أستلقي وأفكر فيما حدث خلال اليوم وما يمكن أن يحدث غدًا، أصاب بالإحباط والقلق لأنني ما زلت مستيقظة، أفكر كيف ينبغي عليّ أن أكون يقظة في الغد وأعرف أنني سأكون مُتعبَة جدًا. إنه أمرٌ مريع.

ربما تظن أن هذا القول يعود لشخصٍ كبيرٍ في العمر، مُثقلٌ بالمسؤوليات والالتزامات الحياتية، بيد أنه يصدرُ من مراهقةٍ، تبلغ من العمر 18 عامًا الآن؛ لكن الأرق لازمها منذ الطفولة. في هذا الخصوص نشرت «الجارديان» تقريرًا حديثًا يبين أن المشكلة هذه هي بالتأكيد أضخم بكثيرٍ مما نتصور.

مترجم: علميًا.. كيف تؤثر الأحضان في بناء جسم طفلك؟

آلافُ الصغار المؤرقين

يشير التقرير إلى أن آلافًا من الأطفال والمراهقين يواجهون أزمة أرق متفاقمة، مع ارتفاع حادّ خلال الست سنوات الأخيرة في عدد حالات الداخلين إلى المستشفيات من الفئة الناشئة ممن يعانون من اضطراباتٍ في النوم.

وصف الخبراء هذه المشكلة بأنها كارثةٌ خفيّة في مجال الصحة العامة، رابطين هذا الارتفاع بمستويات السمنة المتفاقمة باطراد كبير، والإفراط في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي قبل النوم، وأزمة الصحة العقلية التي تجتاح الشباب.

حلّلت صحيفة الجارديان البيانات الواردة من «إن إتش إس ديجيتال» الشريك الوطني المعلوماتي والتقني لنظام الرعاية الصحية في إنجلترا. كشف تحليل البيانات عن أن نسب الدخول للمشافي مع تشخيص اضطرابات النوم لمن هم في عمر الـ16 وأقل ارتفعت من 6,520 في عاميّ 2012-2013 إلى 9,429 العام الماضي. لهذه النتيجة أهميتها خصوصًا مع ملاحظة أن هنالك انخفاضًا طفيفًا بالنسبة لحالات التشخيص نفسها بالنسبة لجميع الأعمار، إذ انخفضت من 29,511 في عاميّ 2012-2014 إلى 29,184 في 2017-2018.

Embed from Getty Images

يعاني مزيدٌ من الأطفال الآن من القلق والذي يتسبب باضطرابات في النوم

تقول استشارية نوم الطفل في «ذا سليب سانكتشواري» ريتشل تايلور: «مشاكل النوم مسألةٌ كبيرة.. هي أزمةٌ صحيّة عامة خفيّة. تُشخّص الكثير من حالات قلق النوم حاليًا؛ وهي مجال جديد نعاينه الآن، إذ نتعامل مع المزيد من الأطفال ممن يعانون من قلقٍ يتمظهر على شكل مشاكلٍ في النوم».

وفي «ميلبوند سليب كلينك»، العيادة الخاصة بنوم الأطفال في لندن، تصرّح مؤسستها «ماندي غورني» أنه وفي العام الماضي فقط طرأ ارتفاع بنسبة 30% في الإحالات المتعلقة بالقلق ضمن اضطرابات النوم بين الأطفال في سن الدراسة. وتضيف: «إنها زيادة مقلقة للغاية، خاصة إذا ما استمر المعدّل بالارتفاع». منبّهة إلى أن هنالك ارتفاع أيضًا في الوصفات الطبية لهرمون الميلاتونين، وهو الهرمون الذي يفرزه الجسم بشكلٍ طبيعي استجابةً للظلام ويساعد في تحضيرِنا للنوم.

Embed from Getty Images

الضوء الأزرق المنبعث من الشاشات يمنع إنتاج هرمون النوم الميلاتونين

ما الذي يؤرّق الأطفال والمراهقين؟

ترى ماندي غورني أن لاضطرابات النوم أسباب عدة، إذ تقول: «نشعر أن الزيادة في مشاكل النوم مبنيّة بشكل كبير على القلق.. هنالك ضغط المدرسة، وضغط الأقران، وضغط وسائل التواصل الاجتماعي، شهدنا زيادة في الإحالات إثر تفجيرات مانشستر وحوادث إرهابية أخرى، وكذلك الذكرى العاشرة لاختفاء الطفلة مادلين ماكين وغيرها من الأخبار التي يسمعها الأطفال في السيارة وعلى الراديو ومن الأنباء التي تظهر على هواتفهم».

أما فيكي داوسن، مؤسسة «إن إتش إس دونكاستر» الممولة لجمعية نوم الأطفال الخيرية -الخدمة المجانية الوحيدة المتخصصة بتقديم الدعم للأسر فيما يتعلق بنوم الأطفال- فتقول أن جمعيتها تنوء تحت وطأةِ العائلات المحتاجة للمساعدة.

وتشير إلى أن الارتفاع يعود جزئيًا إلى التكنولوجيا وحقيقة أن الضوء الأزرق المنبعث من الشاشات يمنع إنتاج هرمون النوم، مما يجعل الخلود للنوم أصعب من ذي قبل. مضيفةً: «نشهد بشكلٍ متزايد عائلاتٍ يعمل فيها كلا الأبوين مما يجعل وقت النوم متأخرًا أكثر، وبالنسبة لروتين النوم فيمكن أن يتم التعجيل به أو يُلغى تمامًا».

توضح فيكي داوسن أن «روتين النوم الجيد أمرٌ رئيسي للوصول لنمطٍ أفضل من النوم. النظام الغذائي يمكن أن يكون له أثره أيضًا. نرى الأطفال والشباب الصغار ممن يستهلكون الكثير من السكر ومشروبات الطاقة لمحاولة التعويض عن الحرمان من النوم الذي يعانون منه. هذا سيكون له تأثيره على النوم الليلي».

Embed from Getty Images

من الضروري وجود روتين ثابت للنوم، من أجل تأسيس نمط نوم صحيّ وتجنب الأرق

البدانة واضطراباتٌ خطيرةٌ أخرى

عندما تُحرم من النوم وتكون متعبًا يتوق جسمك إلى الطعام غير الصحي، فالأرق يساهم في السمنة.

يوضح التقرير أن معظم حالات الدخول للمشافي المذكورة أعلاه تكون من أجل انقطاع النفس النوميّ، وهو اضطرابٌ خطير يحدث مع الانقطاعات المتكررة للتنفس ليلا، وبلغ هذا الاضطراب ذروته بعدد 8,274 شخصًا في 2017-2018.

ينوّه استشاريّ طبّ النوم في مستشفى إيڤلينا للأطفال «مايكل فاركوار» إلى أن ارتفاع معدلات اضطراب انقطاع التنفس النومي مرتبط بزيادة معدلات السمنة لدى الأطفال.

هنالك 124 مليون طفل يعانون من السمنة المفرطة في أنحاء العالم، بزيادة تتجاوز عشرة أضعاف في العقود الأربعة الأخيرة. أكثر من مليون منهم يعيشون في المملكة المتحدة، والتي تعتبر معدلات السمنة لديها هي الأسوأ في أوروبا الغربية. يضع الوزن فوق الطبيعي عبئًا زائدًا على مجرى التنفس العلوي تسبب بانسدادات لمجرى الهواء، مما يزيد من احتمالات انقطاع التنفس أثناء النوم لأن هواءً أقل سيتمكّن من العبور من خلاله.

هنالك 124 مليون طفل يعانون من السمنة المفرطة في أنحاء العالم، بزيادة تتجاوز عشرة أضعاف في العقود الأربعة الأخيرة. لدينا وباءان رئيسيان يصيبان الأطفال؛ السمنة والصحة العقلية، وركيزة كليهما النوم.

يوضح فاركوار: «لدينا وباءان رئيسيان يصيبان الأطفال؛ أولهما السمنة وثانيهما الصحة العقلية، وركيزة كليهما النوم»، ويضيف: «ظننا دائمًا أن النوم ناتجٌ عن السمنة، لكن هنالك إدراك متزايد الآن بأن الأرق يساهم في السمنة. عندما تُحرم من النوم، يستجيب جسمك عبر تغيير الهرمونات المؤثرة على الشهية والجوع.. وتبدأ بالتوقِ إلى أشياء غير صحيّة عندما تكون متعبًا».

Embed from Getty Images

أطفالنا في خطر

يدعو فاركوار إلى اهتمامٍ ووعيٍ أكبر بمدى أهمية النوم الجيد وخصيصًا للأطفال: «إذا كنت لا تنام بشكل جيد، فإنك لن تعملَ بشكل جيد. المجتمع يقلل من أهمية النوم.. ولكنه أساسيّ للكثير من الأشياء. مثلا، أولئك الذين يعانون من حرمان مزمن من النوم في سنّ مبكرة أكثر عرضة للإصابة بالزهايمر. أشبّه النوم بإجراء اختبار سلامة السيارات كل ليلة لعقلك وجسدك، إذا فاتك لأسابيع أو أشهر فإنك لن تنهار لكن كلما طال تركك له كلما زادت المشاكل والعواقب».

القلق يؤثر سلبًا على النوم، والأرق بدورِه يتسبب بالقلق. لأنك عندما لا تنام بشكلٍ جيد، فإن جسمك لا يعمل بشكل جيد

ويشير فاركوار إلى أن القلق له تأثيرٌ كبير على النوم، وقلة النوم أو انعدامه يمكن بدوره أن يتسبب بالقلق: «يحتاج الأطفال إلى روتين ثابت من وقتٍ مبكر.. روتين ثابت لكن ليس قيدًا صارمًا، يجب أن يتحلى بالمرونة. تشكيل نوع من الوقت الختامي في آخر النهار، مع تقليل استخدام الهواتف الذكية في الساعة الأخيرة قبل وقت النوم هو أمر مهمٌ للغاية لأجل نومِ أفضل».

Embed from Getty Images

العناية بنوم أطفالنا أمر شديد الأهمية، لأن أثره يمتد على حياتهم كلها ويطول سلامتهم الجسدية والعقلية

تقول داوسن أن الدعم الذي يتلقاه الآباء والشباب الصغار يتحدد جودته ومقداره حسب المنطقة التي يعيشون فيها في أنحاء المملكة المتحدة، وفيما يتلقى البعض دعمًا جيدًا في هذا الخصوص تترك العائلات في مناطق أخرى لتعيش أزمةَ وعجزًا عن الوصول إلى أيّ دعم.

وتشكو إحدى الأمهات -سوزان- من جنوب شرق لندن، التي يعاني ابنها البالغ من العمر 14 عامًا من مشاكل في النوم، راجيةَ أن يكون هنالك دعم أكثر من هيئة الخدمات الصحية الوطنية في هذا المجال: «لا تجد أطباء في القطاع العام يفهمون في مجال الأرق إلا إذا كنت محظوظًا». ابن سوزان مصابٌ بالتوحد ومن الشائع أن يكون لدى الأطفال في مثل حالته صعوبات في النوم.

تضيف الأم: «معظم المساعدة التي أتتني كانت من خلال مجموعات دعم الآباء المحلية، ولا يفهم الناس في المدارس في هذه المسألة بالضرورة. من المهم جدًا أن يتم تناول هذه القضية لأنها يمكن أن تتفاقم بسرعة كبيرة لتتحول إلى مشكلة تهدد الصحة العقلية وتؤثر على الأسرة بأكملها».

مترجم: «وأنا في عمرك..».. كيف اختلفت الطفولة عما كانت عليه قبل 30 عامًا؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد