأمن الغذائي: فتسوس الأسنان أكثر شيوعًا في المناطق المحرومة.

ودعونا لا ننسى السمنة ـ يستدرك بارانيوك ـ إذ تقول الكلية الملكية لطب الأطفال وصحة الطفل: «إن السمنة مرتبطة بالحرمان». «يبدو أن زيادة الوزن والسمنة في إنجلترا تقل بمرور الوقت بين أقل الفئات حرمانًا، ولكن ليس بين الفئات الأكثر حرمانًا».

تحسين الوجبات الغذائية لا يمكن القيام به فقط عن طريق بنوك الغذاء. ولكن هناك طريقة أخرى – ما يسمى بـ«نهج محوره الشخص». تقول شينا بويد بابتسامة كبيرة «أحب التحدث مع الناس. سوف تفهم ذلك بنهاية اليوم». وهي مديرة مشروع في مؤسسة خيرية تسمى Centrestage، ومقرها جنوب غرب جلاسكو.

عندما تم إطلاق المؤسسة قبل 13 عامًا ـ يكشف بارانيوك ـ أراد مؤسسوها تقديم عروض مسرحية للسكان المحليين. كانت الفكرة هي تدشين عروض كبيرة مع إحداث ضجة قدر الإمكان، على سبيل المثال، في أقسام الدراما المدرسية. ويمكن لأي شخص الانضمام، بغض النظر عن العمر أو الخلفية.

أدرك قادة العمل أن انعدام الأمن الغذائي يمثل مشكلة عن كثب مع المجتمعات المحلية. فإذا كنت جائعًا، فلا يُتوقع منك أن تبدع أمام المئات أو تعمل لساعات طويلة وراء الكواليس. تواصل الجمعية تقديم العروض المجتمعية، ولكن ملء البطون أصبح الآن هدفًا رئيسًا. فشعارهم هو «مرح، وطعام، وصحبة».

أحد المعوزين يتسلم كيس الطعام في نيويورك في أمريكا

ثم يأتي مشروع Centrestage’s On the Road – يواصل بارانيوك كلامه – وهو عبارة عن حافلة تتنقل وتعطي الوجبات. وتقول بويد: إن «ثمة مطبخ ينتج الآلاف من الوجبات الجاهزة كل أسبوع».

ينتج المطبخ الطعام للأشخاص في الأماكن التي تتواجد فيها جمعية Centrestage. وكشف بارانيوك عن أنه جرب وجبة منه – المعكرونة مع الخضروات المشوية وصلصة لذيذة وبعض الجبن المرشوشة في الأعلى ـ فكانت شهية حقًا. كما كان متوفرًا كاري مع الأرز، وأواني حساء الفلفل الأحمر.

توجد في الطابق العلوي من الحافلة منطقة لعب حيث يمكن للوالدين إحضار أطفالهم. التقى بارانيوك بأمين، كل منهما مع ابنة تلهو في منطقة اللعب. تشرح إحدى النساء أنها مصابة بالتهاب المفاصل العظمي في معصمها، لذا فإن الطهي في المنزل ليس سهلًا على الدوام. رغم ذلك، لم ترغب أبدًا في استخدام بنك الطعام.

تقول: «لم أكن أرغب حقًا في أخذ أي شيء من الحافلة، ثم سمعت أنه لم يكن بنك طعام). لكن سائق الحافلة يؤكد أن بنوك الطعام غالبًا ما تطلب قسائم  قبل تسليم الإمدادات. أما هنا، فسيقوم المتطوعون بسعادة بتوزيع الطعام مجانًا، رغم أنهم يسألون عما إذا كان يمكن للناس محاولة التبرع بمبلغ صغير. وفي كلتا الحالتين لا يُرد أحد خائبًا. في منتصف عام 2018، تلقى ما يقرب من 6 آلاف من البالغين وألفين و200 من الأطفال وجبات مجانية.

يمكن أن تتأثر رفاهية الناس بسرعة كبيرة بالجوع، لكن هذه ليست القصة كلها. لذلك إلى جانب الوجبات الرخيصة وورش عمل الطهي ، يهدف موظفو Centrestage والمتطوعون إلى للمساعدة في استصدار استمارات الإعانة أو طلبات الإسكان أو التوظيف. كما تقول بويد: «يمكننا المساعدة بأية طريقة أخرى».

كان العمل لصالح جمعية خيرية هو ما أنقذ رايت – يؤكد بارانيوك. واليوم، تعبر عن حماسة حقيقية للعمل الذي تقوم به. تعمل الآن 29 ساعة في الأسبوع في بنك الطعام – CFINE، في وسط أبردين. بات لديها أخيرًا دخل ثابت. وتقول إنها ستتخلص لأول مرة منذ فترة طويلة من كافة ديونها هذا العام. وقد تحسنت صحة أطفالها. فأصبحوا أكثر نشاطا. الآن يلعبون الرياضة.

يقول الكاتب إنه يستشعر أن رايت، مثل صديقتها كيلي دونالدسون، وجدت دورًا لا يساعدها فقط هنا، والآن إنه شيء يمكنها البناء عليه للمستقبل. وتشير دونالدسون إلى أن رايت أصبحت أكثر سعادة بشكل واضح الآن. فهي تستيقظ كل يوم، وتتزين. ثم تذهب للعمل. وهذا يحدث فرقًا كبيرًا لجميع أفراد الأسرة.

أكثر الدول إهدارًا للطعام: السعودي يهدر 427 كيلو والاتحاد الأوروبي 22 مليون طن

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد