تُخفِّض بكين استثماراتها في جميع أنحاء إفريقيا، ولكنَّها لا تزال تتمتَّع بتأثير اقتصادي أكبر من الولايات المتحدة

نشرت مجلة «فورين بوليسي» تقريرًا عن تطورات العلاقات بين الصين وقارة أفريقيا في الآونة الأخيرة. وأشار التقرير الذي أعدَّته نوسموت غاداموسي، مسؤولة الملف الأفريقي الأسبوعي في المجلة الأمريكية، إلى أن العلاقات بين الصين وأفريقيا تشهد تحوُّلًا؛ إذ بدأت بكين تلاحظ أنها لم تُحقِّق سوى قليل من الفوائد الناتجة عن تعاملاتها مع القارة الأفريقية، وأن الولايات المتحدة تحاول أن تستفيد من هذه الأوضاع.

أفريقيا تحتاج إلى سياسة الصين التي تنفع المواطنين

تستهل الكاتبة تقريرها بالإشارة إلى أن القادة الأفارقة اجتمعوا في العاصمة السنغالية داكار الأسبوع الماضي من أجل المشاركة في المنتدى الثامن، منتدى «التعاون الصيني الأفريقي (FOCAC)»، الذي يُعقَد كل ثلاث سنوات بشأن التعاون بين الصين وأفريقيا. وكانت بكين قد خفَّضت تمويلها منذ ثلاث سنوات في القمة السابقة من 60 مليار دولار إلى 40 مليار دولار. وعَدَّ الخبراء هذا الإجراء علامةً على أن علاقة الصين بالقارة تشهد تغيُّرًا.

دولي

منذ شهر
مترجم: صراع الصين مع هذه الدولة يهدد طموحات التنمية في أفريقيا

وألقى الرئيس الصيني شي جين بينج، الذي لم يغادر الصين منذ بدء تفشِّي الجائحة، خطابه عبر تقنية الفيديو. وتعهَّد شي بينج بتشجيع الشركات الصينية على استثمار ما لا يقل عن 10 مليار دولار في أفريقيا على مدى السنوات الثلاث المقبلة ودعم الصفقات الأكثر مراعاة للبيئة. كما وعدت الصين بتقديم مليار جرعة لقاح كوفيد-19 للحكومات الأفريقية.

قروض ممنوحة لغسيل الأموال

وتشير الكاتبة إلى أن بعض المراقبين يرون أن انخفاض التمويل يُظهر أن الصين بدأت تلاحظ أنها لم تُحقِّق سوى القليل من الفوائد الناتجة عن تعاملاتها مع أفريقيا. وأصبحت زامبيا العام الماضي أول دولة أفريقية تتخلَّف عن سداد الديون السيادية خلال حقبة تفشِّي فيروس كورونا. وأعرب المسؤولون الماليون في مجموعة العشرين عن معارضتهم لاتفاقات عدم الإفصاح الخاصة بقروض زامبيا التي تبلغ قيمتها 6.6 مليار دولار من الصين؛ ما أسفر عن ممارسة الضغط على الحكومات الأفريقية من أجل الإعلان عن أي ترتيبات مستقبلية مع بكين.

وفي الأسبوع الماضي حذََّر رئيس جهاز الاستخبارات السرية البريطاني من أن بكين تستخدم الأموال «لتوريط الناس». ولكن غالبًا ما يُبالَغ في تبسيط فكرة دبلوماسية فخ الديون الصينية؛ نظرًا لأن عِدَّة بلدان أفريقية مدينة للدائنين من القطاع الخاص أكثر من الصين، فضلًا عن العلاقات السياسية التي تربط هذه البلدان بقواها الاستعمارية السابقة.

Embed from Getty Images

ووفقًا للتقرير قبِلت الحكومات الأفريقية بمحض إرادتها قروضًا من بكين بسبب عدم الحاجة إلى المساءلة في المقابل. وقد يحقِّق القادة الأفارقة فوزًا في الانتخابات بفضل الطرق والموانئ والسكك الحديدية التي وعدوا بإقامتها للمواطنين. وأكَّد تقرير حكومي نُشِر قبل عقد المنتدى من جديد التزام الصين بـ«عدم التدخُّل في الشؤون الداخلية الخاصة بالدول الأفريقية». غير أنَّ السكان المحليين يزداد احتجاجهم على مشروعات مبادرة الحزام والطريق بسبب المشكلات البيئية الناجمة عنها في مجتمعاتهم.

وتلمح الكاتبة إلى أن أنجولا، وغانا، وجامبيا، وكينيا، شهدت مظاهرات ضد المشروعات التي تموِّلها الصين. وعلى غرار ما حدث في جمهورية الكونغو الديمقراطية، حيث دفعت البنوك الصينية 19 مليون دولار من مدفوعات قطاع البناء لشركة لم تُنفِّذ مشروعات بناء معروفة، يزداد القلق العام بشأن القروض مع استخدام قليل من القيود المفروضة على غسيل الأموال الخاصة بالمشروعات التي لم تُدشَّن مطلقًا.

وفي نيجيريا أحد أكبر البلدان التي تتلقَّى استثمارات مبادرة الحزام والطريق، تبلغ تكلفة المشروعات الوهمية 6.8 مليون دولار. وكانت هذه المشروعات تهدف إلى توفير الكهرباء إلى المجتمعات التي لا تغطيها الشبكات الكهربائية، ولكن انتهى الأمر إلى سداد وكالة كهربة الأرياف في نيجيريا مدفوعاتٍ مستحقَّة لأكثر من 150 مقاولًا مُبهمًا أو غير معلوم.

الولايات المتحدة والصين

وبحسب التقرير على الرغم من هذا الاستياء، فإن هذه العلاقة قدَّمت تكنولوجيا ميسورة التكلفة وبرامج التبادل الشبابي والتدريب الطبي، فضلًا عن البرامج التي تعالج العجز التجاري، إلى الأفارقة: إذ بلغت صادرات الصين إلى أفريقيا أكثر من 113 مليار دولار في عام 2019، ولكنَّها تلقَّت 95.5 مليار دولار فيما يتعلق بالواردات؛ ما يمثِّل عجزًا تجاريًّا تبلغ قيمته نحو 18 مليار دولار تتكبَّده الاقتصادات الأفريقية.

وتحاول الولايات المتحدة أن تستفيد من مشاعر الإحباط التي تسبَّبت فيها بكين. وأوضح وزير الخارجية الأمريكية أنتوني بلينكين أثناء وجوده في نيجيريا الشهر الماضي أن «صفقات البنية التحتية الخاصة بالدول الأخرى مُبهمَة وإجبارية» دون أن يشير إلى الصين. وأضاف: «إنها تُثقِل كاهل البلدان بديون تصعُب السيطرة عليها». ولكنَّ واشنطن لا ترحِّب بذلك.

فرص سانحة أمام الشركات الأفريقية

وينوِّه التقرير إلى أنه مع انعقاد القمة الافتراضية للرئيس الأمريكي جو بايدن من أجل الديمقراطية في هذا الأسبوع في خِضَمِّ تفشِّي سلالة أوميكرون على صعيد عالمي، مُنع مقيمون غير أمريكيين من ثماني بلدان من دخول الولايات المتحدة. وكانت جميع هذه البلدان أفريقية، بما في ذلك جنوب أفريقيا، ثالث أكبر اقتصاد في القارة الأفريقية.

Embed from Getty Images

وخلُص مقال نشرته مجلة «فورين بوليسي» الأسبوع الماضي إلى أن علاقات الولايات المتحدة مدفوعة في المقام الأول بالمخاوف الأمنية، وليس الاقتصادية. وقد توفِّر الولايات المتحدة مُعدَّات وتدريبات عسكرية على الأرض، ولكنَّ الصين صنعت الهواتف المحمولة المُستخدمة، وأجهزة التلفزيون التي يشاهدها الأفارقة، والطرق التي يسيرون عليها ويستخدمونها في حياتهم اليومية.

وتختم الكاتبة تقريرها بالإشارة إلى أنه في ظل نمو التكنولوجيا الأفريقية، أشار محلِّلون إلى أن القادة (الأفارقة) ينبغي أن يتفاوضوا على مشروعات وسياسات مُشتركَة للاستفادة من السوق المحلية الضخمة في الصين. وسوف يُسفِر تطوير المشروعات الناشئة عن تحسين فرص وصول الشركات الأفريقية إلى التصنيع والتدريب واللوجستيات التجارية الصينية؛ ما يؤدي إلى تقليل الاعتماد على الشركات المملوكة بالكامل للصين.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد