تتقن قردة الشمبانزي التواصل مع بعضها البعض، رغم كلّ ما ادعاه سابقًا بعض الفلاسفة وعلماء اللاهوت والأحياء على حدّ سواء بافتراضِهم أن اللغة منحةٌ حصريّة للإنسان من بين جميع الكائنات. تستعرض الكاتبة «بريدجيت أليكس» في مدوّنتها الجديدة على موقع مجلة «ديسكفر» الأمريكية المختصة بالعلوم كيف ساعدت اللغة العلماء إلى الوصول لفهمٍ أكبر لعقول الشمبانزي ودوافع تواصلهم ومكمون حياتهم الاجتماعية.

كيف تتواصل قرود الشمبانزي؟

Embed from Getty Images

 

في مجتمعات الشمبانزي، يبدو أن إطلاق صافرةٍ تتبعها صيحة عالية وحادّة تعني عند القرود «سأغادر»، أما الهمهمات النشِطة فتعني غالبًا «إنه طعام جيد» وتشير ضربة الورك إلى أن الشمبانزي جاهزٌ للمرح والملاعبة.

تعود هذه الترجمات التقريبية إلى عقودٍ من الأبحاث حول موضوع التواصل بين قرود الشمبانزي. تكشف البحوث ما تعنيه إشارات التواصل لدى القرود –لن يكون مفاجئًا أن تعرف بغلبة موضوعيّ الطعام والجنس لديها-، وتعكس النتائج لماذا وكيف يتواصل الشمبانزي مع أقرانه؟ وكيف هو الأمر مقارنة مع لغة البشر.

يتمركز واحدٌ من أكبر الأسئلة بشأن مراكز الاتصالات لدى الشمبانزي حول مفهوم القصدية: لماذا تتواصل قرود الشمبانزي بشأنِ أمورٍ معينة؟ قد تبدو الإجابة جليّة، لكن يجب في الواقع التمييز ما بين ردود الفعل الفطرية اللاإرادية للمنبهات والنداءات والإيماءات المنتجة بشكلٍ واعٍ بقصدٍ توصيل أمور داخلية مثل الأفكار والمشاعر.

يشمل النوع الأول من التواصل أمورًا مثل الضحك والبكاء، ولا يتوجب بالضرورة وجود الوعي لإنتاجه. يتطلب النوع الثاني أمرًا يُسمّى «نظرية العقل» أي القدرة على فهم أن الكائنات الأخرى لديها أفكار خاصة بها.

Embed from Getty Images

يشير امتلاك مستوى متقدم من «نظرية العقل» إلى وجود مستوى ما من الوعي، ويساعد الباحثين على تقييم مدى ذكاء ووعي الحيوانات مثل الشمبانزي. تدلّ الأبحاث حتى الآن على أن الشمبانزي يفهم وجود الأفكار لدى الآخرين-إلى حدٍّ ما على الأقل.

هنالك نوعان مختلفان من التواصل، أولهما عبارة عن ردود فعل لا إرادية مثل الضحك والبكاء. ثانيهما يتطلب إدراك وجود الأفكار لدى الآخر ويدلّ على مستوى ما من الوعي.

 

قصدية تراتبيّة

تشير الكاتبة إلى مستويات القصديّة المختلفة التي يصنّف العلماء بها التواصل الحيواني، طوّر هذه المستويات الفيلسوف والعالم المختصّ بالإدراك «دانيال دينيت» في الثمانينيات من القرن الماضي. تتناسب المستويات تلك مع درجاتٍ مختلفة من نظرية العقل.

Embed from Getty Images

لا يتطلب المستوى الصفريّ من القصدية وجود نظرية العقل على الإطلاق، ويتضمن أنواع التجاوب التلقائية الخالية من نيّة التواصل. على سبيل المثال، قد تكون بعض القرود مبرمجة بيولوجيًا لإصدار نداء إنذار عند رصد حيوانٍ مفترس، وقد يُفيد هذا النداء الحيوانات الأخرى بتنبيههم لحماية أنفسهم، لكن ليس هذا هو السبب وراء إطلاق النداء في الأساس. (تتخيل الكاتبة هنا قردًا افتراضيًا يشاهد عدوّه المفترس ويصرخ، ربما تكون صرخته صرخة خوف بمعنى «يا للهول! إنه نمر» وليست صرخة تنبيه لرفاقه).

مترجم: «كيف سيبدو الأمر لو كنت كلبًا».. علم الأعصاب يخبرنا بذلك

تعمد الحيوانات ذات المستوى الأول من القصدية إلى إصدار إشارةٍ متعمّدة بهدفِ تغيير سلوك الآخرين، يمكن تشبيه الأمر بقردٍ يصرخ أيضًا بمعنى «يا للهول! إنه نمر» لكن صرخته تهدف إلى حثّ أعضاء مجموعته على الاختباء. يمتدّ المستوى الثاني من القصديّة إلى أبعد من ذلك: تكون الإشارة المعيّنة معمولةً بهدفٍ تغيير أفكار الآخرين وهو ما يتطلّب بالطبع لفهمِ مبدأ وجود الأفكار لدى الآخرين، وبالتالي التحلّي بنظرية العقل.

هل يُطلِق القرد الصيحات لأنه مذعورٌ من النمر أم لينبّه رفاقه ليختبئوا؟

تشير الكاتبة إلى وجود مستوياتٍ أعلى من القصديّة (يتضمّن المستوى الثالث مثلا مبدأ إرادتي أن تعرفَ أنني أريدك أن تعرف أمرًا ما)، لكن غالبًا ما يحوم النقاش بشأن القردة حول المستويات القصدية الثلاث الأولى وحسب.

Embed from Getty Images

لا يمتلك الشمبانزي البنية التشريحية الصوتية الملائمة لإنتاج تنويعات هائلة من الأصوات بقدرِ البشر

لتحديد أيّ من مستويات القصدية تبلغها الحيوانات المختلفة، يستورد باحثو الحيوان معايير من علماء النفس الدارسين لتنمية المهارات اللغوية لدى الرضّع (من البشر). يستشفّ التواصل القصديّ من القرائن الظرفيّة، مثلا حينما يفتعل الرضيع إشارة ما فقط حين يوجد متلقّون ذوو صلةٍ به قربه ويولونه الاهتمام. لإيراد مثالٍ أكثر تحديدًا، حين يشير الطفل إلى زجاجة الحليب فقط عندما يكون هنالك شخصٌ بالغ يشاهد، أو عندما يقوم القرد بالصرخةِ التي يقوم بها عند الإحساس بوجودِ النمر فقط عندما يكون أفراد مجموعته في خطر.

حدودها هي حدود العالم.. من أين جاءت اللغة وكيف تطورت؟

مقاصد الشمبانزي

تضع الكاتبة القرد الافتراضي جانبًا لبعض الوقت، لتتساءل بشأن التواصل عند أكثر الأنواع قربًا إلينا، وتعني بذلك نوعين محددين من الشمبانزي: البونوبو (الاسم العلمي: Pan paniscus) والشمبانزي الشائع (الاسم العلمي: Pan troglodytes).

ليس لدى الشمبانزي البنية التشريحية الصوتية الملائمة لإنتاج أكبر عدد ممكن من الأصوات مثل البشر، ولذلك يعتمد على مجموعة محددة من الأصوات والتي صُنّفت إلى أربعة أنواع رئيسية: أصوات الهوهوة-الهمهمة-النباح-الصراخ، فضلًا عن عشرات الأنواع الفرعية.

ومع ذلك، لدى القرود ذخيرةٌ أكبر بكثير من إيماءات التواصل غير اللفظية، مثل ضرب الفم والهرش المبالغ به وغير ذلك. رُصدت أكثر من 70 إيماءة لدى الشمبانزي والبونوبو معًا. توفر الإيماءات والأصوات سويّة ركائز كافية لتواصلٍ محتمل أكثر استفاضة.

رسم بياني للإيماءات المرصودة لدى قرود الشمبانزي الشائع والبونوبو

من أجل تحقيق أيّ مستوى من التواصل القصدي، تشير الكاتبة إلى وجوب ارتباط الأصوات والإيماءات بأحداثٍ أو عواطف معيّنة بصورة موثوقة. غالب الإشارات تأتي بالمعنى العام الكبيرة، مثل دلالة البكاء على الحزن. على أيّة حال، قد تحمل بعض إشارات الشمبانزي المستخدمة في سياقات معينة معاني أكثر دقة. على سبيل المثال: أكثر من 90% من أصوات الهمهمات الخشنة (وهي نوع معين من أصوات النخر) يصدر في سياقات الطعام، ما يعني أن هذه الأصوات متعلقة بالطعام بشكل رئيسي، وقد تحمل الاختلافات الطفيفة مزيدًا من المعلومات. أثبتت إحدى الدراسات مثلًا أن قرود الشمبانزي الأسيرة أنتجت وفهمت أصوات الهمهمة الخشِنة المتمايزة صوتيًا المتعلقة بالطعام ذي القيمة العالية لديهم ونظيره منخفض القيمة-الخبز والتفاح على التوالي.

الترددات الصوتية المتمايزة للهمهمات الخشنة، ويرتبط الرسم البياني الأعلى (A) بالخبز فيما يرتبط الرسم البياني الأسفل (B) بالتفاح، المصدر

 

إلى أيّ مستوى تصل القصدية لدى الشمبانزي؟

تدعم التجارب الحديثة فكرة امتلاك قرود الشمبانزي للمستوى الأول من القصدية، من خلال إظهار القرود البرية المدروسة على التحكّم بإشاراتهم الصوتية واستخدامها بطريقةٍ تكتيكية. في واحدة من هذه الدراسات، شُغِّل مقطع صوتي لصوت نعيبٍ متقطّع ليسمعه قرد شمبانزي منعزل يتغذى في أشجار الفاكهة –كان الباحثون قد سجّلوا هذا الصوت سابقًا- وجد الباحثون أن الشمبانزي يستجيب غالبًا بصوت الهمهمة الخشنة (الدالة على الطعام)، في حال كان التسجيل الصوتي في الأساس لصوتِ صديقٍ له أو لقردٍ ذي مرتبةٍ أعلى منه.

في دراسةٍ أخرى، قدّم نفس الفريق من العلماء ثعبانًا مزيفًا لقرود الشمبانزي البرية (الثعبان المزيف مصنوعٌ من جلد الثعابين الحقيقي ويتمّ التحكم به من خلال خيطِ صيدٍ شفاف ليبدو حقيقيًا قدر ما أمكن). في غالب التجارب تلك، أخرجت القرود أصواتًا معينة –صوت «هوو» التحذيريّ ونباح «واا»- عندما كانت أعضاء المجموعة غير واعيةٍ للخطر، واستمروا بإصدار هذه الأصوات حتى أصبح الجميع بأمان.

Embed from Getty Images

لكن لا توضّح هذه الدراسات فيما إذا كان الشمبانزي يمتلك المستوى الثاني من القصديّة، بمعنى آخر: الرغبة في تغيير أفكار الآخرين. تستطرد الكاتبة: بالتأكيد لا نستطيع أن نسأل القردة: «هل أصدرت صوت هوو لكي يختبئ أصدقاؤك أم لكي يعرف أصدقاؤك كيف يختبئون؟». تشير تجارب أخرى إلى امتلاك قرود الشمبانزي نظرية العقل لكن بطريقة محدودةٍ أكثر من البشر، وذلك استنادًا إلى طريقة تصرفهم عندما يُخفى الطعام عن أعضاء المجموعة، إذ تبدو قرود الشمبانزي قادرة على إدراك أن الآخرين يمكن أن يكونوا ليسوا على دراية، ولكنهم ليسوا مُضلَّلين (على الأرجح).

لا نستطيع أن نسأل الشمبانزي: [لماذا أصدرت صوت (هوو)؟ لكي يختبئ أصدقاؤك أم لكي يعرف أصدقاؤك كيف يختبئون؟] وهنا تكمن صعوبة معرفة وجود المستوى الثاني من القصديّة عند هذه القرود.

وفقًا للكاتبة، قد يساهم التباين في درجات نظريّة العقل في مسألة الاختلافات بين التواصل البشري وتواصل القرود. مع المستويات العليا من القصديّة يستخدم البشر الكلام للترابط بين بعضهم وللنميمة وكذلك عقد الاتفاقات. أما فيما يتعلق بتلك المرحلة غير المحدّدة ما بين المستوى الأول والثاني من القصدية، تميل أغلبية رسائل الشمبانزي للتصريح بالمقتضيات الرئيسية مثل «طعام جيد» و«لنمارس الجنس الآن!». تتواصل قرود الشمبانزي بشأن الضروريات –ما يتعلق بـالغذاء والجنس والخطر الوشيك- لكنها تتخطى الأحاديث الصغيرة والدردشات.

تميل غالب إيماءات وأصوات الشمبانزي للتعبير عن المقتضيات الضرورية والرئيسية في الحياة -مثل الجنس والطعام والتعبير عن الخطر.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد