نشر مايكل فيسينتي بيريز، أستاذ مساعد الأنثروبولوجيا بجامعة ممفيس الأمريكية، وماثيو إينجالس، رئيس قسم الدراسات الدولية ودراسات الشرق الأوسط وأستاذ مشارك في دراسات الشرق الأوسط بالجامعة الأمريكية في دبي، مقالًا حول المسلمين في تشيلي وطرق حياتهم وأماكن عبادتهم وعلاقاتِهم بالمجتمع المحلي ومجتمع الإسلام الأوسع في العالم.

ويستهل الباحثان مقالهما بالحديث عن الطالبة الجامعية المسلمة نورا: «نورا» مشهد نادر في جامعة شيلي. ترتدي نورا عباءةً طويلةً أو رداءً إسلاميًّا يغطي كل جسدها باستثناء يديها ووجهها، ويميزها لباسها عن غيرها من الطلاب في الحرم الجامعي. وبين الفصول الدراسية، تبحث نورا غالبًا عن مكان هادئ تتوارى فيه عن الأنظار لتبسط سجادةً صغيرةً وتصلي لربها.

وإذا سأل أحد نورا، كما فعلنا، عن مظهرها المُميَّز في الحرم الجامعي، تقول إنها لا تشغل بالها كثيرًا بذلك. إنها راضية عن لباسها وصلواتها وأسلوب حياتها الذي يعكسه ذلك. ونورا مسلمة تشيلية وهي فخورة بذلك.

ويوضح الباحثان أن تشيلي ليست دولة يتوقع معظم الناس أن يجدوا فيها سكانًا مسلمين. غير أنها ليست فريدة من نوعها في ذلك. على سبيل المثال، وصل بعض المسلمين الأوائل إلى أمريكا اللاتينية في القرنين السادس والسابع عشر. وسافر هؤلاء المسلمون المعروفون باسم «الموريسكيين» إلى المستعمرات على أمل تجنب الاضطهاد في ظل التاج المسيحي في إسبانيا.

وجاء المسلمون أيضًا إلى الأمريكتين خلال القرن الثامن عشر بصفتهم أفارقة مستعبدين في ظل الإمبراطوريتَيْن البرتغالية والإسبانية. وجاء معظم هؤلاء المسلمين من غرب أفريقيا، وفي البرازيل، قادوا واحدة من أكبر الثورات في القارة ضد العبودية. والمسلمون في أمريكا اللاتينية هم أيضًا نتاج هجرات الشرق الأوسط من الإمبراطورية العثمانية خلال أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين.

ويتجلى تاريخ الإسلام هذا في أمريكا اللاتينية اليوم في وجود 1.7 ملايين مسلم يعيشون في أمريكا الوسطى والجنوبية.

الصورة العامة للإسلام

بصفتنا باحثَيْن في الدين والأنثروبولوجيا، بدأ اهتمامنا بمسلمي أمريكا اللاتينية في عام 2018. وفي ذلك الوقت، لم تتناول إلا دراسات قليلة عن الأقليات المسلمة في الأمريكتين تجربة المسلمين في أمريكا اللاتينية. وعلاوةً على ذلك، ركَّز معظم البحث في الأمريكتين على مسائل الاستيعاب أو «الإرهاب»، وأهمل القضايا الأساسية المتعلقة بالمعتقد والممارسة والطائفة.

وبعبارة أخرى، جرى تأطير الإسلام على أنه مشكلة وليس منهج حياة. ووجدنا أنه بسبب هذا البحث، استُبعِدت جاليات مسلمة كبيرة وتجاربها من الصورة العامة للإسلام في الأمريكتين.

مسجد في تشيلي

وبِصفتنا باحثَيْن يعتنقان الإسلام، نفهم عُمْق المعنى الذي يمكن أن يحمله الإسلام للمؤمنين به. ولذلك قررنا تركيز بحثنا على طائفة متنامية من المسلمين في منطقة لا ترتبط عادةً بالإسلام.

الجالية المسلمة.. مجتمع متنوع

يلفت الكاتبان إلى أنه في تشيلي، يُعد الإسلام في المقام الأول نتيجةً للهجرات اللبنانية والسورية والفلسطينية في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. وهرب هؤلاء المهاجرون هم وأحفادهم من بلاد الشام بسبب الأوضاع التي كانت عليها الإمبراطورية العثمانية، واستقروا استقرارًا دائمًا في تشيلي وأسَّسوا المؤسسات الإسلامية الأولى في عشرينيات القرن الماضي.

وعلى الرغم من اختلافاتهم القومية والدينية، وحَّد أعضاء هذه الطائفة المبكرة جهودهم بصفتهم مسلمين لإرساء أساس الإسلام في تشيلي. والآن، وبعد مرور ما يقرب من قرن من بناء أول مركز إسلامي، تفتخر شيلي بأكثر من 13 مسجدًا ومركزًا إسلاميًّا.

وتُعد هذه المواقع التي يتردد عليها ما يقرب من 5 آلاف مسلم، من بينهم السنة والشيعة الذين لديهم مساجدهم ومراكزهم المميزة، بمثابة مراكز مجتمعية للأقلية المسلمة في تشيلي. وتوفر هذه المراكز مجتمعةً مساحات لتعاليم المسلمين وممارساتهم وتعمل بوصفها مصدرًا مهمًّا لرؤيتهم للحياة.

ويشير الكاتبان إلى أن تشيلي واحدة من الدول التي تضم أقل عدد من السكان المسلمين في المنطقة. وعلى الرغم من حجم الطائفة الصغير، يعكس المسلمون التشيليون تنوعًا كبيرًا. ويقدم المسلمون التشيليون صورة مصغرة للعالم الإسلامي من عديدٍ من النواحي. وفي العاصمة سانتياجو، حيث يعيش غالبية المسلمين، يرتبط أكبر مجتمع بمسجد السلام (Mezquita as-Salaam).

وقد أُنشِئ مسجد السلام في عام 1989، والمسجد مفتوح يوميًّا للصلاة ويستضيف جميع الأحداث الإسلامية، بما في ذلك الاحتفالات الليلية خلال شهر رمضان والوجبات الجماعية في العيد. وتدير المسجد حاليًا جماعة التبليغ، وهي حركة دعوية إسلامية عالمية، تقدم معظم التعاليم الإسلامية وتقدم الخطبة الرئيسة باللغتين الإسبانية والعربية لصلاة الجمعة.

كما ترسل جماعة التبليغ أيضًا مَنْ اعتنقوا الإسلام في تشيلي إلى الخارج لتعلم الإسلام وتأخذهم في رحلات دينية في جميع أنحاء أمريكا اللاتينية باعتبار ذلك جزءًا من مهمتهم لتذكير المسلمين بالالتزام بالتقاليد الإسلامية.

الأشخاص الذين اعتنقوا الإسلام

ويضيف الكاتبان: ومسجد السلام مساحة مجتمعية متنوعة. وعلى الرغم من ارتباطهم الرسمي بجماعة التبليغ، ينحدر المسلمون التشيليون من مجموعة من الخلفيات والخبرات.

وكثير منهم من مواطني تشيلي الذين اعتنقوا الإسلام، مثل خديجة، التي اعتنقت الإسلام منذ نحو عقد من الزمان. والتقينا خديجة في مسجد السلام خلال شهر رمضان.

أحد مساجد تشيلي

لقد اكتشفت الإسلام من خلال بحثها الخاص عبر الإنترنت ولم تأتِ إلى المسجد إلا بعد أن قررت أنها تريد اعتناق الدين الإسلامي. ولا تتفق خديجة مع نهج جماعة التبليغ، وبدلًا من ذلك تشارك في حلقات دراسية مع التشيليين الذين اعتنقوا الإسلام وبعض النساء العربيات المسلمات اللائي يحضرن إلى المسجد.

ويعكف هؤلاء النساء معًا على تلاوة القرآن ودراسته ودراسة الأحاديث النبوية، ويناقشن أخلاق الإسلام. كما تبادلن الأفكار حول وصفات الطعام الحلال. وفيما يخص خديجة، يُعد المسجد مساحة مهمة للتواصل مع مسلمي تشيلي الآخرين والهروب من تجربتهم بوصفهم أقلية.

وفي منطقة للطبقة العاملة على بعد نحو ستة أميال (9.6 كم) غرب مسجد السلام، يوجد مركز الطريقة الصوفية النقشبندية الحقانية، وهي طريقة صوفية عالمية نشأت في آسيا الوسطى. وتعرفنا إلى المتصوفين النقشبندية من خلال إمام تبليغي كان يقدم التعليم الإسلامي للطائفة. وبقيادة شيخ تشيلي محلي أنشأ أول فرع في تشيلي، ترتبط هذه الجماعة الصغيرة من المسلمين بالطرق النقشبندية في جميع أنحاء الأمريكتين، ومنها الأرجنتين والولايات المتحدة.

ومن خلال زياراتنا إلى مركز الطريقة النقشبندية، علمنا أنهم ممن اعتنقوا الإسلام على نحو حصري تقريبًا. وأخبرنا كثيرٌ منهم خلال المقابلات أنهم اكتشفوا الإسلام من خلال ما قالوا إنهم مروا به من لقاءات شخصية مع شيخ الطريقة، محمد ناظم القباني، أثناء الحلم. وتزور الطائفة مركز الطريقة بانتظام لحضور اجتماعات غير رسمية وتناول الوجبات النباتية والذكر، وكذلك صلاة الجمعة.

كما يجتمعون لإعداد وجبات الطعام وتوزيعها في المناطق الفقيرة في سانتياجو. وفيما يخص النقشبنديين، هذا بُعد حاسم لعملهم الأخلاقي. إنها من أهم الطرق لممارسة مبادئ الرحمة والإيمان الإسلاميين.

تاريخ

منذ 3 أسابيع
قبل الإسلام بآلاف السنين.. كيف ساهمت الجزيرة العربية في التطور البشري؟

وإيمان، على سبيل المثال، هي واحدة من مؤسسي حملة الطعام التي يسمونها أولا رباني (Olla Rabbani). وفي كل أسبوع، تسافر هي وغيرها من أبناء الطريقة النقشبندية إلى الأسواق المحلية لجمع بقايا الطعام غير الملوث واستخدامها في تحضير قدور كبيرة من حساء العدس لتوزيعها على السكان المحليين. وكانت إيمان امرأة روحانية عميقة أقامت علاقتها بالله من خلال ممارسة الذكر. لكن إيمان وجدت أيضًا صلة بالله من خلال عملها مع الفقراء. ومن وجهة نظرها، كما هو الحال مع عديد من أتباع الطريقة النقشبندية، يُعد إطعام الجوعى جزءًا من الإسلام مثله مثل أي شكل آخر من أشكال التعبد.

ومجتمعا مسجد السلام ومركز الطريقة النقشبندية ليسا سوى جزء صغير من الجالية المسلمة في تشيلي. وفي سانتياجو وفي جميع أنحاء البلاد، توجد مساجد ومراكز سنية وشيعية وصوفية أخرى لها مجتمعاتها المحلية. وبعضهم خليط من تشيليين اعتنقوا الإسلام ومهاجرين مسلمين من الخارج. والبعض الآخر ممن اعتنقوا الإسلام حصريًّا.

واختتم الكاتبان مقالهما بالقول: وهم معًا يمثلون الأقلية المسلمة في تشيلي. والأهم من ذلك أنهم جزء من العالم الإسلامي الذي يتسع باستمرار.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد