نشرت صحيفة «واشنطن بوست» تحليلًا لكارولين لوجان، الأستاذة المشاركة في العلوم السياسية بجامعة ولاية ميشيجان ونائبة مدير منظمة «أفروباروميتر»، وجوزيفين أبياه نياميكي ساني، الباحثة بالمنظمة نفسها، حول شعور المواطنين الأفارقة بمدى تأثير الاستثمارات الصينية التي لا تصاحبها أي شروط سياسية في الدول الأفريقية، وهل تساعد هذه الاستثمارات في تطوير الأوضاع السياسية وتعزيز الديمقراطية والتنمية في بلدانهم، أم تقوضها وتقف في طريقها؟ 

وتستهل الباحثتان تحليلهما بالقول إنه على مدى العقدين الماضيين، توسَّعت الصين وأفريقيا في علاقاتهما السياسية والاقتصادية توسُّعًا كبيرًا. وأثار دور الصين الريادي في تمويل التنمية في أفريقيا قلق بعض المراقبين بشأن النفوذ السياسي والقوة الاقتصادية والديون التي ستثقل كاهل الدول الأفريقية.

العالم والاقتصاد

منذ 8 شهور
«واشنطن بوست»: تصل إلى 25 مليار دولار..ماذا نعرف عن الديون الأفريقية للصين؟

وتمنح فريدوم هاوس، وهي مؤسسة بحثية تتخذ من واشنطن مقرًّا لها، الصين درجة 9 من 100 على مؤشر الحرية العالمي، موازنةً بـ83 و90 و93 للولايات المتحدة وللقوتين الاستعماريتين السابقتين، فرنسا والمملكة المتحدة، على الترتيب. وعلى عكس المانحين الغربيين، لا تضع الصين شروطًا مرتبطة بالأجندات السياسية، مثل تعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان، نظير المساعدات التي تقدِّمها للدول الأفريقية.

ويساور القلق دعاة الديمقراطية من أن إمكانية لجوء الحكومات الديمقراطية الوليدة في أفريقيا إلى موارد الصين المُعفاة من الشروط قد يجعل تعزيز حكم ديمقراطي خاضع للمساءلة في جميع أنحاء القارة أمرًا صعبًا.

وخلال الأسبوع الماضي، وقبل قمة ديسمبر (كانون الأول) من أجل الديمقراطية، يشير التقرير إلى النتيجة التي توصل إليها القائمون على «أفروباروميتر» بأن الأفارقة يريدون ديمقراطية أكثر من تلك التي يشعرون بأنها متوفرة لهم، ونشرت الصحيفة هذا الاستنتاج في حلقة أولى من هذه السلسلة، الأسبوع الماضي. ويدرس «أفروباروميتر» هذا الأسبوع هل قوة الصين في القارة الأفريقية مرتبطة بالتزام ديمقراطي أضعف أم أنها تضخِّم تقييمات الأفارقة لمدى الديمقراطية الذي توفره لهم حكوماتهم.

وأكمل «أفروباروميتر» (Afrobarometer) أو مقياس أفريقيا – وهي شبكة بحث أفريقية مستقلة وغير حزبية تقيس المواقف العامة من الشؤون الاقتصادية والسياسية والاجتماعية في أفريقيا ومقرها العاصمة الغانية أكرا – للتو جولته الثامنة من الاستطلاعات (2019-2021)، والتي تتكون من 48084 مقابلة أجريت وجهًا لوجه في 34 دولة. وفيما يلي ما استنتاجات الشبكة.

المواقف تجاه الصين لا تؤثر في المطالبة بالديمقراطية

فيما يتعلق باستكشاف تأثير الصين، يبدأ «أفرباروميتر» بسؤال المشاركين في الاستبيان عن البلد الذي يقدم «أفضل نموذج للتنمية المستقبلية لبلدك». ويصنف واحد من كل ثلاثة مشاركين (33%) الولايات المتحدة على أنها النموذج المفضل لديهم، بينما يفضل 22% محاكاة الصين. ويختار آخرون جنوب إفريقيا (12%)، أو القوة الاستعمارية السابقة لبلادهم (فرنسا) (11%)، أو نموذج بلدهم (7%).

Embed from Getty Images

وعندما ننظر فقط إلى المشاركين الذين قالوا إنهم يفضلون الديمقراطية على جميع الأنظمة السياسية الأخرى، فإن 35% يفضلون النموذج الأمريكي لتنمية بلادهم، ويختار 23% النموذج الصيني.

إن الأفارقة الذين يفضلون الصين بصفتها نموذجًا تنمويًّا لا يفكرون بالضرورة في الحكم الرشيد؛ هم على الأرجح مثل أولئك الذين يفضلون النموذج الأمريكي للتعبير عن دعمهم للديمقراطية والانتخابات والمنافسة المتعددة الأحزاب والحكومة الخاضعة للمساءلة، ومن المرجح أن يرفضوا البدائل الاستبدادية مثل دولة الحزب الواحد أو الحكم العسكري.

ويسأل «أفروباروميتر» أيضًا المشاركين عن مدى تأثير الأنشطة الاقتصادية الصينية في اقتصاد بلدهم: فيقول 61% «محدود» أو «كبير»، بانخفاض 12 نقطة مئوية منذ 2014-2015. وردًّا على سؤال حول تأثير الصين وهل هو تأثير إيجابي في الغالب أم سلبي في الغالب، قال 63% إنه «إيجابي إلى حد ما» أو «إيجابي للغاية»، بينما قال 60% الشيء نفسه عن الولايات المتحدة. وهنا نجد مرةً أخرى أن المشاركين الذين يصنِّفون تأثير الصين على أنه «إيجابي للغاية» هم على الأرجح مثل أولئك الذين يرون أن تأثير الولايات المتحدة «إيجابيًّا للغاية» في دعم المعايير والمؤسسات الديمقراطية.

وأجرى المقياس موازنة بين دعم الديمقراطية في أوساط أولئك الذين يصنِّفون تأثير الصين على أنه «سلبي للغاية» وأولئك الذين يصنِّفونه على أنه «إيجابي للغاية». وعلى عكس مخاوف بعض دعاة الديمقراطية، من المرجح أن أولئك الذين ينظرون إلى تأثير الصين على أنه إيجابي سيقولون إنهم يفضلون الديمقراطية (71% مقابل 63% ممن يرون تأثير الصين سلبيًّا)، وأنهم يدعمون الانتخابات (77% مقابل 69%). وبخلاف ذلك، تُعد الاختلافات طفيفة.

وباختصار، يبدو أن المواقف الإيجابية للأفارقة تجاه الصين لا تقوِّض التزامهم بالديمقراطية.

«تأثير الصين» في تقييمات التطور الديمقراطي؟

عندما يتعلق الأمر بمدى الديمقراطية التي يحصل عليها الأفارقة، فإننا نرى دليلًا متواضعًا على «تأثير الصين»: عندما يُعجَب المواطنون الأفارقة بالصين بصفتها نموذجًا تنمويًّا، فإنهم يشعرون بأنهم في حال أفضل تجاه الحكم الديمقراطي في بلادهم.

Embed from Getty Images

وتوضح الباحثتان أنه عند تقييم مدى الديمقراطية في بلدان المشاركين، لا يختلف الذين يفضلون منهم النموذج الصيني عن أولئك الذين يفضلون النموذج الأمريكي. ولكن فيما يتعلق بمقاييس الرضا عن الديمقراطية، وجودة الانتخابات، ومساءلة الرؤساء أمام البرلمان والمحاكم، فإن الأفارقة الذين يفضلون النموذج الصيني يقيِّمون الظروف الديمقراطية في بلادهم بطريقة أكثر إيجابية.

وقد يشير هذا إلى أن الأفارقة الذين يميلون إلى تفضيل الصين يُلزمون حكوماتهم بمعايير ديمقراطية أقل قليلًا. لكن الاختلافات ليست كبيرة بما يكفي بحيث تشير إلى أن وجود الصين يغير تصورات الأفارقة تغيرًا كبيرًا عن واقع الأنظمة السياسية في بلدانهم.

وفي حين أن المحللين في الغرب قلقون بشأن عدم فرض الصين شروطًا سياسية في مقابل قروضها ومساعدتها الإنمائية، قد يرى الأفارقة في ذلك ميزة جذابة، وليس خطأ. وعندما سأل «أفروباروميتر» المشاركين هل يتعين على الدول المانحة فرض متطلبات صارمة لكيفية إنفاق أموالهم؟ أجاب 55% بالنفي. وبالمثل، يرفض 51% الشروط المنصوص عليها لضمان قيام الحكومات المستقبلة للمنح بتعزيز الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان. ويريد الناس من حكوماتهم – وليس الصين أو الولايات المتحدة أو البلدان الأخرى – أن تحدد المعايير الاقتصادية والسياسية للبلاد. وقد يساعد هذا في تفسير سبب عدم تأثير النفوذ الاقتصادي الصيني تأثيرًا كبيرًا في المواقف تجاه الديمقراطية أو تقييماتها، سواء على نحو إيجابي أو سلبي.

إن وجود الصين اقتصادي أكثر منه سياسي

وتخلص الكاتِبتان إلى أن التأثير الاقتصادي الصيني عبر افريقيا باختصار يبدو أنه لا يؤثر في آراء المواطنين بشأن المشروع الديمقراطي.

وتختتم الباحثتان تحليلهما بالقول إن الأدلة تشير إلى أن الأفارقة ينظرون إلى الصين على أنها وجود اقتصادي وليس سياسيًّا. وعلى الرغم من بعض المخاوف الغربية، يبدو أن مساعدات التنمية الصينية لا تعزز الاستبداد وتقوض الديمقراطية – على الأقل ليس من منظور الأفارقة العاديين.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد